لا يحق لنا أن نعتبر فى نشأة الصحافة المراكشية تلك الصحيفة التى أصدرتها الحملة الأسبانية حين احتلت مدينة تطوان سنة ١٨٦٠ فى الحرب المراكشية الأسبانية باسم EIEco de Tetuan (صدى تطوان ) ، فهى شبيهة بالصحف التى أصدرها الجنرال بونبارت فى حملته المصرية ، أنشئت لنشر أنباء الحرب وتغذية الجيش بالأخبار ثم وقفت عن الصدور بعد الجلاء .
وإنما يجب أن نوجه أنظارنا إلى مدينة طنجة المواجهة لجبل طارق حيث كثر الأوربيون فى القرن التاسع عشر وانتشرت أساليبهم واستقرت بعثهم التجارية وهيئاتهم السياسية ، وقصدها الصحفيون للاستعلام عن أمر هذه الدولة التى أحدثت كل هذا الضجيح بين دول أوربا ، وكانت مهمة الحصول على أخبارها الصحيحة مهمة شاقة ، نظرا لخلوها من الصحف فكانت أخبارها تضيع فى أمواج الزمن كما قال مراسل إسكتلدى سنة ١٨٧٣ - وصارت شؤونها محفوفة بالغموض فى صحف أوربا ،
وكانت هذه المدينة تتمخض عن حركة إصلاحية واسعة تستدعى أن يكون لها لسان تعد به الشعب لفهم نواحى الإصلاح .
على أن المستر أبرانيز Abrines - وأصله من جبل طارق - أخذ على نفسه أن يضع نهاية لهذه الحال ، فأسس فى المدينة مطبعة سنة ١٨٨٠ وأصدر صحيفة أسبوعية باللغة الأسبانية باسم ( المغرب الأقصى ) Al-maghreb Al aksa ثم أصدرت المطبعة صحيفة أخرى فرنسية باسم Le Reveil du marse وصاحبها ومحررها من أبناء مراكش الإسرائيليين يدعى ( ليفى كوهن ) وفى 5 بوليه سنة ١٨٨٤ صدرت أخرى بالإنجليزية باسم The times of moracco ثم أخرى بالأسبانية باسم Eleco mauritans وقد صدرت إلى جانب ذلك صحف أخرى غير هذه ولكن هذه أهمها .
هكذا عرفت مراكش الصحافة ، وسرعان ما تأثرت اللغة العربية بهذه النهضة الصحفية ، فصدرت أول صحيفة باللغة العربية فيها باسم ( المغرب ) سنة ١٨٨٩ كما صدرت صحيفة عربية أخرى سنة ١٨٩١ ذات ميول إسرائيلية(1) .
كانت مدينة طنجة فى ذلك الوقت ملتقى حركتين كبيرتين : الأولى الحركة الوطنية التى كانت تحاول أن تنقذ البلاد من التردى فى الهاوية التى توشك أن تبتلعها . والثانية الحركة الاستعمارية التى كانت تعمل على تقويض دعائم الاستقلال ، وكانت الحركتان قويتين نشيطتين ، فحاولتا أن تستفيدا من هذا السلاح الجديد الذى وجد فى البلاد .
وصدرت صحف وطنية كثيرة يذكر منها جريدة ( لسان المغرب ) تدعو إلى الاصلاح وتنشر الأخبار
التى تهم البلاد معرفتها ، وتبشر بالدستور والتعليم والإصلاح الحكومى والقضائى والمالى والعسكرى وكل الإصلاحات التى تحتاج إليها الدولة والأمة . وكان السلطان عبد الحفيظ يقدر هذه الصحافة كل التقدير ويحبوها رعايته ويفهم أهميتها وضرورتها ، بل إنه أنشأ إلى جانبه مصلحة للصحافة توافيه كل يوم بالمقالات والبرقيات التى تنشرها الصحف الأوربية فيما يتعلق بمملكته(1) .
وكانت الصحيفة التى تقاوم هذه الحركة هى صحيفة ( السعادة ) انشئت سنة ١٩٠٤ للتبشير بحسن نية الفرنسيين وسمو أغراضهم وعظمتهم فى عالم الحضارة وخطورة شأنهم فى عالم الحرب والسياسة . وقد كتب لهذا كله أن يزحف ويتملك ويستعمر ، فظلت هذه الصحيفة تصدر وحدها بعد أن عصفت الحماية بالاستقلال وحركة الإصلاح .
وقد تمتعت تلك الصحف الأولى بكامل حريتها ، فنشرت ما تشاء دون رقيب ولا إنذار ولا تعطيل ، ولا يحفظ التاريخ لنا حادثة بسيطة ، لا تكاد تذكر ، وهى أن صحف طنجة هذه لما أسرفت فى حملتها على الحكومة الوطنية وأصحاب السعادة ممثلى الدول الأوربية سنة ١٨٨٥ أنذرها وزير الخارجية السيد محمد الطريس بالاغلاق إذا هى لم تقلع عن ذلك وأرسل الإنذار إلى الصحف جميعا(1) .
كان العائق الرئيسى فى سبيل صدور الصحف باللغة العربية هو ندرة المطابع ، فلما جاءت الحماية أصبح العائق شيئا آخر ، فهناك دعوة معينة يجب أن تبشر بها الصحيفة إذا هى أرادت الصدور ؛ ولكن لحسن الحظ أو لسوء الحظ لم تصدر بعد ذلك صحيفة عربية فى مراكش
إلا بعد زمن طويل ؛ مع استثناء الصحيفة الرسمية التى صدرت فى أول إبريل سنة ١٩١٣ مفتتحة حياتها بنص الرسالة التى تنازل بها آخر سلاطين مراكش المستقلين عن العرش(1) .
بينما ظلت تصدر صحيفة الحماية العربية وحدها صدرت إلى جانبها عشرات من الصحف الفرنسية ، وازداد عددها حتى أصبح لكل مدينة صحيفة محلية على الأقل باللغة الفرنسية .
ومن بين القضايا العديدة التى واجهت البلاد بعد الحماية قضية حرية الصحافة ، وهى قضية ما تزال قائمة إلى اليوم ؛ وتساءل عنها الشعب فقيل له إن ظروف الحرب ( ١٩١٤ ) قد أحاطت كل صحف العالم بالقيود ، فلما انجلت الحرب طالبت جموع الشعب المتظاهرة بحرية الصحافة التى سلبها النظام الجديد(2) .
لم تنطق البلاد صبرا على هذا الحرمان فبدأت تصدر صحف سرية تنشر مقالات شديدة عنيفة ضاقت بها السلطة دون أن تستطيع العثور على ناشريها ، وظل الأمر على ذلك زمنا طويلا إلى أن بدأ الصدام الحقيقى بين المحميين والحامين ، فانطلقت الثورة من عقالها سنة ١٩٣٠ وانتشر الصحفيون المراكشيون فى فرنسا يروون فى صحفها ما يشبه الأساطير المخيفة عن حوادث هذه البلاد . ثم أصدروا صحيفة فرنسية باسم Maghreb فى باريس ليلقوا النور على ما يحيط بأمر بلادهم من خفاء .
على أن الحماية الأسبانية المفروضة على جزء صغير من مراكش كانت أرحب صدرا فسمحت بإصدار صحف
وطنية حرة بعد ثورة سنة ١٩٣٠ ، ولكن حرمان هذه الصحف من الانتشار فى مراكش كلها ، كان مشكلة فى وجه هذه الصحافة .
لسنا نرمى فى هذه الكلمة إلى أن نحدث القراء الكرام عن الصحافة اليوم فى مراكش فقد صدرت عند سنة ١٩٣٠ عشرات من الصحف العربية ولكن لتعيش كل صحيفة منها عاما أو بعض عام ، وإنما الذى نرمى إليه هو إعطاء صورة عن الظروف التى تحيط بالصحافة فى هذا الجزء من العالم العربى ، لنضمها إلى تاريخ الصحافة العربية فى الأقطار الشقيقة الأخرى .
وما من شك فى أن التاريخ الذى عرضناه بسرعة ليس بحافل ، ولكنه مع ذلك شريف ، فلم تتابع
السلطة إلا صحيفة واحدة من هذه الصحف التى ذكرناها وقد رفعت الضحافة المراكشية صوتها أول ما نشأت بالإصلاح ، فصمدت للحياة إلى أن أخمدت القوة أنفاسها ، ثم غالبت القوة فصدرت سرا و تعرض ناشروها للأخطار . ومع ذلك أبوا إلا ان يؤدوا واجبهم داخل البلاد ، كما أدوه خارج البلاد يوم انشأوا الصحيفة فى باريس ولما تسامحت معهم السلطة قليلا أبوا أن يأخذوا حرية الصحافة إلا كاملة فعرضوا جميع صحفهم للتعطيل ، وهكذا تعيش مراكش اليوم بدون صحافة تذكر ، وبدون تاريخ صحافة إلا هذا التاريخ اليسير .
ولكن هل يضيره أن يكون يسيرا إذا كان شريفا !؟ .
