الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 591الرجوع إلى "الثقافة"

أحمد امين، فى كتاب " حياتى "

Share

كلنا نعرف أستاذنا الجليل أحمد أمين بك ، فى فجر الاسلام ، وصحى الإسلام ، وقصة الفلسفة ، وقسة الأدب فى العالم . نعرفه باحثا محققا من طراز فريد ، أحب العلم والدرس وشغف بهما ، وحملهما همه ووكله وكل ماله من المتعة فى دنياه . أما أحمد أمين الشخص ، وكيف نشأ وتطور ، حتى انتهى إلى فجر الإسلام ، فهذا ما لا يعرفه تلاميذه ، وقلما عرفه أصدقاؤه

وما هى إلا أن تثبت عنده فكرة تاريخ حياته ، فإذا هو ممسك بالقلم والفرطاس ، يريد أن يسجلها ويعرضها ، فإذا هذا الكتاب الجديد " حياتى " يقص فيه سيرته ، غير محتال على هذا القصص بشئ من الخيال ، إنما هو الواقع يحاول أن يرسمه ، وكأنه يؤرخ حياة ، فهو إلى ذوق المؤرخين فى هذا الكتاب أقرب منه إلى ذوق الأدباء ، ولعل ذلك ما جعله ينحدر من تاريخ نفسه إلى تاريخ عصره . هى حياة أحمد أمين وعصره ، وقد بدأ المؤلف هذه

الحياة منذ تباشيرها الأولى إلى أن أصبح من كبار العلمين فى هذا الجيل ، وهو يطوف بك فى الكتاب ودور الدرس الأولى التى التحق بها ، كما يطوف بك فى أروقة الأزهر وقعات مدرسة القضاء الشرعى ، ويعطيك صورة من نفسه ونفسية ممن حوله منذ أن كان معلما فى مدرسة راتب باشا بالأسكندرية إلى أن أصبح أستاذا فى الجامعة .

وأثناء ذلك بعرض عليك بيته الذى نشأ فيه ، وما عمل فى تريته من عوامل ، كما يعرض عليك حلقات الأدب المختلفة التى كان يمضى فيها بعض وقته . ومن حين إلى حين تطل علينا مصر ، وهى تتطور فى جانب من جوانب حياتها السياسية أو الاجتماعية ، ككاتب الحركة الوطنية أو جانب السفور .

وكتاب حياتى من هذه الناحية ، له قيمة تاريخية طريقة ، لأنه يصور لنا كثيرا من حقائق عصر الكاتب ، وقد أظهر حقا أنه كاتب نفسى يكشف كثيرا من دخائل النفوس ، نفوس الأمة فى طبقاتها المختلفة من متعلمين وغير متعلمين .

وقد قص بعض قدمائنا حياتهم ، فاختاروا غالبا سيرتهم العلمية ، ولكن أستاذنا انصرف عن هذه الطريقة وأكبر الظن أنه انصرف عنها لتواضعه ، وأكبر الظن أيضا أن ذلك هو السبب فى أنه انصرف عن صياغة الكتاب فى حياته الشخصية وحدها ، فجعله شركة بينه وبين عصره . فهو يعرض نفسه . وكأن نفسه ليست غايته ، وإنما هى مدخل أو منفذ لحوادث عصره النفسية والاجتماعية .

إلا أن يكون قد رأى أن يدرس عصره خلال ترجمته نفسه ، وكأنه يريد أن يطبق طريقة مؤرخى الأدب على من يدرسونهم من الشعراء والأدباء ، إذ يقفون عند عصورهم يدرسونها ، ويربطون بينها وبين الأديب ، أو الشاعر الذي يعنون به . وكأنما طريقته التى تعودها فى البحث والدرس للحياة العقلية والأدبية عند العرب جارت على قصته ، أو قل طبعتها بطووابعها ، ووسمتها بهذه السمة من الربط بين الشخص والعصر ، أو قل إن عالم العلية والسببية الذي بداء فى الأزهر والفضاء الشرعى ، ثم أكله فى بحوثه ومؤلفاته ، هو الذى وجهه دون أن يشعر ، أو لعله كان شاعرا ، إلى هذا الاتجاه فى التأليف عن حياته .

وهو اتجاه يقوم على الفحص فى هذا الشخص " أحمد أمين " يريد الكاتب أن يرده إلى علمه . وإنه ليقول فى مستهل كتابه : " ما أنا إلا نتيجة حتمية لكل ما مر على وعلى آبائى من أحداث ، فالمادة لا تنعدم ، وكذلك المعانى . قد يموت الطير ، وتوت الحشرات والهوام ، ولكنها تتحلل فى تراب الأرض ، فتغذى النبات والأشجار ، وقد يتحول النبات والأشجار إلى فحم ، ويتحول الفحم إلى نار ، وتتحول النار إلى غاز ، ولكن لا شئ من ذلك ينعدم ، حتى أشعة الشمس التى تكون الغابات ، وتنمى الأشجار ، تختزن فى الظلام ، فإذا سلطت عليها النار تحولت إلى ضوء وحرارة ، وعادت سيرتها الأولى " .

فهو يقص علينا كل ما مر به ، وهو لا يزال فى المهد صبيا ، يريد أن يضع أيدينا على كل ما كونه وألفه بالصورة التى تراها والنتيجة التى وصل إليها ، فإنما هو معاول لمثل أو هو مسبب لأسباب ، وهو يحاول أن يفسر هذه العلل والأسباب ، وكأنه عالم كيميانى يريد أن يرد مركب

أحمد أمين إلى وحداته الأولى والعوامل التى عملت فى هذه الوحدات منفصلة ومجتمعة .

هي إذا ليست قصة بالمعنى المتبادر ، وإنما هى دراسة ، كتبها مؤلف خبير بموضوعها ، يعرف كيف يحلل المركبات الليةة والشعورية ، ويردها إلى عناصرها الأولى ، وهو الآن يسلط أشعة عقله على هذا الشخص أحمد أمين يدرسه ويطيل فى الدرس ، مختبر ويمتحن ، يمتحن ما أمامه ، ثم يمتحن ما وراءه من علل خارجة عنه ، وعلل داخلة فيه ، ولكنها مستترة فى مناطق اللاوعى .

وما أشق هذا الامتحان ، لأنه يضطر الفاحص إلى استعراض أسرة أحمد أمين وحياته فى أسرته والأوساط المختلفة التى تقلب فيها ، ومشاهداته التى شاهدها فى مصر وغير مصر من الأقطار التى رحل إليها فى الشرق الأوسط وفى أوربا . فهذه كلها ذرات عاملة ، وهذه كلها جزئيات مكونة ، ولابد لعين الباحث أن نستعرضها جميعا ، وتضع كل وحدة منها فى مكانها من البحث والدراسة .

وكل ذلك يعرضه المؤلف فى لياقة المحدث المتاز الذى يجعلك تنصت إليه لبساطة حديثه وطبيعته ، وإنك لتطلق معه . فلا يعوقك ما يمنعك من الانطلاق ، إذ هو يؤثر السهولة فى كتابته ، لا يتعمد فيها تصنيعا ولا تزويقا .

وفى رأينا أن من أهم أسباب نجاح المؤلف فى كتابة حياته ، هذه البساطة ، ثم ما يتصف به من الحديث الهادي للتزن ، أو عبارة أدق الحديث العادل إن صح أن نوصف الأحاديث بالعدل ، وهو عدل يتحكم فى قلم الكاتب فلا يشتط فى إظهار شعور ، بل يضبط شعوره وعواطفه ، وسيطر عليهما ، بحيث لا تستمع كتابته بحماس ظاهر فى عرض جانب من جوانب حياته .

العدالة والهدو ، والانزان والبساطة هى أهم ما يصف أسلوب هذا الكتاب ، وهو من أجلها جميعا يحبب إلى نفس القارئ . فليس فيه ما يؤذك أثناء القراءة من الألفاظ المتكلفة والصور المفعلة أو الصاخبة ، وإنما فيه التأملات الهادئة والتيسر المحمود والأسلوب البسيط الذى يعنيه جمال الفكرة الداخلية لا جمال الزخرف الخارجى الزائل

اشترك في نشرتنا البريدية