احتفلت مراكش في 11 يناير بمرور السنة الأولى علي مطالبة الشعب بالأاستقلال وتنظيم الحياة العامة على أساس النظام الدستوري الملكي؛ ولا يعنينا هنا التعرض لما قابل به الفرنسيون هذه الحركة ، وإنما الذي يعنينا هو أن نتحدث إلي القراء الكرام عن مبدأ الحركة الدستورية في هذه البلاد ، حتى يستطيعوا - وهم بعداء عن حركة الإصلاح في شمال أفريقيا - أن يلموا بأصول النهضة الشعبية في هذا الجزء من العالم العربي .
في سنة 1894 توفي السلطان مولاي الحسن . آخر سلاطين مراكش الأقوياء، الذين عرفوا كيف يسيرون بمهارة دفة الاستقلال بين عواصف السياسية الدولية . وخلفه على العرش ابنه الفتي عبد العزيز ، فانتشرت الفوضي في البلاد نتيجة لضعف السلطان الجديد ، ومطامع الوزراء وتدخل الأجانب ، ولولا الظروف الدولية لسقطت مراكش في ذلك الحين
وفي سنة 1904 بدأت السياسة الدولية تتميز بعد إعلان الاتفاق الودي بين انجلترا وفرنسا ، وهكذا بدأ ينهار الأساس الذي يقوم عليه استقلال مراكش وهو العامل الدولي . فلم تكد تمر ثلاث سنوات حتى زحفت الحيوش الفرنسية على مدينة ) وجدة ( في الشرق واحتلتها في 29 مارس سنة 1907 ثم نزلت جيوش فرنسية أخري في مدينة ) الدار البيضاء ( في يوليو من السنة نفسها ، وظهر بوضوح المصير المحتوم الذي ينتظر البلاد
وقد شهدت البلاد بين هذين التاريخين ؛ والسنوات القليلة التالية ، حركة إصلاحية حاولت ان تنقذها من هذا المصير المروع الذي ينتظرها ومما ساعد هذه الحركة
وشجعها أنها كانت معاصرة للحركة الإسلامية التي قامت في إمبراطورية آل عثمان ، فقد كان زعماؤها يرون أن مراكش المستقلة أصلح ميدان لبث الدعوة الإصلاحية ، ويروي أن الشيخ محمد عبده نفسه كان على أهبة السفر إليها لولا أن صحته حالت دون ذلك .
وقد كان عقد البيعة التي بويع علي أساسها السلطان الجديد ، يعد برنامجا واسعا للإصلاح . والذي يعنينا من ذلك هنا هو الحركة الدستورية التي كادت تؤتى ثمارها في ذلك العهد .
كانت البلاد تشكو من ضعف السلطان ، واستبداد الوزراء ، فلا مناص في الإصلاح إذا من أن لا تبقي مقادير البلاد معلقة بسلطان أو وزير ، وإنما تنتقل إلي إرادة الشعب بواسطة النظم التمثيلية .
ظهر هذا الاتجاه بشكل واضح ، وكتبت عنه الصحف تشرحه وتدعو إليه ، ومما كتبته جريدة " لسان المغرب " التى كانت تصدر في مدينة طنجة بعد سقوط السلطان عبد العزيز : " وبما أن يدا واحدة لا تقدر على إنهاض شعب من وهدة سقوطه ولا على إصلاح إدارة كإدارة حكومتنا ، فيجب أن تكون الأيدي المتصرفة والعقول المفكرة كثيرة ، متكاتفة على العمل ؛ وعليه ، فلا مناص ولا محيد لجلالته من أن يمنح أمته نعمة الدستور ومجلس النواب وإعطائها حرية العمل والفكر ، لتقوم بإصلاح بلادها اقتداء بدول الدنيا الحاضرة ، المسلمة والمسيحية" وقد جاء في عقد البيعة نفسه أن السلطان يلتزم بأن لا يبرم أي اتفاق مع الأجانب إلا بعد أخذ رأي الأمة فيه . يقول : " وإذا عرض ما يوجب مفاوضة مع الأجانب في أمور سلمية أو تجارية ، فلا يبرم أمرا منها إلا بعد الصدع به للأمة حتى يقع الرضي منها بما لا يقدح في دينها ولا عوائدها ولا استقلال سلطانها"
وإذا فالميول الدستورية واضحة وصريحة سواء في الرأي العام وما تكتبه الصحف ؛ وكانت واضحة حتى في
الجهات الرسمية ، فالتزم السلطان بأن لا تسير السياسة مرة أخري بدافع فردي وإنما بدافع جديد ، هو رأي الأمة .
والواقع أن كل شيء يدل علي أن السلطان عبدالحفيظ كان مخلصا لهذا الاتجاه الجديد وليس ذلك منه غريبا ، فقد كان ملما إلماما واسعا بالسياسة الدولية ، وأحوال العصر الحضارية ، كما كان مثقفا ثقافة عالية ، مكنته من أن يشاطر زعماء الإصلاح رأيهم في الحياة النيابية .
فلم يكد يتولى الأمر حتى شكل لجانا كلفها بدراسة النظام التمثيلي في مختلف البلاد ، واقتباس الصالح من هذه النظم لتطبيقه في مراكش ، وقد والت هذه اللجان أعمالها مدة طويلة ، ثم استقر الرأي أولا على إلغاء الفوضي في الأحكام ولذلك وضعت قانونا للعقوبات أسمته " قانون الجزاء" لأن الحياة النيابية متوقفة قبل كل شيء على تحقيق المساواة والعدل بين أفراد الشعب
وفي أواخر سنة 1908 كانت هذه اللجان قد فرغت من إعداد مشروعها ، وهو يقضي بإنشاء برلمان يطلق عليه اسم منتدي الشوري تمثل فيه الأمة على أساس انتخابي كما يقضي بأن يتألف هذا البرلمان من مجلسين أحدهما مجلس للنواب يسمى مجلس الأمة ومثل الأمة فيه نواب من طبقات الشعب المختلفة ، والثاني مجلس للشيوخ ، ويطلق عليه اسم مجلس الأشراف ، يتألف أعضاؤه من طبقات الأعيان والنبلاء ، كما صدر إلي جانب ذلك مشروع للدستور باسم القانون الأساسي ؛ وقانون آخر يتعلق بالنظام الداخلي للبرلمان ) اللاتحة الداخلية ( ، وآخر يتعلق بنظام الانتخاب .
وليس من شأننا في هذه العجالة أن نتحدث بالتفصيل عن هذا المشروع ، وإنما يهمنا أن نشير إلي أن الحركة الدستورية في مراكش ليست حديثة العهد وإنما ترجع أصولها إلى نحو نصف قرن من الزمان . وليس من الجديد في شيء أن نسمع بأن هذه البلاد ما تزال تطالب إلي الآن بالحياة النيابية ، وإذا كانت قد مرت عليها خمسون سنة
وهي تطالب بها دون نجاح ، فإنما يرجع ذلك إلي الظروف السياسية الشاذة التي أحيطت بها هذه البلاد .
فقد أخفق السلطان المرحوم مولاي عبد الحفيظ في تنفيذ برنامج الإصلاح بسبب التدخل الأجنبي ، ووجد نفسه عاجزا عن المضي في سبيل إنقاذ بلاده ومرغما على توقيع معاهدة الحماية مع فرنسا بعد أن احتلت جيوشها مملكته فجأة ، وربما كان في الأخير يرجو أن يستعين بهذه المعاهدة على تنفيذ مشروعاته الداخلية إذا استطاعت الجمهورية الفرنسية ان تتحمل منه أعباء السياسة الخارجية والمالية ، ولكن سرعان ما تبين له أن ما كان يرجوه إنما هو أضغاث أحلام ، وأن الحقيقة السافرة هي أن بلاده لا تزال في حاجة إلي مجهودات جبارة لإصلاحها بعد أن اتخذت طريقا جديدا في الحياة . وقد بذل كل مجهود ليتفق مع الفرنسيين على هذا الأساس ولكنه أخفق ، فآثر أن يتنازل عن العرش ، عل غيره يستطيع . واستقال .
ففي الساعة الخامسة من مساء يوم 12 أغسطس سنة 1912 صعد العاهل العظيم إلي ظهر طراد فرنسي ، في ميناء مدينة الرباط ، وخرج أهل المدينة زرافات زرافات ليودعوا سلطانهم المستقيل ، وأنصتوا بقلوب واجفة - في ذلك الموقف التاريخي الرهيب- إلي الطراد الظافر ، يطلق إحدي وعشرين طلقة ، مؤذنة ببداية الرحيل ، ثم أسلم رسالة استقالته إلى رئيس الوزارة . فإذا فيها : إنه يستقيل لعجزه عن القيام بواجباته نحو الشعب
هكذا بارح مراكش آخر سلاطينها المستقلين ، ليقضي بقية حياته في المنفي ، وهكذا خلف وراءه بين أيدى القدر مشاريعه الإصلاحية ، ومن بينها مشروع الدستور . على أن هذه البلاد ، يوم تصل إلي حقوقها في الحياة ، لن تنسى أن مجهوداتها اليوم في سبيل الدستور ، إنما ترتكز على مجهودات السلطان عبد الحفيظ ورجاله الوطنيين.

