وافت الأجازة فذهبت إلي القرية ذهبت مشوقا إلي ريف جميل هادئ تنسم فيه الحياة أجمل أنسامها ويخصه الله بأحسن ما يخص به مكانا من أرضه . . ريف فطري لم تلوثه الحضارة بقطعه أناس فطريون يلاقونك بما في قلوبهم . . إنهم لم يتعلموا الذوق وآداب المواضعات ، وحبذا ذوقهم وحبذا أوضاعهم . . نعم لم يتعلموا كيف الخداع ، ولم تلقنهم الحضارة كيف النفاق ، فعاشوا صرحاء . ذهبت إلي هؤلاء بعد أن خلعت عن نفسى نقاب المدينة حتى اضطرب مع القوم فأستريح معهم وأريح . ويندر بالقرية المتعلمون فإن وجدوا ذهبوا إلي المدينة يلتمسون بها ( تراب الميري ) . فها أنت ذا تراهم يسلكون الحياة من أقصر سبيل وأسهله ، ولكن قد يرزق الله القرية المتعلم الملازم لها . . وكان أن رزق الله قريتنا فرداً من هذا الطراز ، وهو أديب شاعر وهو صديقي الوحيد بالقربة ، وهو ذو نفس شفافة له شعر سهل يهدف إلي ما يريد في اقصر طريق وأجمل لفظ ، وتعودت عند ذهابي إلي القرية أن أذهب إليه من فوري ، فهو فوق ما وصفت جناب في حديثه غير متكلف في أسلوبه ولفظه
لاقاني يبشر وترحاب ثم أخذنا في السعر فقال : - الحمد لله على سلامتك . أو تلهيك القاهرة عنا هكذا ؟ . . معك حق .فهناك الحياة الجميلة وهناك الفن ومجالس الأدب . وهناك المكتبات تمدك بما تريد من كتب . . أما هنا فالقذارة والجهل والحياة المجدية والمجالس التي تتلقي أخبار القاهرة وكانها أقصي ما وصلت إليه الحضارة .
- لا والله فالحياة الجميلة عندكم ، فقد امتدت الحضارة في القاهرة إلي نفوس القوم فجعلت منهم المنافقين والمداهنين . . امتدت إلي نفوسهم فطوقتها بسياج ليس لها
منه فكاك . . بحدنا هناك ( الإتيكيت ) والذوق ( والبروتكول ) . والحضارة . ألا حبذا ربكم !
- ألا حبذا مدبغتكم أنتم . . مدينة النور مشعاً كالكوكب الدري . . مدينتكم حيث بنضرب الماء داخل الجدران ثم تتحكمون فيه . . مدينتكم باسيدي أتكرهها! وتدعي ان الريف خير منها وان هؤلاء القوم العراة جسومهم البلهاء وجوههم ، هؤلاء القوم خير من شبان المدن الذين يضمخون انفسهم بالأريج الذكى ويقصون ملابسهم مبرزة معالم جسومهم ، ويهدلون شعورهم فوق جباههم ، فتزيدهم روعة على روعتهم وتكسبهم جمالا على جمالهم . . لا ياسيدي إني أراك متحاملا وإلا كيف ..
قطع علينا الحديث تحية مسلمة ألقاها ابن الفلاح يفلح أرضنا ، وكان أسمر الوجه خفيف الظل ، فوددت لو صحبتي إلي القاهرة فقلت له : - إم محسن كيف الحال ؟ - رضا .. والحمد لله - أسرور من أرضكم ؟ - أجل قد أنتجنا سبعة قناطير من القطن محصولا الثلاثين قيراطا - ألا نور أن تأتي إلي مصر ؛ - فرد الأستاذ الشاعر : - وهل يتوصل ؟ وكيف له بها . مصر يامحسن أنفكر ؟ - لا ياعم الحج . . إننى لا أفكر ولا أقبل . - كيف ؟ مصر ...حيث الكهرباء والسيارات ، وحيث تلبس الملابس الزاهية النظيفة ؛ وحيث كل شئ . - نعم : ولكننا هنا أحرار . - طيب يابني مع السلامة نظرت إلي الحاج وقلت له : - كيف الحال ؟ .
- إنه جاهل ، منعم نعيم البهائم . - وهل تفهم البهائم الحرية ؟ ؟ لا ياسيدي . إنه سعيد السعادة التي نطلبها نحن في مصر فلا نجدها ، إن يعرف ان لا حرية هناك
- أجل ، لا حرية إذا كان سيعمل كأجير أما السيد فلديه الحرية
- لا يا سيدي ، وهل محسن هنا إلا اجير ، ولكنه يدري ما نحن فيه من قيود ، نفسه لا تقبل هذه القيود . - أراني سأهزم ، وعلى كل فأنت أدري بالقاهرة منا .
ولكن لم إذا يقول الصلحون إنهم يريدون تحسين حال الفلاح ، وإنهم :
- كنت إخالك ستقول هذا . . المصلحون يريدون تحسين حال الفلاح من الوجهة المادية ، وأنا لا أنكر أن حالة الميشة هذا في حاجة إلى إصلاح . أما إذا اقصدوا اصلاح النفوس ، فما أحرانا نحن بهذا الإصلاح - إذا فنحن خير منكم - لا شك
