الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 370 الرجوع إلى "الثقافة"

أحرار

Share

وافت الأجازة فذهبت إلي القرية ذهبت مشوقا إلي ريف جميل هادئ تنسم فيه الحياة أجمل أنسامها ويخصه الله بأحسن ما يخص به مكانا من أرضه . . ريف فطري لم تلوثه الحضارة بقطعه أناس فطريون يلاقونك بما في قلوبهم . . إنهم لم يتعلموا الذوق وآداب المواضعات ، وحبذا ذوقهم وحبذا أوضاعهم . . نعم لم يتعلموا كيف الخداع ، ولم تلقنهم الحضارة كيف النفاق ، فعاشوا صرحاء . ذهبت إلي هؤلاء بعد أن خلعت عن نفسى نقاب المدينة حتى اضطرب مع القوم فأستريح معهم وأريح . ويندر بالقرية المتعلمون فإن وجدوا ذهبوا إلي المدينة يلتمسون بها ( تراب الميري ) . فها أنت ذا تراهم يسلكون الحياة من أقصر سبيل وأسهله ، ولكن قد يرزق الله القرية المتعلم الملازم لها . . وكان أن رزق الله قريتنا فرداً من هذا الطراز ، وهو أديب شاعر وهو صديقي الوحيد بالقربة ، وهو ذو نفس شفافة له شعر سهل يهدف إلي ما يريد في اقصر طريق وأجمل لفظ ، وتعودت عند ذهابي إلي القرية أن أذهب إليه من فوري ، فهو فوق ما وصفت جناب في حديثه غير متكلف في أسلوبه ولفظه

لاقاني يبشر وترحاب ثم أخذنا في السعر فقال : - الحمد لله على سلامتك . أو تلهيك القاهرة عنا هكذا ؟ . . معك حق .فهناك الحياة الجميلة وهناك الفن ومجالس الأدب . وهناك المكتبات تمدك بما تريد من كتب . . أما هنا فالقذارة والجهل والحياة المجدية والمجالس التي تتلقي أخبار القاهرة وكانها أقصي ما وصلت إليه الحضارة .

- لا والله فالحياة الجميلة عندكم ، فقد امتدت الحضارة في القاهرة إلي نفوس القوم فجعلت منهم المنافقين والمداهنين . . امتدت إلي نفوسهم فطوقتها بسياج ليس لها

منه فكاك . . بحدنا هناك ( الإتيكيت ) والذوق ( والبروتكول ) . والحضارة . ألا حبذا ربكم !

- ألا حبذا مدبغتكم أنتم . . مدينة النور مشعاً كالكوكب الدري . . مدينتكم حيث بنضرب الماء داخل الجدران ثم تتحكمون فيه . . مدينتكم باسيدي أتكرهها! وتدعي ان الريف خير منها وان هؤلاء القوم العراة جسومهم البلهاء وجوههم ، هؤلاء القوم خير من شبان المدن الذين يضمخون انفسهم بالأريج الذكى ويقصون ملابسهم مبرزة معالم جسومهم ، ويهدلون شعورهم فوق جباههم ، فتزيدهم روعة على روعتهم وتكسبهم جمالا على جمالهم . . لا ياسيدي إني أراك متحاملا وإلا كيف ..

قطع علينا الحديث تحية مسلمة ألقاها ابن الفلاح يفلح أرضنا ، وكان أسمر الوجه خفيف الظل ، فوددت لو صحبتي إلي القاهرة فقلت له : - إم محسن كيف الحال ؟ - رضا .. والحمد لله - أسرور من أرضكم ؟ - أجل قد أنتجنا سبعة قناطير من القطن محصولا الثلاثين قيراطا - ألا نور أن تأتي إلي مصر ؛ - فرد الأستاذ الشاعر : - وهل يتوصل ؟ وكيف له بها . مصر يامحسن أنفكر ؟ - لا ياعم الحج . . إننى لا أفكر ولا أقبل . - كيف ؟ مصر ...حيث الكهرباء والسيارات ، وحيث تلبس الملابس الزاهية النظيفة ؛ وحيث كل شئ . - نعم : ولكننا هنا أحرار . - طيب يابني مع السلامة نظرت إلي الحاج وقلت له : - كيف الحال ؟ .

- إنه جاهل ، منعم نعيم البهائم . - وهل تفهم البهائم الحرية ؟ ؟ لا ياسيدي . إنه سعيد السعادة التي نطلبها نحن في مصر فلا نجدها ، إن يعرف ان لا حرية هناك

- أجل ، لا حرية إذا كان سيعمل كأجير أما السيد فلديه الحرية

- لا يا سيدي ، وهل محسن هنا إلا اجير ، ولكنه يدري ما نحن فيه من قيود ، نفسه لا تقبل هذه القيود . - أراني سأهزم ، وعلى كل فأنت أدري بالقاهرة منا .

ولكن لم إذا يقول الصلحون إنهم يريدون تحسين حال الفلاح ، وإنهم :

- كنت إخالك ستقول هذا . . المصلحون يريدون تحسين حال الفلاح من الوجهة المادية ، وأنا لا أنكر أن حالة الميشة هذا في حاجة إلى إصلاح . أما إذا اقصدوا اصلاح النفوس ، فما أحرانا نحن بهذا الإصلاح - إذا فنحن خير منكم - لا شك

اشترك في نشرتنا البريدية