وجه إلينا الدكتور زكي مبارك عدة أسئلة، يطلب منا الإجابة عليها، وكان ذلك رده على كلمتنا التي نبهنا فيها على الغلطة التي وقع فيها الدكتور الفاضل؛ والذين يعرفون قوانين البحث والمناظرة يدركون خروج الدكتور عليها، في رده علينا؛ والدكتور معذور، لأنه لم يجد ما يقوله، فكان من الطبيعي أن ينتقل إلى ميدان آخر يصول فيه صولة (البازل القنعاس) وقد كنا نريد ألا نعرض لهذه الأسئلة لأنها ليست مما نحن بسبيله ولكننا خشينا أن يؤول سكوتنا تأويلاً سيئاً، فنجيب بعون الله: أولاً: قائل هذا البيت هو الشاعر الذي يقول:
أتيت فؤادها أشكو إليه ... فلم أخلص إليه من الزحام
والذي يقول أيضاً:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طوبت، أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
ثانياً: نظر هذا الشاعر إلى قول علقمة الفحل:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيبُ
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن نصيب
والمتنبي نظر إلى أبي تمام حين قال:
إذا غدرت حسناء أوفتْ بعهدها ... ومن عهدها ألا يدوم لها عهد
وكان أبو الطيب يتوكأ على حبيب، كما كان امرؤ القيس، يتوكأ على أوس. ثالثاً: لم يلتفت إلى ذلك ابن رشيق في باب السرقات من العمدة، ولا العسكري في الصناعتين، ولا الآمدي في الموازنة على تحامله المكشوف على أبي تمام.
رابعاً: إذا كان هذا الكتاب جديراً بالالتفات، فلم لم يترجم له الدكتور في (النثر الفني) بين من ترجم لهم من كتاب
الأندلس؟ ولم لم يثبت هذه الرسالة بين النصوص الكثيرة التي أثبتها في مؤلفه، على أننا راجعنا مجلدين من نفح الطيب فلم نجد أثراً لهذه الرسالة، فلعلها أن تكون في صبح الأعشى للقلقشندي.
خامساً: الدقيقة التي في هذا البيت هي ورود (وحدها) حالاً من الضمير في لها مع تعرفها، ولكنها تؤول بنكرة فتصير (منفردة) ومثل ذلك قول الشاعر:
فأرسلها العراك ولم يذدها ... ولم يشفق على نَفَص الدِّخال
أي أرسلها معتركة، والدقيقة البلاغية هي: فصل الشاعر بين جملة (كل غانية هند) وبين الجملة السابقة، والفصل هنا واجب لأن بين الجملتين شبه كمال الانقطاع، إذ لو وصل بينهما لتُوهِّم أن الجملة الأخيرة داخلة في ضمن الجملة التي قبلها، فتكون داخلة في ضمن المفعول الثاني لتحسبوا، وهذا غير مراد للشاعر.
سادساً: اختلفت الروايات في (تحسبوا) فرُوي أيضاً هكذا: (فلا تحسبا هنداً لها الغدر وحدها) سابعاً: متى كان ذلك يا سيدي؟ لعله كان إذ كنت صبياً مرضعاً! ثامناً: لعل الحلاج التفت إلى هذا البيت حين قال:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته ... وإذا أبصرته أبصرتنا
تاسعاً: وجهه: أن تعرب (لها) خبراً مقدماً و (الغدر) مبتدأ مؤخر، وتكون (سجيةَ) حالاً منالمبتدأ، ويشكل على ذلك أن الحال لا تأتي من المبتدأ إلا على رأي سيبويه، ويشهد له قول طرفة:
لمية موحشاً طللُ ... يلوحُ كأنه خللُ
وهذا البيت يشهد أيضاً لصحة مجيء صاحب الحال نكرة إذا تأخر. عاشراً: أجل يا سيدي الفاضل أعرف قائل هذا البيت فهو الذي قال:
إني أنصببت من السماء عليكمو ... حتى اختطفتك يا فرزدق من علِ
أما بعد: فلا نحب أن تشير إلى اسمنا بعبارة كريمة يا سيدي الدكتور (مع الشكر على هذه السنية الكريمة!) ولا يضيرنا أن تتجاهلنا هذا التجاهل، لأنك لست مهما عظمت إلا واحداً من الأدباء. وإليك التحية من أحد أبناء الجيل الجديد.

