الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 235الرجوع إلى "الرسالة"

أحب وأحتقر!

Share

أحب الجبال الشامخات كأنها    على جبهة الدنيا تصول عواتيا

تضاحك من عصف الرياح وزأرها

وتحتضن السيل الحرون المعاديا

وتلهو عن الزلزال وهو مزمجر

يضج ببطن الأرض غضبان واريا

وأحتقر الكثبان ترعشها الصبا    ويفزعها الإعصار إن مر لاهيا

وتحملها الأرياح أنى توجهت    ألاعيب في أسفارها وألاهيا

وإني لأهوى السيل ينحط مزبدا

ويدفق جياشا ويهدر صاخبا

عتيا على السد المنيع يدكه    ويحمله نحو السهول خرائبا

يمر على العشب الضعيف مسامحا    ويلتقف الدوح العنيد المغالبا

وتحقر عيني جدولا في خميلة    يحول طفل الحي مجراه لاعبا

يكدره حتى النسيم ملاطفا    ويفزعه حتى فم الطفل شاربا

أحب العقاب الجون يختال في الذرا

ويركب متن الجو جذلان باسما

ويخترق الريح العصوف لقصده    ولو حطمت من جانحيه القوادما

يموت ولا يشكو الجراح ولا ترى    له آكلا بين الأنام وهاضما

وأحتقر الورقاء تألف سجنها   وتبكي ما تلقى من الناس راحما

وهل غير ضعف الورق سوغ حبسها

وصير شدوا نوحها والمآتما

وإني لأهوى نحلة تدهم الربا    فتنهل من ثغر الزهور رحيقها

ترشف من كأس الأقاحي صبوحها   ومن خمرة الورد الندي غبوقها

حصان تروع العاشقين بوخزها   إذا ما تمنوا لو يذوقون ريقها

وتحقر عيني نملة تألف الولى    وتملأ من بخس الفتات خروقها

تدب على الأقدام هونا وذلة    وتسلك من تحت النعال طريقها

أحب شموخ الدوح في ربواته   يجابه هول العاصفات ويثبت

أبيا على حرب الأعاصير ظافرا   تكر جموعا حوله فتشتت

وإن خر في الميدان بعد نضالها   تراها عليه نائحات تصوت

وأحتقر الأعشاب تحني رءوسها   فتسلم من ريب المنون وتفلت

تدور مع الإعصار حيث يديرها   ويلطمها هونا فترضى وتسكت

وإني لأهوى الليث يستعذب الطوى

ويأنف أن يدنى إلى جيفة يدا

يسير أشم الأنف مستكبر الخطا    فترتجف البيداء إن راح أو غدا

ويجبه وحش البيد في حر وجهها    ولا يدري أعداءه متصيدا

وتحقر عيني ثعلبانا مخادعا    جبانا خليع القلب يغدر بالعدا

يصيب فضالات السباع وينثني    ليشكر رزاق العبيد ويحمدا

أحب الفتى يفري الفلاة مهجرا    فلا يشتكي أينا ولا يتظلم

إذا لذعته الشمس سدد وجهه    إليها حديد الطرف لا يتبرم

ويمشي على الرمضاء متئد الخطا    جليدا، ونيران الرمال تضرم

وأحقر نكسا يستظل بغيره    ويخفض رأسا وهو شاك يدمدم

تساوره الأشباح في القفر رهبة    فيرعش منه القلب والطرف والفم

أحب الفتى والغل يثقل عنقه    وسيف الأعادي بين عينيه مشهر

يصيح بأعلى صوته ينكر الأذى

ويضحك من بطش الطغاة ويسخر

ويشمخ بالأغلال رأسا وإن غدت

تحز ومن أنيابها الدم يقطر

وأحتقر الأحرار يحنون رأسهم   وليس عليهم سيد أو مسيطر

إذا كان قلب المرء عبدا ورأيه

فقل لي - هديت الخير - ماذا تحرر

(دمشق)

اشترك في نشرتنا البريدية