الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 41 الرجوع إلى "الثقافة"

أثر الفنون الاسلامية فى بولندة

Share

في هذه الساعة التاريخية التي يستشهد فيها الشعب البولندي الكريم، وتختفي بولندة المستقلة إلي أن يتم النصر لحلفائها في الغرب، نذكر ان بعض المسلمين قد يعرفون ان بها جالية إسلامية؛ ولكن قل من يقطن إلي ما كان للفنون الاسلامية من تأثير ظاهر في بعض الأساليب الفنية في تلك البلاد.

أجل، فان بولند لم تكن مركزا من مراكز الثقافة الغربية فحسب؛ بل كانت حلقة من حلقات الاتصال بين الغرب والشرق الأدنى، ولا سيما في القرنين الرابع عشر والخامس عشر بعد الميلاد، حين امتدت أملا كها إلي حدود البلقان الشمالية. فلا غرو إذا تأثرت بالفنون الاسلامية في تركيا وإيران، بعد أن تأثرت بأساليب فنية اخري تمت إلي الشرق بصلة وثيقة؛ وهي الأساليب الفنية البزنطية والروسية.

على أن اتصال بولندة بالشرق الأدنى لم يكن في البداية اتصالا شخصيا ومباشرا، وإنما كانت المدن الواقعة جنوب شرقي بولندة، ولا سيما كاميينيس بودولسكى (١) Cameniee Podoiski ولوفوف (٢) Lwow تحصل على تحف شرقية كثيرة من مستعمرات جمهورية جنوه على البحر الأسود، وأعظم هذه المستعمرات شأنا ثغر

كافا Kaffa في شبه جزيرة القرم. وقد استولت عليه جنوه سنة ١٢٧٠ م، ثم اخذه الترك سنة ١٤٧٥، وضم إلي الروسيا سنة ١٧٧٠، حيث يعرف الآن باسم ثيودوسيا

وفضلا عن ذلك، فقد كان في مدن بولندة - وعلي الخصوص في لوفوف - مهاجرون من الارمن واليونان، نزحوا إلى تلك البلاد منذ القرن الثالث عشر الميلادي: ولكنهم لم يقطعوا أسباب الاتصال بأوطانهم الأولى ؟ فكانوا يستوردون منها البضائع والتحف الشرقية؛ كما كانوا يشيدون الكنائس والعمائر في مهجرهم، على الأساليب الفنية التي الفوها في بلادهم. والمعروف ان هذه الاساليب الفنية كانت قد اصبحت ذات صلة وثيقة بالفنون الاسلامية منذ استولى المسلمون على أرمينيا، وامتد نفوذهم الفني إلي البلقان.

وخير دليل على ذلك ما يلاحظه مؤرخو الفنون في الزخارف المحفورة في الحجر بالكنيسة الارمنية في مدينة لوفوف؛ وهي كنيسة ترجع إلى النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي، وفي زخارفها من الفروع النباتية الأرابسك والقرنصات ورسوم وريقات الشجر ذات الفصوص الثلاثة، ما يشهد بتأثير الطراز السلجوقى عليها.

والواقع أن المعماريين الأرمن ومواطنيهم ممن اشتغلوا

بالنقش في الحجر، واستقروا جنوبي بولندة، نقلوا بعض الأساليب الإسلامية في العمارة وفي الزخرفة إلي الأقاليم المحيطة بهم، والتي تقع الآن في رومانيا أو جنوبي الروسيا، كما يظهر من العقود الأيرانية المستخدمة في بعض العمائر ومن الزخارف في الأعمدة وواجهات المباني

وزاد اتصال بولندق الأدنى في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بعد ان امتد نفوذ الاتراك العثمانيين في البلقان إلي حدود بولندة، وبعد ان صار ثغر كافا Kaffa في قبضة يدهم منذ عام ١٤٧٥ م فعظم نشاط التجار من الأرمن والترك واليونان، واصبحت بولندة من اهم الأسواق لتصريف البضائع والتحف التركية والإيرانية التي كان التجار يجلبونها من الشرق الأدنى. وقد كان الارمن الإيرانيون يقومون بالرحلات إلي وطنهم الاول لانشاء العلاقات التجارية واختيار التحف، بل إن بعض ملوك بولندة كانوا يوفدون عملاءهم من أولئك التجار إلي قاشان أو إصفهان لشراء السجاجيد الثمينة والمنسوجات النفسية والأسلحة الغالية. ومن ملوك بولندة الذين عنوا بالتحف الشرقية عناية خاصة اصطفان باثوري

١٥٧٥-١٥٨٧ وسجسمند الثالث ١٥٨٧-١٦٣٢ وأوغسط الثالث ١٧٣٣-١٧٦٤.

وقد ورد ذكر التحف الشرقية في كثير من الوثائق البولندية في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وجاء في سجلات البضائع عند كبار التجار بيان ما كانوا يملكونه من السجاجيد الإيرانية الغالية، التي كان ينص على ان بعضها من الحرير والخيوط الذهبية. وهو النوع الذي يطلق عليه علماء الأثار الاسلامية اسم " السجاجيد البولندية ". واكبر الظن انها من منتجات مصانع البلاط عديدة إصفهان في القرن السادس عشر الميلادي. وقد غلبت عليها هذه التسمية لانها كانت تنسب إلي بولندة حينا من الزمن ولكن الواقع إن زخارفها خليط من زخارف الأنواع الآخر من السجاجيد الإيرانية والمرجح الآن أن هذه السجاجيد ذات الألوان الرقيقة

والأرضية الفضية او الذهبية التي تلائم الذوق العربي كانت تصنع في إيران لتهدي إلي الملوك والأمراء في الغرب، كما ان بعض السجاجيد النفيسة كانت تفسح في إيران وتركيا وعليها أشعرة بعض الأسرات البولندية التي كانت توصي بصنعها

وكذلك ذكرت التحف الإسلامية في القوائم التي كانت تحصر فيها التركات .

ومثال ذلك ان الأمير اوستروجسكي Ostrogiski توفي سنة ١٦١٦، وكان من مخلفاته عدد وافر من الصناديق المملوءة بالسجاجيد النفيسة ذات الخيوط الذهبية

وقد أشار الأستاذ ماتكوفسكى (١) Tadeusz  Mankowski إلى قضية بين تاجرين من الارمن في مدينة لوفوف، كان موضع النزاع فيها اربعا وعشرين سجادة إيرانية منسوجة يخيوط الذهب، وقد قدرتها المحكمة بخمسة عشر ألفا من الفلورينات البولندية. وهو مبلغ عظيم بالنسبة إلي ذلك العصر.

والواقع ان لوفوف كانت مركزا تجاريا كبيرا، وان نشاطها الاقتصادي لم يقف عند المتاجرة في التحف الشرقية؛ بل عمل بعض رجال المال في منطقها على نسج الاقمشة النفيسة على الطراز الشرقي، فاستقدموا في النصف الثاني من القرن السابع عشر عددا وافرا من عمال النسج

في الأراضي الواطئة وأنزلوهم مدينة برودي (١) Brody وجلبوا غيرهم من بلاد اليونان وتركيا واتيح لهذه المصانع المحلية ان تنتج من الديباج والسجاد وسائر المنسوجات الثمينة ما لا يسهل تمييزه من منتجات إيران وتركيا. فالسجاجيد المصنوعة في تلك المصانع لا تكاد تختلف عن السجاجيد الإيرانية إلا في مادتها؛ إذ ان ارضية الاولى منسوجة من صوف غنم طبيعي غير مصبوغ، وتغلب عليها الألوان الهادئة وتندر الألوان الحمراء الفاتحة؛ ولكنها لا تساوي السجاجيد الإيرانية الحقة في دقة الزخرفة ومتانة الصناعة ونضارة الألوان.

أما الميدان الذي أصاب فيه البولنديون توفيقا عظيما في تقليد الاساليب الفنية الإسلامية فهو نسج الأحزمة الشيلان الحريرية، التي لم يكن يستغني عنها نبيل من النبلاء. وقد نشطت هذه الصناعة نشاطا عظيما في القرن الثامن عشر، وأنتجت المصانع في المدن الجنوبية الشرقية في بولندة كميات كبيرة من تلك الأحزمة أو الشيلان التي تشبه كثيرا أحزمة الشيوخ وشيلاتهم في الشرق الإسلامي.

وفي مصر مجموعة وافرة من هذه الأحزمة البولندية، جمعها المغفور له الأمير كمال الدين

حسين، والت بعد وفاته إلي دار الأثار العربية فعرضتها في فرعها الجديد بشارع الإنشا، مع سائر التحف التي خلفها الأمير.

ولم يكن أثر الفن الإسلامي ظاهرا في أحزمة الفرسان والنبلاء أو " شيلانهم " فحسب؛ بل كانت ملابسهم الرسمية ذات زخارف إيرانية الأصل.

على أن الأحزمة " البولندية " كانت في بداية الأمر من أروج التحف التي كان التجار الارمن يأتون بها من إيران وتركيا إلي بولندة؛ وزاد الإقبال عليها، فأنشأ أولئك التجار مصانع خاصة لنسجها في استانبول في النصف الأول من القرن الثامن عشر، ثم نقل بعضهم تلك المصانع إلي بولندة، كما انشئت مصانع غيرها، ولم ثابت هذه الصناعة أن أصابت نجاحا كبيرا في بعض المدن البولندية ولاسيما لوفوف وستانسلافوف Stanislawow وبرودي Brody وكراكوفيا Cracow

والملاحظ ان الاحزمة الحريرية الصنوعة في بولندة أصغر من الأحزمة الإيرانية والتركية، وان زخارفها اشرطة فيها رسوم نباتية ورسوم هندسية متتابعة، وينتهي طرفا الحزام البولندي بزخرفتين متشابهتين كانتا في معظم الأحيان من رسوم زهر القرنفل؛ وطبيعي أن الاصطلاحات الفنية التي استعملها البولنديون في هذا الميدان كانت من اصل تركى أو إيراني، كما يظهر من بعض المستندات - ولا سيما الفواتير الموجودة في دور المحفوظات البولندية.

ومهما يكن من الأمر فقد اتقن البولنديون نسج الآحزمة الشرقية الطراز، حتى استغنوا عن كل ما كانوا يجلبونه من إيران وتركيا، وتخصصت بعض المصانع البولندية في إنتاج أنواع معينة من تلك الأحزمة. ولكن

تأثير الفنون الغربية لم يلبث أن غلب على هذه الصناعة أيضا، فحلت الزخارف الأوربية محل الزخارف الاسلامية، وزال تأثير الفن الإسلامي علي تلك الصناعة منذ بداية القرن التاسع عشر.

على أن تأثير الفن الإسلامي لم يقف عند صناعة السجاد والمنسوجات؛ بل إن صناع الجلود وصناع التحف المعدنية والحلى والأسلحة كانوا يقلدون المنتجات الاسلامية، ولا يزال ذلك ظاهرا حتى اليوم في التحف المحلية المصنوعة في مدينة لوفوف. وكثيرا ما نري في تلك التحف ان العناصر الزخرفية الاسلامية موجودة مع قليل من الزخارف الغربية في توافق وانسجام تامين. ويرجع ذلك إلي ان صناع تلك التحف كانوا في البداية من الفنانين الارمن أو اليونان الذين نزحوا إلي بولندة من البلاد الواقعة تحت النفوذ التركي أو الإيراني، ثم قام جيل من الفنانين

البولنديين الوطنيين فجمعوا بين الأساليب الفنية الشرقية والغربية.

والمعروف كذلك أن البولنديين نقلوا عن إيران زخارف الخيام، وذلك بعد أن أرسل الملك سجسمند الثالث سنة ١٦٠١ رسولا أرمنيا من قبله إلي إيران ليشرف علي صنع خيمة كبيرة له. ومنذ ذلك الحين حتى نهاية القرن الثامن عشر كانت معظم الخيام المستعملة في بولندة ذات زخارف إيرانية

وصفوة القول ان منتجات الفنون الاسلامية كانت معروفة في بولندة ولاسيما في جنوبها الشرقي، وكانت تحتذي

وينسج على منوالها؛ وذلك بفضل التجارة مع البلقان والشرق الأدنى، وبفضل الصناع والتجار من الارمن واليونان واليهود. وقد بلغ تأثيرها في بولندة أشده بين منتصف القرن السابع عشر ومنتصف القرن الثامن عشر. على أن بعض ميادين الفن البولندي - كالتصوير والنحت لم تتأثر بالأساليب الفنية الاسلامية. والسر في ذلك انها كانت ذات طابع دينى، وكانت تتأثر بالفنون المسيحية الغربية، فضلا عن ان الفن الإسلامي كانت له في التصوير والنحت مبادئ لم تكن لتوافق دولة مسيحية كبولندة.

اشترك في نشرتنا البريدية