الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 166الرجوع إلى "الثقافة"

أحداث الربيع

Share

كثر التحدث عن الربيع القادم ، وما يخبئ فى طياته من مفاجأت فى ميدان الحرب والسياسة نتوقف عليها مصاير الأمم ؛ وقد كان الربيع منذ أعوام دائماً مليئاً بالأحداث الكبرى ؛ وفى ربيع العام الماضى فقط كان مصرع يوجوسلافيا واليونان وفتح كربت ، والهجوم العظيم على روسيا .

ومن الواضح أن اختيار الألمان للربيع لتنفيذ مشاريعهم يرجع إلى اعتبارات جوية وفنية لها قيمتها من الوجهة العسكرية ; ففى الربيع يذوب الثلج ، ويحل الدفء . مكان البرد القارس ، ويصفو الجو ويبدو أصلح لنشاط

القوات الجوية ، وتمهد الطرق ، ويسهل تقدم القوات المدرعة وتموينها ; ومن الربيع إلى مقدم الشتاء بضعة أشهر تسع لاتمام المشاريع العسكرية الضخمة ، وتحقيق النتائج المرغوبة .

ونحن الآن على أبواب ربيع جديد وقد دخلت الحرب فى أعظم أدوارها ، وامتدت رقعتها إلى مساحات جديدة ، وعمت جميع القارات والمحيطات ، فالآن يتساءل الناس جميعا عما يخبئه الربيع القادم للعالم من أحداث ومحن جديدة ، ويتساءلون : أين تقع المعارك القادمة ؟ وهل تكون حاسمة تلك المرة ، أم هل يقضى على العالم

بأن ينتظر ربيعاً آخر أو أكثر قبل أن تنقشع غمار المحنة ؟ وهذه أمور ليس فى طاقة إنسان أن يجيب عنها إجابة شافية ؛ ولكن توجد ثمة طائفة من الفروض والتكهنات عما ينتظر حدوثه فى الربيع المقبل ؛ وسنحاول فى هذا المقال أن نرى أيها أقرب إلى الحقيقة والواقع ؛ بيد أنه يجب قبل هذه المحاولة أن نستعرض مركز الفريقين المتحاربين على ضوء الحوادث والتطورات الأخيرة .

فقد دخلت اليابان فى الحرب ضد أمريكا وبريطانيا العظمى منذ السابع من ديسمبر الماضى ، وزادت بذلك قوى المحور الهجومية ؛ ودخلت امريكا من جانبها الحرب ضد دول المحور ، فزادت بذلك قوى الجبهة الديمقراطية الدفاعية ، ولا ريب فى أن الحرب فى المحيط الهادى ، قد أسفرت حتى اليوم عن نتائج خطيرة بالنسبة لانكلترا وحلفائها ، ولا سيما بعد سقوط سنغافورة وغزو بورما ،

ونزول اليابانين فى عدة أماكن فى جزر الهند الشرقية الهولندية ، وفى غينا الجديدة وما حولها من الجزائر ، واقتراب خطر الغزو اليابانى بذلك من استراليا ؛ وقد تفوز اليابان بانتصارات اخرى فى هذا الميدان قبل أن تتمكن النجدات البحرية والجوية المتحالفة من وقف زحفها ! وهنالك ما يدل على أن النجدات الأمريكية قد بدأت تصل بالفعل ، وكان لتدخلها أثر فعال فى تحطيم الحملة البحرية اليابانية على جاوة ؛ وجاوة هى اليوم فيما يبدو اهم هدف لليابان ، فهى أغنى جزر الهند الشرقية ، وأهمها من الناحية العسكرية ، وبها اهم قاعدة بحرية بقيت فى يد الحلفاء فى هذه المياه ، وهى سورابايا .

ولا ريب أن الانتصارات اليابانية ، كان لها اثر سئ فى مركز الجبهة الديمقراطية بصفة عامة ؛ فان استيلاء اليابان على تلك الاراضى والجزر الغنية يحرم الحلفاء من موارد غزيرة من المطاط والزيت والقصدير وغيرها ; هذا

فضلا عما يترتب عليه من تهديد المواصلات البحرية الامبراطورية أوقطعها ، وشل حركة الامدادات التى كانت بريطانيا العظمى تعتمد على جلبها من الهند واستراليا وزيلنده الجديدة .

على أنه يجب أن تذكر من جهة أخرى ، أن تطورات الحرب الروسية ، مازالت تلقى فى الميزان بعناصر جديدة : فان تحطيم الجيش الأحمر للهجوم الألمانى فى الجنوب والوسط واسترداده لروستوف وشبه جزيرة كيرش فى الجنوب ، وتحريره لجبهة موسكو ، ورد الألمان عنها غربا إلى مراكز ، أضحى بعضها على قيد أربعين ميلا فقط من سمولنسك , واختراقه نطاق الحسار المضروب حول لننجراد فى مدة نقط ؛ وتقدمه المستمر فى الساحة الوسطى ، وانتصاره الضخم اخيرا فى معركة ستارباروسا التى طوق فيها جيش ألمانى بأسره ، كل ذلك مما يجب أن يحسب حسابه فى تطور الحرب الأوروبية ، او بعبارة أخرى فى تقدير موقف المحور ومشاريعه المستقبلة .

وقد قال لنا المستشار هتلر فى بعض خطبه الأخيرة ، بأن الجيش الألمانى لم يتراجع فى روسيا إلا أمام البرد والثلوج ، وإنه متى حل الربيع فلن تقف فى وجهه قوة فى العالم . ومن المحقق أن البرد والثلوج قد لعبا دورا هاما فى تراجع الجيش الألمانى فى روسيا ؛ ولكن الذى لاريب فيه أيضا ، هو ان الجيش الألمانى قد عجز عن تحقيق أهدافه الجوهرية قبل حلول الشتاء ، بالرغم من كل ما بذله من جهود هائلة ، كبدته خسائر لا يستهان بها ، وإن وقفة الجيش الآحمر الرائعة أمام موسكو هى التى حطمت مشاريعه ، وإن كثيرا من الفضل فى تراجعه الأخير يرجع بلا ريب إلى براعة الخطط الروسية وبسالة الجيش الأحمر .

-٢-

فلنحاول بعد هذا الاستعراض الموجز ، أن نرى ماذا

عسى ان يقترن بمقدم الربيع من الفروض والتكهنات .

إن أول ما يتبادر إلى الذهن هو ان مقدم الربيع سيكون فرصة تتهزها المانيا لاستئناف هجومها العظيم على روسيا ، ومحاولتها تحقيق الاهداف التى عجزت عن تحقيقها فى الخريف الماضى ، وهى الاستيلاء علي عاصمتى روسيا العظيمتين موسكو ولننجراد ، ورد الجيش الأحمر إلى ما وراء نهر الفولجا ، وغزو بلاد القوقاز ، وحرمان روسيا بذلك من أعظم مواردها للزيت والوقود ، وسحق قوتها العسكرية بذلك والقضاء على مقاومتها .

ومن المرجح ان تنشب الحرب بين اليابان وروسيا فى تلك الاثناء إذا اشتد الامر على روسيا ، ولاح انهيار جيوشها فى الافق ؛ فان اليابان قد تعمد فى تلك الآونة إلى طعن روسيا من الخلف ، وذلك بغزو سيبيريا و انتزاع ثغرها فلاديفوستك ; ولكن ذلك يتوقف على تطور القتال فى روسيا ، ولن تقدم اليابان على تسديد طعنتها إلا متى وثقت من النجاح .

وقد تردد اسم تركيا بهذه المناسبة مرارا ، وقبل إنها ستكون بين الأهداف المقبلة للغزو النازى ؛ والذى يرجحه فى ذلك هو ان القيادة الألمانية لن تقدم على تحقيق هذه الخطوة إلا إذا رأت انها ضرورية لنجاحها فى غزو القوقاز والوصول إليه من الجنوب ايضا ، وفى تلك الحالة ستكون بلغاريا إلى جانبها فى مهاجمة تركيا . وربما كان ثمة ارتباط حتى بين مشاريع الألمان المقبلة فى هذا الاتجاه وبين حادث قنبلة انقره الأخير ، الذى كاد يذهب ضحيته فون بابن سفير ألمانيا فى تركيا

ومن الصعب أن نعتقد أن القيادة الألمانية سوف تحاول الوصول إلي قلب الشرق الأوسط ومصر بطريق تركيا ، فمثل هذه الخطوة دونها صعاب عديدة ، وهى تقضى على الألمان بتطويل خطوطهم إطالة غير معقولة ، وتوزيع

قواهم توزيعا خطرا ، وقد جربها الألمان فى الحرب الكبرى ، وكانت تركيا إلى جانبهم فلم تنجح ؛ ومن غير المحتمل أن تعمد إليها القيادة الألمانية ما دامت روسيا واقفة على قدميها والجيش الأحمر يهدد الغزاة ، ويستغرق معظم نشاطهم ؛ وقد ظهر من خطط الألمان فى الصحراء الغربية

ومن إصرارهم على تموين قواتهم الزاحفة إلى مصر عن طريق البحر الأبيض مع ما بعثور ذلك من الصعاب الفادحة ، انهم يرون الوصول إلى قتاة السويس من برقة ، خصوصا بعد ان نزلت فرنسا على رغباتهم ، وأصبحت تعاونهم على تموين قواتهم الغازية من طريق تونس ، ولو قصد الألمان إلى الوصول إلي مصر عن طريق سوريا وفلسطين لمهدوا إلى هذه المحاولة عقب افتتاحهم لجزيرة كريت فى الربيع الماضى ، وتسرب رجالهم وقواتهم الجوية إلى سوريا وقت أن كانت فى يد أعوان حكومة فيشى .

كذلك ليس من المحتمل أن يقوم الألمان بزحف على شمالى افريقية من ناحية جبل طارق ، فلسنا نرى لمثل هذه الخطوة نتائج عسكرية ذات شأن ; اللهم إلا إذا كان المقصود هو الاستيلاء على جبل طارق ذاتها ، وحرمان الانكليز من قاعدتهم البحرية المنيعة ، وفى تلك الحالة يجب أن نتوقع محاولة غزو مالطة أيضا ، وذلك حتى تتحقق خطة الألمان فى قطع الخطوط الانكليزية البحرية ، وحرمان الأسطول الانكليزى فى البحر الأبيض المتوسط من قواعد تموينه فى الغرب والوسط ، وشل حركاته التى تضايق قوافل المحور وتقطع خطوط تموينه . وغزو جبل طارق لا يتم إلا بموافقة أسبانيا على مرور القوات الألمانية ، أو دخولها فى الحرب إلى جانب ألمانيا ، وهو ما نشك فى إمكان وقوعه ؛ وكل ما هنالك يشير إلى رغبة أسبانيا فى الابتعاد عن مشاكل الحرب .

اما غزو الجزر البريطانية وهو المشروع الذى ملأ

جميع الاذهان فى خريف سنة ١٩٤٠ ، عقب انهيار فرنسا ، وبدا عزم الألمان على تنفيذه ، فى الغارات الجوية الهائلة التى قاموا بها يومئذ على بريطانيا ، فانه يلوح لنا اليوم أبعد احتمالا منه فى أي وقت مضى ؛ أجل إن مستر تشرشل مازال يحذر قومه من الغزو المحتمل ، ويشحذ همهم لتوقعه باستمرار ؛ ولكن يلوح لنا ان هذا التحذير طبيعى فى مثل الظروف الدقيقة التى تجتازها الامة البريطانية ، وانه يرجع بالأخص إلى بواعث وتقديرات معنوية تقصد إلى إذكاء الهمم باستمرار لمواجهة الخطر الداهم ؛ وعلى أى حال فانه  ليس من المستحيل أن يقدم الألمان على مثل هذه المغامرة الخطيرة ، على أنها ستكون آخر خطوة يفكرون فى الاقدام عليها لمحاولة إحراز النصر ، وذلك بعد أن تتحطم كل مشاريعهم الأخرى .

وهناك أمر لا شك فيه ، هو أن حرب الغواصات ستشتد هذا الربيع اشتدادا هائلا ، وستعم جميع المحيطات والبحار ، وسيتأخذ فيها اليابان بنصيب وافر فى المحيطين الهادى والهندى ؛ وستحاول دول المحور بكل ما وسعت أن تقطع شرايين المواصلات البحرية بين امريكا وبريطانيا العظمى ، وبينها وبين ساحات القتال المختلفة ، وبين بريطانيا واجزاء الامبراطورية ؛ وقد بدت نذر هذه المرحلة العنيفة من حرب الغواصات منذ الآن فى ارتفاع نسبة خسائر الحلفاء البحرية فى الأيام الأخيرة .

والخلاصة أن مقدم الربيع قد يسفر من وقوع هذه الأحداث كلها أو بعضها ؛ وهى احداث لها مقدماتها ودلالاتها ؛ على انه يجب علينا فى استعراض هذه الاحتمالات ، أن نذكر أنها لا يمكن ان تغيب عن تقدير الطرف الآخر ، وهو الجبهة الديمقراطية ؛ فإذا كان األمان يعدون عدتهم لاستكمال غزو روسيا ، فلا ريب أن الروس قد استعدوا من جانبهم وحشدوا كل قواهم لرد

هذا الغزو ؛ ولا بد أن يدفع الألمان ثمناً غالياً لكل نصر جديد ، وقد استعد الروس للدفاع عن القوقاز من الشمال والجنوب ؛ وتستعد بريطانيا العظمى وأمريكا لكل مفاجأة يأتى بها الربيع ، ولا سيما حرب البحار ، وإذا كان المحيط الهادى لا يزال مسرح النصر بالنسبة لليابان ، ومسرح الهزيمة بالنسبة للقوات المتحالفة ، فمن المنتظر أن تتبدل الحال فى الربيع ، وان يتحسن موقف الحلفاء بوصول النجدات البحرية والجوية التى بدت طلائعها ، والتى أخذت تحدث اثرها فى الموقف .

ولقد أحدثت انتصارات الروس ، ودخول أمريكا فى الحرب إلى جانب بريطانيا ، نوعا من التوازن بين القوات المتحاربة ؛ وسيكون لهذا التوازن أثره فى جميع المعارك القادمة ؛ ويلوح لنا انه مهما كانت المانيا لا تزال من القوة وحسن الاهبة ، فان عهد الانتصارات النازية السريعة الجارفة قد انتهى ؛ وإذا لم تقع فى فترة النضال القادمة من الربيع إلى نهاية الخريف معارك حاسمة ترجح فيها كفة أحد الفريقين بصورة واضحة ، فلا مناص من أن تمتد الحرب عاما آخر أو أكثر .

اشترك في نشرتنا البريدية