استعرضنا في الأحاديث السابقة تطور الحياة الاجتماعية ، وأهم الظواهر البارزة فيها ، وأتينا على المفارقات الشاسعة بين طبقات الشعب وما تتعرض له الأغلبية الساحقة من السكان ، وهم جمهور ، الزراع ، والمشتغلون بالصناعة والتجارة ، المتعلمون منهم أو العمال سواء من الناحية المادية او من الناحية العلمية ، وسواء إذا ما زاولوا أعمالهم أو إذا ما اضطرتهم ظروف الحياة إلي البطالة .
وقد خلص لنا أن هناك وسائل كثيرة تتعدد بتعدد نواحي الحياة الاجتماعية تساعد علي تحسينها ورفع شأنها .
وفي مقدمة هذه الوسائل ما تبذله الحكومة ، سواء بالعمل علي استحداث نظم جديدة ، أو وضع
تشريعات اجتماعية .
ولكن هناك وسائل فعالة أبعد أثراً وأهم نفعاً وهي المحاولات التي يقوم بها أفراد الشعب في سبيل الإصلاح الاجتماعي .
لأن الحياة الاجتماعية للأفراد هي في تدرجها الحياة الفردية للفرد ، ثم الحياة العائلية للأسرة ، ثم الحياة الطائفية لأي جماعة من الجماعات ، أو هيئة من الهيئات ، وأخيراً تتألف من كل هذا ، الحياة الاجتماعية العامة لجميع أفرد الشعب .
فاذا جاز لنا أن نصور جهود الدولة ، وجهود الأفراد إزاء الحياة الاجتماعية فلنتصور أن مجموع هذه الجهود تكون شكلا هرميا مثلث الأضلاع قاعدته
الأعمال التي يقوم بها الأفراد ، ويقوم بها المواطنون جميعاً ، وفي نهايته الأعمال التي تؤديها الدولة ، إذ أنها تتوج سائر الجهود .
ولا نعني في هذا المقام ما يبذله الأفراد وينظرون من وراء ذلك إلى منفعة ذاتية خاصة ، ويكفيهم إرضاء أنفسهم وإشباع رغباتهم ، ولا يحفلون بأثر جهودهم في غيرهم ، أو بحكم مواطنيهم عليها ، فأمثال هذه الجهود ذات الطابع الأناني لا يمكن بحال أن تؤدي إلي حياة اجتماعية صالحة ؛ وطبعا يتطلب هذا أن يتأصل في نفوس الأفراد اعتقاد جازم بأن لكل منهم أثراً بالغاً في حياة الجماعة ، وأن ما يقوم به من الأعمال يعود على نفسه أولا ولكن يعود على غيره أخيراً ، وأن هذا هو المقياس الحقيقي له بين مواطنيه .
ويستوي في هذا الأغنياء والفقراء ، والعمال وأصحاب الأعمال ، والمزارعون وأصحاب الأملاك ، على اختلاف فقط في القدر الذي يستطيع كل منهم بذله تبعاً لقدرته واستعداده وظروفه ، وسيترتب على هذا الإدراك ألا نجد بين الجماعة هؤلاء الأفراد المتواكلين الذين يستهينون بأنفسهم ، ويشعرون بضآلة شأنهم فيعيشون في هذه الحياة الدنيا ، ويبارحونها وكأنهم لم يروها .
كذلك سيتواري فريق من الأفراد يصور له ثراؤه أو جاهه أنه في عزلة من مواطنيه ، همه من حياته مطامع يصل إليها ، ومآرب يحصل عليها ، تتطلب الحياة الأجتماعية إذن أن يشعر كل فرد بأن عليه للمجتمع ديناً يجب أن يؤديه ، وحساباً يجب أن يقدمه .
فقد حبا الله عباده بنعم متعددة ، وخص بعضهم بالمال ، وبعضهم بالعلم ، وبعضهم بالجاه ، وآثر بعضهم على بعض بهذه الهبات ، فما على كل ذي نعمة ألا أن يزكي عنها ، وينزل عن جزء منها ، إذ أن للمال زكاة ، وللعلم زكاة ، وللجاه زكاة .
لقد استتبع تطور الحياة الاجتماعية وجود طوائف من الناس قست عليهم ظروف الحياة ، وتركتهم بين طفل مشرد ، أو عاجز عن العمل ، أو مريض لا يعرف طريقه إلي العلاج .
ولقد قامت الحكومة وقادة الرأي بإعداد النظم والمنشآت التي تكفل إيواء المشردين ، وإعانة العاجزين وعلاج المرضي ، فأسست الجمعيات الخيرية ، والملاجيء والمستوصفات ، وصناديق الإعانة ، ومكاتب المساعدات ، ولكن ما الذي يضمن لهذه المنشآت الازدهار والانتشار ، وما الذي يساعدها على أن تؤدي مهمتها على أعم وجه وأنفعة ؟
لا شك أن المال هو الدعامة لكل ما تقدم ، ولا سيما وقد أصبحت أعمال البر ضرورة اجتماعية يتعدى أثرها إلي سائر المجتمع ، إذ انه قد انقضي العهد الذي كان يقصد فيه بالاحسان المباهاة والمفاخرة ، ولا يرمي الكريم إلا إلي أن يشيد بذكره المحسن إليه ، وأن يسد بكرمه حاجة عارضة ، وصارت أعمال البر والاحسان هي الأعمال المنظمة المستقرة ذات الأثر العميم المستقر .
وهذه لا تكفي أن يغذيها أريحية فردية عارضة ، أو نفحة من جواد لا يعود إليها مرة أخرى ، إذ أن الجهات المنظمة من أعمال البر الاجتماعي لا تقوم إلا على إحسان منظم يشترك فيه أكثر عدد ممكن من الأفراد كل على قدر طاقته ، يساهمون في المؤسسات المتعددة ويتعاونون في تغذنة صناديق الإعانة ، ومكاتب المساعدات الاجتماعية ، ويتسابقون إلي الأسواق والمحافل الخيرية ، فيصبح حب الخير عادة متأصلة في نفوسهم ، وإيتاء المعروف والإحسان عملاً يقومون به لوجه الله ، ولصالح المجتمع .
هذا أثر الفرد في المجتمع ، إذا كان لديه فضلة من المال .
أما أثره في الحياة الاجتماعية ، إذا كان على شيء من العلم ، فلا يقل شأنا عن أثره السابق ، وإن للعلم زكاة كزكاة المال تماما ، إذ أن من واجب المتعلم أن يكون نافعا بعلمه ، وأن يرد بعضه إلي البيئة التي نشأ فيها وتجب زكاة العلم على المتعلمين جميعاً ، سواء في ذلك العامل المتعلم ، أو طالب المعاهد الدينية ، أو طالب المعاهد العليا ، أو حملة الشهادات المدرسية على اختلاف درجاتها وأنواعها .
كل هؤلاء عليهم أن يشعروا أن للمجتمع حقاً فيما يعلمون ، وأنه ينتظر منهم أن يؤدوا إليه هذا الحق على أي صورة من الصور التي يستلزمها النشاط الاجتماعي .
ومن حسن الحظ أن الوسائل التي تساعد علي تحسين الحياة الأجتماعية ، وتحتاج إلى جهود الأفراد المتعلمين لا تقع تحت حصر .
فقد يكون من الممكن أن تحصر الحكومة جهودها التي تزاولها لتحسين الحياة الاجتماعية ، لأن هذه الجهود محدودة بميزانية معينة وبعدد معين من موظفي الدولة .
أما نواحي النشاط الاجتماعي العامة ، فلا تحد ، إذ أنها تتسع للأفراد جميعاً ما دامت بين جوائحهم نفوس تشعر بالواجب عليها نحو المجتمع .
من الميسور أن توضع نظم ، وأن تسن قوانين لإنشاء النقابات بين العمال ، أو لإيجاد نظام التعاون ، أو لتشجيع إفتتاح معاهد لمحو الأمية ، أو للدراسات الاجتماعية ؛ ولكن ليس من الميسور أن تتغلغل هذه النظم في نفوس الشعب ، وأن تتسرب مبادئها إلي عقائد أفراده ، إلا إذا وطن المتعلمون من الإفراد أنفسهم على الاستفادة من هذه الجهود الرسمية ، والتوسع في استخدامها ، والقياس عليها ، بل واستحداث أكثر منها .
على أن يقوم كل فرد بما يتيسر له في هذا الواجب القومي ، حسبة لوجه الله ، ولوجه الوطن ، شأنه في ذلك
شأن المدين الذي قام بوفاء دين عليه لدائنيه ، فلا يرجو من هذا الوفاء جزاء ولا شكورا .
إذ إن الخدمات الاجتماعية بطبيعتها ، وبالقياس إلي ما حدث في الدول التي انشرت فيها لا تنهض إلي على أكتاف جنود مجهولين يؤثرون العمل الصامت ، ولا يتطلبون من وراء جهودهم إلا نجاح رسالتهم .
لذلك أطلق عليهم جيش الخلاص ، لأنهم يعملون على تخليص مواطنهم من البؤس إلي السعادة ، ومن الجهل إلي العلم ، ومن التفكك والانحلال إلي التآزر والتعاون ، ومن الضلال إلي الهدي ، ولا يتطلب هذا الجيش إلا سلاحا واحداً ، هو الإيمان الصادق بخدمة المجتمع والتفاني في الوصول إلي هذا الغرض .
فلو اتخذ المتعلمون في مصر هذا السلاح ، على اختلاف بيئاتهم وأنواعهم ، عمالا وطلبة ، وحائزين على مؤهلات دينية أو مدنية ، وهم لا يقلون عن مليوني فرد ، وجردوا أنفسهم لمحاربة الأمية ، ولمحاربة البدع والعادات السيئة ، وللدعاية للتعاون وللجمعيات القومية النافعة ، وللمشروعات الصالحة ؛ واتخذوا من منتدياتهم ثكنات يعدون فيها عدتهم ، ومن محافلهم ومهرجاناتهم مواقع حاسمة يقضون فيها على ما في هذا المجتمع من شرور وآثام ، لنالت الحياة الاجتماعية علي سواعدهم في سنوات ما لم تنله على هذا السير الوئيد البطئ في أجيال .
أما صاحب الجاه من الأفراد فزكاته أن يسبغ شيئاً من جاهه العريض على نواحي النشاط الاجتماعي التى يهيئه استعداده أو هوايته لها . وألا يقعد به جاهه عن الدخول في ميدان الخدمة الاجتماعية العامة ، وألا يكفيه من جاهه ما يستمتع به في عمله الرسمى ، أو ما يشعر به في المحافل والمجتمعات من الصدارة والتكريم .
وما أحوج المؤسسات الاجتماعية والمشروعات القومية إلي مكانة ذوي الجاه حتى تكسبها ثقة وتحمل الناس على
الإقبال عليها وعلى الأخذ بها
بذلك يصون ذوو الجاه جاههم ، فكما يضاعف الله للمتصدقين أموالهم فيرد إليهم الحسنة عشرة أمثالها ، كذلك ذوو الجاه ، إذا ما منحوا شيئاً من جاههم للخدمة الاجتماعية العامة مكن الله لذكراهم ، وأبقى اسمهم ، وجعل خير أمتهم على أيديهم .
وللفرد صاحب الجاه أثر آخر في الحياة الاجتماعية , بجانب الأثر الذي يحدثه من مساهمته في النشاط الاجتماعي ،
وذلك إذا ما كان يتخذ من نفسه مثلا صالحاً لمواطنيه ، ينأي بنفسه عن مواطن الزلل ، ويقربها إلي مواطن الكمال ، يطابق بين أقواله وأفعاله ، ولا يقوم بدعوة خيرة إلا ويكون هو البادئ بها ، فيصبح له أجرها وأجر من عمل بها إلي يوم القيامة .
هذه هي آثار الفرد في الحياة الاجتماعية إذا ساهم فيها بماله ، أو بعلمه ، أو بجاهه ، قد أجملناها ؛ وربما عدنا إلي تفصيل ما أجملناه .

