الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 399الرجوع إلى "الثقافة"

أحاديث رمضان :, في الحياة الروحية

Share

الناس يختلفون في أرواحهم اختلافهم في ألسنتهم وألوانهم وأجسامهم ، وهم - لهذا الاختلاف في الأرواح - معرض لامثيل له بين المعارض ، منه يستمد الصور لوحته ، والشاعر في الوصف قصيدته ، والأديب المصور صورته ، والقصاص قصته

فيهم من بردت روحه فكانت ثلجا ، وضمرت حتى كانت ذرة ، يقضي وقته بين مال يجمعه ، ومال ينفقه ، ومال يدخره ، وموازنة بين وجوه الاستقلال ايها أكسب ، ومحاسبة دقيقة لكل من يتولى له عملا ، ذهنه مستغرق بذلك من حين يصحو إلى حين ينام ، حتى إن حلما فإنما يحلم في سلمة ربحت او خسرت ، وتجارة راجت او بارت ؛

فإن كانت له لذة في الحياة وراء ذلك فلذة عابرة في مأكل أو مشرب يستمتع بها بطرف من ذهنه ، وسائره مشغول بماله وتدبيره .

أو موظف ينفق حياته في مذكرة يكتبها ، أو مسألة يحضرها أو ورق يمضيه ، أو رئيس يرضيه ولا تفكير له وراء ذلك إلا في أمور الحياة العادية ومطالب المعيشة اليومية .

أو فقير همه كله في تحصيل رزقه وتدبير العيش له ولأسرته ، يكدح في ذلك نهاره وجزءا من ليله ، لا يفكر إلا في إعداد قوت لمعيدات تنتظره وأفواء تلتهمه

كل أولئك حرموا الروحانية ، غنيهم وفقيرهم ، عالمهم وجاهلهم ، تنظر إليهم بعين البصيرة فتري ظلاما موحشا

وجفاقا مرعبا ، قد فقدوا نفوسهم وإن كسبوا اي شئ آخر ، هم آلة من جنس الآلات الحاسبة تجمع وتطرح وتضرب وتقسم ، ولا شئ غير ذلك قد ينجح بعضهم في الحياة فيكون من ذوي الثراء الواسع والمناظر الانيقة والألقاب الفخمة والمظاهر الضخمة ، ولكن هل هذا نجاح ؟ فأين - إذا - نفسه ، وأين روحه ؟ .

بل من هذا القبيل عالم ينفق كل وقته في مسألة يحققها أو نظرية يجربها ، وحياته كلها محدودة بالافق الضيق الذي يقتصر على نظرياته وتجاربه وأقوال العلماء فيها وترجيح بعض الأقوال وتوهين بعضها وما إلي ذلك .

هذا نموذج من الناس تشترك انواعه في انها كلها تحيا حياة لا روح فيها .

وهناك نموذج آخر يحيا حياة ليس لها صلة بالناس إلا أن يطعموه أو يسقوه ، حياته كلها متصلة بالسماء ولا شأن له بالأرض ، يعيش عالة على الناس ولروحه فقط ؛ كل حظ الناس منه ان يعبد ويتأمل ، يعتزل الناس في دير أو تكية أو يجعل من بيته ديرا أو تكية ، ليس من شأنه سعد الناس او شقوا ما دام يسعد هو بلذته الروحية ؛ إنه أناني كالمالي الشره ، إنه خلق في الدنيا ويأبي إلا أن يستعجل الآخرة ، إنه أكل مال الناس ولم يدفع ثمنه ، إنه - في غذاء جسمه - قد استدان ولم يف بدينه

أما من تاجروا بالروحانية فهم أسوأ حالا ممن أمعنوا في تجارة السلع وقضوا فيها كل حياتهم ، لأنهم تاجروا في غير متجر ، وزيفوا على الناس فباعوا ما لا يباع ، إنهم حواة يضللون الناس بالأعيبهم ، ويضحكون على أذقانهم ؛ هؤلاء ليسوا من الروحانية في شئ . إنهم باعة أسهم لايملكونها . إنهم يبيعون الزجاج باسم الماس ، والنحاس المموه باسم الذهب ، وأصناف هؤلاء كثيرون .

ليس يعجبني هؤلاء ولا هؤلاء . إنما يعجبني من

مزج مادة بروح ومد بسبب إلي الأرض وبسبب إلي السماء  وإذا كان الإنسان جسما وروحا فلم لا يغذيهما جميعا،  ويعيش بهما جميعا؟ إن لم يعجبني ذو الوجهين فإنه يعجبني  ذو الجانبين، جانب الروح وجانب المادة. قد يكون هذا  رجل أعمال دقيق في عمله منظما لإدارته يسير في عمله على  آخر طراز وصلت إليه المدنية، من دفاتر منظمة ومواعيد  محددة، وهو مع ذلك له نزعة روحية لطيفة، وله مثل أعلى  في الحياة، عنده الشعور بالله وعظمته، وأن الدنيا ليست  كل شيء وان خير الناس أنفعهم للناس؛ هذه الروحانية  تلطف من حدة ماديته، فهو لا يعيش لنفسه فقط أولأسرته  فقط، ولكن يعيش أيضا للناس كما أمر الله؛ روحانية هذا  الرجل بجانب ماديته تسبغ على قلبه الرحمة للناس وحب  المعونة لهم، وإيصال الخير إليهم؛ ومثل هؤلاء الناس  قليلون في المجتمع، تعرفهم بسيماهم، قد خلعت عليهم  الروحانية نوع لطيف من الرفة والوضاءة والدعة مع الجد  في أعمال الحياة الدنيوية، ولو كثر مثل هؤلاء لتغير وجه  العالم ولساده السلام

الفرق بين نابغة له روح ونابغة لا روح له كالفرق بين عمر بن الخطاب وتيمورلنك .

ليست الحياة أن تأكل وتشرب وتتزوج، بل إن  للحياة غرضًا أسمى. الحياة رسالة، وليست الحياة عملًا ماديًا متواصلًا، تصبح فتعمل وتعود إلى بيتك فتأكل،  ثم تعود فتعمل، ثم تعود إلى بيتك فتأكل ثم تنام؛ فهذا  شأن الآلة لا شأن الإنسان، إنها تدور وتُغذَّى وتهدأ،  وهذا في الآلة طبيعي، ولكنه في الإنسان ليس طبيعيًا؛  لأنه مُنِحَ ملكاتٍ وراء هذا العمل الآلي.

بل ليست الحياة - أيضا - عملا عقليا بحتا ، ونضجا فكريا فقط . فالعقل وحده لا يفسر الحياة ولا يحل مشاكلها ، والعقل وحده يجعل الحياة جافة مخيفة ،

والاعتماد على العقل وحده كثيرًا ما أدى إلى الشك،  والشك عذاب وفراغ - وكثيرًا ما يصل العقل إلى درجة  النبوغ الفائق مع انحلال في الخلق وضيع، كما كان الشأن  في نابليون وبيكون وبيرون وأمثالهم؛ وحتى مع اجتماع  العقل والخلق المؤسس على العقل، فإن العقل والخلق  إذ ذاك يكونان كالتمثال الجميل ينقصه الروح. إن الاعتقاد  بأن للعالم إلهًا يسيطر على العالم وينظمه، وأن لكل إنسان  بهذا الإله العظيم صلة، وأنه سائله عن عمله، وأنه سيزن  أعماله بميزان دقيق، وأنه يمد الروح التي تتصل به بروح  منه - كل هذا حق، وكل هذا يبعث القوة في الإنسان،  وهو خير دعامة للنفس تستند عليها في الحياة.

ما أسعد الإنسان يشعر بأن يد الله العظيم تعمل في الكون ابدا ، وتمده بالحياة ما عاش ، وتعينه على الخير إن اراد ، وان الله العظيم متصل بقلبه ، وحاضر عنده ، ومطلع على ادق ما في نفسه ، وانه بصفاته العظيمة جــــدير بالحب والتقدير والحمد .

هذه العقيدة الروحانية تحيي الدنيا وتحيي الآخرة،  وتبعث على العمل لا على الخمول، وتصبغ العمل في الدنيا  صبغة جميلة رحيمة خيرة، هي التي تحول الجفاف إلى رحمة،  وتحول القبح إلى جمال. إن المادي ينظر إلى الوردة  فيقدرها بثمنها القليل في السوق، والروحي ينظر إليها فيرى  جمالها لا يقدر بثمن. إن المادي بارد العواطف، يقدر الناس  بقدر ما ينال منهم، وهم ليسوا إلا ضيعة تستغل، وكلما كان  الشخص مليئًا بالمال يمتص وبالدم يُستنزفُ كان أحب إليه،  لماله لا لشخصه والروحاني يرى في كل إنسان أخًا يمان  إذا أمكن، ويؤخذ بيده إذا عثر، ويُرحَمُ إذا كبا، ويمد  بالسعادة إذا شقي.

لو مست الروحانية قردا لاحالته إنسانا ، ولو مست شيطانا رجيما لجعلته ملكا كريما ، ولو مست جبارا عنيدا لجعلت منه أبا رحيما ، ولو مست قلوب الساسة لعم السلام

وبطلت الحروب ، ولم يكن مستعمر ومستعمر ، ومستغل ومستغل ، وعزيز وذليل ، ولكن إخوة متعاونون شركاء . فيما لديهم رحماء فيما بينهم

ليس العالم الآن محتاجا إلى تنظيم أسواق التجارة، ولا  إلى تنظيم وسائل الدفاع والهجوم، ولا إلى ضبط السلطة على  القنابل الذرية والمخترعات الحديثة المبيدة، ولا إلى تنظيم  توزيع الأسلاب ووضع شروط الصلح؛ فكل هذا هو  منطق الساسة القدماء، وهو المنطق الذي ساد رجال  السياسة عقب الحرب العالمية الأولى، فكانت نتيجته الحرب  العالمية الثانية؛ فإن استمر هذا المنطق بعينه سائدا  فستكون النتيجة حربا ثالثة لا محالة، ضرورة أن المقدمات  الواحدة تنتج نتائج واحدة. وإنما العالم يحتاج إلى روحانية -  وليهزأ بذلك من يهزأ - روحانية تبيد الطمع بين الأفراد  والأمم، وتقضي على شح الأنفس وحب السيطرة والانتقام  ونزعات الجنس والوطنية والطبقات، روحانية تنتشر بين  الشعوب فترى أن زعماءها السياسيين الماديين غير صالحين  للحكم فتنحيهم وتنصب مكانهم من جمعوا بين المادة  والروح، قد اصطبغت نفوسهم بحب الخير للإنسانية وحب  العدل في العالم وحب الإخاء بين الأمم.

العالم محتاج إلى ريح عاصف تجتاح الأساليب القديمة في  حب السيطرة والغاية والسيادة القومية والنعرة الوطنية  ووضع الساسة أمتهم في موضع الله ومن عداهم في موضع  العبيد، وتجتاح النزعات إلى الإفراط في اللذائذ الحادة غير المشروعة وعدها مطلب الحياة.

العالم لا يحتاج اليوم إلي إصلاح المادة ، ولكن إلي إصلاح الروح .

قد يري قوم أن هذا حلم . ولكنه حلم لابد منه وإلا فالعالم في شقاء دائم .

اشترك في نشرتنا البريدية