صور البلوي أحمد بن طولون صورة جميلة ، وخلع عليه من الثناء ثوبا فضفاضا . صور ذكاء وقوة ملاحظته ، ورسم فراسته وسياسته ، وعدله ورحمته . وصدقاته ومكارمه ؛ معجبا بكل ما أتاه ، عاذرا له على ما قدمت يداه ، لم ينقده في شئ مما قص من أخباره . ونسب كل ما وقع له من موت عدو ، وتبديل في مجري أحوال الدولة ، أو غير ذلك من الصادقات ، إلي الاقبال الذي عرف به طالعه . والحظ الذي "حسن قبيحه واصلح رديئه" ، والبلوي يعتقد بالإقبال كثيرا ، بقيم للطالع والنجوم والثامات والكرامات وزنا على ما كان أهل عصره .
والعقول أن ليس هناك إقبال ولا يخت ، والعامل في توفيق ابن طولون تربية صالحة ، كانت من ارقي ما عرف في دهرء ، وذكاء نادر تفرد به دون ابناء جنسه . نشأ في أشرف عصور بغداد جنديا مطبوعا على اجمل صفات الجندي الشريف ، ولقن في بيته وهو طفل امورا افادته في حياته ، وحفظ القران وجوده وفصح بالعربية فعد من فصحاء رجال السياسة بلسانه وقلمه ، واخذ عن المحدثين قطعة صالحة من العلم ، ورزق صوتا جميلا ، واتقن الموسيقى ، ونظم الشعر بالتركية لغة أبيه وأمه
وتأفف في منفوان شباب من الظلم الذي ياتيه
الأتراك في عاصمة الخلافة ، فآثر الهجرة إلي طرسوس من مدن التغور ، وكانت يومئذ مقبل القراء والعلماء والزهاد ، فتخرج بهم وتأدب بآدابهم ، وانصرف إلي العبادة حتى كان يخشى أن لا تصادف أعمال السلطان موقعا من قلبه لانصرافه إلي أمور الدين . ولما عهد إليه منصب الولاية في مصر نيابة عن باكباك من وزراء العباسيين تجلى نبوغه بأجلي مظاهره ، وثبت غرامه يحسن التدبير والنظام ، واستبان طموحه وثقته بنفسه . ومن حسن حظه أن كانت ولايته على مصر ، ومصر من طبيعتها أن تغري من ينزلها بالتوطن فيها ، وان تدمج فيها غيرها ولا تندمج هي في غيرها ، ومن العسير على بغداد أن تحكم مصر مباشرة للبعد الباعد بينهما ، ومصر وسط رمالها يتعذر الوصول إليها من البر ومن البحر . وطبيعة القطرين متخالفة ، وبلاد الرافدين يومئذ مشغولة بفتنة عظيمة كادت تودي ببني العباس ، وهي فتنة الزنج في البصرة .
وعما ساعد ابن طولون على التوفيق في حكم مصر ان كان في طعام أهلها من الانقياد لمن يعتقدون فيه الإخلاص لهم ، والحرص على إسعادهم ، ما ظهر اثره في الدول السالفة والخالفة . وفي هواء مصر وتربتها خصائص تطلق عليها اليوم اسم " الاغليمية القبلية " . ومصر إلي هذا تعتقد بالأمر الواقع ، إذا كانت حسنات راعيها أكثر من سيئاته ارتضته وتبقته وسايرته في السبيل التي يزجيها فيها
أول ما فكر فيه أحمد بن طولون لما هبط مصر أن يبعد الفوضي عن احكامها وتراتبها ، فوضع لها قواعد فرض عليها العمل بها ، فأفلح في ولايته ، وارتاحت رعيته . نظر إلي خصب تربتها وسهولة العيش فيها ، وإلى تدني خراجها ، بعد ان كان يوفرنه مضرب الامثال عند العرب ؛ فأصلح ، برأيه المسدد ، الري والصرف والجسور والطرق والترع ، واسقط ضريبة المعاون وغيرها من الضرائب ، واكتفى بالخراج والمكوس ، فبلغت عبرة خراجها أربعة آلاف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار ، عدا المكوس تجي في المواني والحدود ، ذلك بعد ان انحط خراجها إلي ثمانمائة ألف دينار ، وما كانت تجي إلا بشيء من العسف .
هذا هو سر نجاح ابن طولون في حكم مصر ، لم يعرض له البلوي واشار إليه المؤرخون . وهناك سر اخر له صلة بهذا ، وهو عنايته بتحسين حال الفلاح ، ونشر العدل بين الرعية ، لا فرق بين مسلم وقبطي ، وروي ويهودي .
قام في نفس ابن طولون أن ينشئ في مصر دولة ؛ فأمر بإنشاء القطائع ، وبني قصره " الميدان " على مثال قصور الخلفاء في الجلالة ، وعمر رجاله وغلمانه الدور والقصور وتبنكوا في النعيم . وما خلت بلاد الآفاليم أيضا من استيفاء حظها من العمران ، فآضت عاصمة الديار المصرية في أعوام قليلة كأعظم مدينة من مدن الشام . زعموا أن ابن طولون عثر على كنوز عمر منها جامعه العظيم ومستشفاه والعين والحصن ، والحقيقة انه كانت تفتح له كل عام كنوز من أرض مصر وثروتها الطبيعية
صرف جهودا عظيمة لتثبيت قدمه بالديار المصرية كما يصرف في العادة كل من يفتح فتحا جديدا ، ويحاول أن يصفو له إلي الأبد . وجرؤ على نزع يده من قيود بني العباس ، وكان من اشتغالهم بأنفسهم أن سار حرا طليقا لا يخضع لسفساف سلطان لا يرضيه شئ ، ولا لخليفة على
كل يوم إرادته عليه . وحركته لم تخف على أهل البصر من أصحاب الدولة ، ومن يهمهم بقاؤها عباسية .
عرف ابن طولون من أين تؤكل الكتف ، فاختار من المصريين ومن غيرهم طبقة من الوكلاء والسماسرة والزبانية والمداحين ، وأغدق عليهم إدراراته ، فهيأوا له الطريق إلي المجد ، واستماتوا في حبه ، وأخلصوا له القصد في الخدمة . وهو بما قطر عليه من بسطة اليد كان يرضي الخليفة بما كان يرسله إليه مسانهة من المال ، ويرضي ولي العهد ، وإن كانا في الظاهر متشاكسين ، ويرضى خزانة الدولة وخزانته الخاصة ، ويرضي أصحاب السلطان وطبقات العلماء والقراء والفقراء في بغداد ، ويرضي أهل الثغور والعواصم والحرمين ، بما كان يحمل إليهم من المؤن والمعدات والثياب والأموال ، ويرضى أهل الشام والجزيرة وبرقة بما كان يوليهم من عطفه ولطفه ، ويرضي كل من تحدثه نفسه أن يخلفه في تقلد عمل مصر ، ويرضي فواده وكتابه وغلمانه وجميع من يعت إليه بصلة . ويعيش مع هذا هو وآله عيش الملوك ، لا عيش أبناء الأجناد من الولاة والمتصرفين . وخلف في خزائنه من الناض ما لم يخلف مثله قبله أحد من الولاة ، خلف على ما قيل عشرة آلاف ألف دينار أو خمسة ملايين جنيه ذهبا ، عدا عشرات الألوف من العبيد والمماليك والجواري والخيول والبغال والعدد والآلات ، وعشرات من أسفاط الجواهر والحلى ؛ وبلغ ربع إقطاعاته خمسين ومائتي ألف دينار في السنة ، وأقام في مصر من المصانع ما كانت حضرة بني العباس عاجزة عن محاكاته .
كان لشدة انتباهه إذا رأي منفذا يترب إليه منه ضرر يسعي الي ردمه ، واذا شاهد خمشا يخاف أن يستحيل جرحا تغارا يبادر إلي معالجته لساعته بضروب من الوقاية . وكان يتفنن في أخذ الأخبار إلي ما لم تصل إلي
اكثر منه أعظم الدول مهارة في الجاسوسية اليوم وإلي ما لم يتسام إليه رجل من عظماء التاريخ في الدول الاسلامية ، ولو تساهل في هذه السبيل ما صفا له ملك مصر والشام وما إليهما هذه الحقبة . ووفق لان يشهد مصرع اعدائه واحدا بعد واحد ؟ ونال من بعض من عاونوه على قيام دولته ، لما اعتقد انهم مخالفوه في بعض الطرق ، لم تأخذ ، بهم شفقة ، ولا شفعت بهم لديه سابقة من خدمة ، أو يد سلفت من اخلاص ، فصفا له بذلك جو مصر وجو بغداد .
كان ابن طولون مجبا في سيرته ، إن احتملت نفسه كل مخالف فلا تحتمل من ينابذه في رايه ، ويعترض على عمله ولو في سره ، يتطال إلي توحيد كلمة الناس في التغني بحمده ، ومن خرج في نظره عن الحدود المرسومة عوقب بالقتل . منح الناس حرياتهم في النطاق الذي ارتاء ، فإذا اصطدم مما يريدهم عليه ، وأدرك من طرف خفي أنهم من المعارضين ، أو ممن يفاوضون أعداءه ، أو يفاوضهم اعداؤه على غير علم منهم ، فهناك الإقراط في تطبيق مفاصل قانونه ، لا يسمع حوارا ولا مناقشة ، ولا يسير إلا مع حظ نفسه ينتقم لها .
وقد يهلك رجلا لا يستحق جرمه اكثر من مؤاخذة او يكفي في تعزيره حبسه او تشريده ؛ وقد يقضي عن كبير الجرم لأنه رق له ، أو كانت له به صلة ، او جاءه في حالة سرور ، كما فعل مع ابنه العباس ، عصى عليه فضربه مقارع يسيرة واعتقله ، وقضي ، على افظع صورة من التمثيل ، على من رافقوه إلي برقة وطرابلس
ما عرف ابن طولون الوفاء ولا الولاء : كان إذا غضب أساء إلي أقرب الناس إليه ؛ ولا يزال يسيء الظن بالمخلص له إساءته بالخائن ، لا يثق حتى بمن صدقوه ، وكانوا من اكبر العوامل في إنشاء دولته ، مثل أحمد بن محمد الواسطي الذي
رافقه منذ ظهوره في واسط إلي اخر ايامه . وما كان يهدا . له بال إلا إذا اطلع على ما تنطوي عليه قلوب عماله ؛ ولهذا كان يغني من يقلده امر البريد ، وإلى البريد يومئذ ترد مراقبة العمال وغيرهم . ويغني من ندبهم لوافاته بالأخبار في بلاده وخارجها .
كان يدير الرواتب على عماله وقواده وغلمانه وجنوده يقبضونها مشاجرات ، ويحول لهم الهبات والصلات ، ليبتعدوا عن ظلم الناس ، امنين على رزقهم ورزق عيالهم ، ويجري علي المستورين والستورات ، ويحسن إلي الفقراء بإعامهم وكسوتهم ، ويحمل من ترضيه سيرتهم على دوانه ، ويجري الجرايات على المحاويج والمعوذين ، وجريدة صدقاته طويلة ، ومن قدر له الوصول إليه ساعة رضاء يسعد . وكان يفضل على النساك والقراء والفقهاء والمحدثين والتطبين والمهندسين ، يجري عليهم ما يكفيهم ، ولا يعني كثيرا بالنجمين والشعراء على ما يظهر ، لبعده عن الاعتقاد بتأثيرات النجوم على أهل الأرض ، ولا تهمه كثيرا مصانعات الشعراء . وقد مدحه البحتري ثم هجاء ، وتوفر محمد بن داود على هجوه عند كل سامحة .
ظهر أن ابن طولون كان من المحافظين المأخوذين بعادات لهم موروتة ، يحافظ على صلوته ، ولا يخلو يوما من التوسل والتضرع والسجود في الملا . وظهرانه كان معتدلا في عشرة النساء ، لا يشرط في التسري واقتناء الجواري ، وهمه أبدا حفظ نعمته ، وصيانة دولته . فهدناه يحب النادمة والطرب ، ويعقد مجالس الأنس أحيانا ، ويتناول ما استحل تناوله من الشراب ؛ وكان حتي في مجالسه الخاصة ، يؤثر الوقار ويصطنع التقوي ، وهو يحسن الجمع بين اللذات المحلة ، ويمتنع علي ما يظهر عن المحرمات ؛ فهو ذو شخصية خاضت كل عباب ، وطرقت كل باب .
حسن ابن طولون الاضطلاع بأعباء الحكم ، وتمرس
بالسياسة ، وقدر التبعات التي القيت على عاتقه ، فكان يهون عليه إتعاب نفسه لتستريح رعيته ، ويسهر عليهم ليناموا مطمئنين ؛ وبفضل يقظته ما يجم ناجم يجاذيه حبل السلطة إلا قضى عليه ، ولا قاومه عامل اراد خدمة بغداد على حسابه إلا قهره ؛ ومعظم أهل هذه الطبقة قضوا في سجنه ، أو تحت سياط جلادبه ، وجروا بأرجلهم جرا من حضرته ، على مكانتهم في أنفسهم
حسب ابن طولون حساب كل طارئ ، وما كان بدور في خلده ان يفترص ابنه البكر المسمي بالعباس فرصة تغيب والده عن مصر فيجيش وهو نائبه عليها جيشا ، ويستنبع أناسا من رجال أبيه ، ويحمل أموالا والات كثيرة ، وبرحل إلي برقة برفع لواء العصيان على أبيه فيرمضه ويؤلمه . وكان من لؤلؤ ، وهو غلامه وغذي نعمته ، ان نار عليه في اخر عهده ، وفي أحرج اوقات حكمه ، فأخذ اموال الجباية من الشام والجزيرة ، ولحق بالوفق عدو ابن طولون اللدود في دار السلام ، فباع ابن طولون حرمه وولده في سوق الرقيق
كان ابن طولون في الظاهر لين الممس لمن في بغداد ، وهو في باطنه شديد الوطأة عليهم ، لا ينزل لهم عن اقل حتى من حقوقه ، هو يتقيهم لايقانه انهم لا يرضيهم سيره بحال ؛ وتيف يرضون عنه وهم يتوجسون خيفة من انبساط ظل حكمه ، ولا يفدأون يذكرون ويذكرهم الذاكرون أنهم دونه علما وعقلا وعدلا ، وانه يخشى أن بكيد بعد حين لبني العباس ؟
وكان من جملة وصاياه لقواده ولأبي الجيش ابنه وخليفته الا يفتروا بمخاريق اهل العراق ، والا ينسوا ما في نفوسهم عليهم ، وأن يذكروا أبدا أن من في مصر شجا في حاوق من في بغداد ؛ وتقدم إليهم الا يضعوا أيديهم في أيديهم ، وقال لهم إني أعرف ذنبي لهم . وكل
هذا يدعو إلي التفكير في إخلاصه للعباسيين ، ويلقي الشك في تزيده بإظهار إخلاصه لهم ؛ وإن دعواه أنه لا أرب له في نشوزه على ولي العهد إلا دفع عدوانه على اخيه مسألة فيها نظر ، وهو يعلم علم اليقين بأن الوفق يعمل ليلة ونهاره في دفع صائل الاعداء عن دولتهم ، وان المعتمد لا يستجيب لغير صوت شهوانه . ويلمح من يقرأ ما في القلوب ان الحرص على الاحتفاظ بحقوق المعتمد ليس كله من أجل بيعة له في عنقه كما كان يزعم ، ولا كان انتصاره له بعامل دبلي قوي في نفسه ، بل كان هناك أمور يكنها صدره ، ولا يعرف غيره سرها ، ومما كانت تظهر لو لم تعاجله المنية .
ولولا حرب علوي البصرة ما تيسر لابن طولون أن يحكم هذه الأعوام الطويلة في وادي النيل ؛ ولولا أنه اصهر إلي بارجوخ من قواد الترك في بغداد ما صارت إليه مصر مرة ثانية نباعة عن حميه ايضا ، كما كانت له على عهد ياكباك ؛ ولولا ان ملأ فلوب رجال الدولة وصدورهم بهداياه ورشاواه لتقدم بعض الأقوياء من اصحاب السلطان فاستولي على مصر قبل أن ترسخ قدمه فيها . وما كان بعد ولايته عن الحضرة ، ولا صعوبة الوصول إليها ، ولا المائة ألف عنان من جيشه لتنفعه لولا ان جاء في غفلة الدهر ، وبنو العباس محكومون فعلا للآتراك ، لا يعملون إلا ما يرضهم ؟ ومن عادة العباسيين إذا استبسلوا افترسوا ، وإذا ضعفوا استكانوا وذلوا .
وايا كان ، فأحمد بن طولون وحيد عصره في إدارة الملك ، رزق صفات تعذر اجتماع مثلها فيمن عاصروه ، وحسناته على التحقيق أوفر من سيئاته . ومهما قيل في مؤاخذه فهو إلي الاعتدال أقرب من معظم امراء تلك الأيام . رأيناه لما حاول الموفق أن يقصيه عن ولاية مصر كيف يعمد إلي استدعاء الخليفة المعتمد إلى مصر
ليقسم فيها الخلافة العباسية ؛ فلما تعذر نفوذ الخليفة إليه قام يخلع الموفق في مدينة دمشق ، ذاكرا في وثيقة خلعه أسبابا معقولة ندم عن حسرة ودهاء ؛ على حين رأينا الموفت يتقول عليه ، ويشته على منابر بلاده ، ويرميه بالمروق من الدين ، ويتهمه بإخراب ثنور المسلمين وبقتال المجاهدين بأهل الفسق الملحدين ، وباستياحة الحريم وسفك الدماء ؟ وكل هذا لم يحصل منه شئ وكانت سياسة ابن طولون عكس ذلك ؛ كان يغض عن مساوي اصحاب الثفور ، يمونهم ويقويهم ليكونوا في حرز حريز من مطامع الروم . وعهد السلطان إلي غير واحد أن محمدوا حمي الثقور فأحققوا ، وما من عليها إلا لما عهدت حمايتها إلي كفاءة ابن طولون
وبعد ، فإن أنكر منكر شيئا على ابن طولون فأكثر ما ينكر عليه إسرافه في سفك الدماء ؛ قتل فيما قيل في سجنه ثمانية عشر الف إنسان . والمنكر اليوم يتكلم بعقلية ابن هذا القرن الناشئ على حب الحرية ، المنشبع بحقوق الانسانية . ولا مرية بأن الدماء كانت رخيصة في الأزمان الماضية ؛ وكان ابن طولون يحاول مع هذا ان يظهر بمظهر الشفقة ؛ وما تدري هل كان ذلك منه عن تدين ورحمة ؟ إن معظم رجال السياسة كرجال المال قساة القلوب ، غلاظ شداد ، لا يحسبون ولا يعطفون ؛ وهم ، وإن حاولوا الظهور بما يقضي به الدين ، أشد الخلق تحللا من جوهره في باطنهم
إن ست عشرة سنة قضاها ابن طولون في تأسيس دولته ، قد يقضي الطغاة في الحكم مثلها وضعفها ، ولا يقوم لهم عمل ، ولا يتم لهم مشروع ؛ أما هو فقضي في آخر العقد الخامس من عمره محققا الآمال بإصلاحات كثيرة ابتدعها فعدت من بنات أفكاره ، كعنايته بوضع الاضابير والجزازات والتقاييد ؛ فكان حيث انقلب بصحبه كاتب
بدون كل ما يقوله وما يقال في حضرته ، فإذا كان الليل خلا بكاتبه ، وأصلح له ما كتب ، ليحفظ ما دار من الكلام على حقيقته ويرجع إليه عند الاقتضاء .
كان الراضون عن حكم ابن طولون ، المغتبطون بأيامه ، أكثر من الناقمين ؛ استراح الناس إلي أحكامه ، على أنه صورة من رجل الاستبداد يخالط سيرته تدين وتصون ، في عصر فسد بعض أوضاعه ، وفي دولة قامت باسم الدين وهدفها الدنيا . يسترخص الصالح والطالح من أصحاب ولا بانها إهراق الدماء ؛ وهل كان ابن طولون إلا واحدا منهم ؟ تثقف في تلك المدرسة ، وجري علي تلك الطريقة ، استحل احتجان الأموال كما كانوا يحتجنون ، وجار على من لا تسمع أسوانهم ، وهو إلي هذا يطعم الفقراء ، ويصطنع الرحمة ، ويجود على من ينفعه أو يتوقع نفعه ، ويقيم الشعائر الدينية ، ولا يعمل إلا ما فيه فتنة العامة ؛ بيد أنه كان ممن يأخذ وبعض ، ويخزن وينفق ، ويعدل ويظلم ، ويجمع بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة . يعرف ما يريد وما يراد ، وما يجب وما لا يجب ، وهدفه الأسمي استقلاله بالديار المصرية ، وتركها إرثا شرعيا لأولاده من بعده ، سعى لذلك ضروب السعي ، وما تعقف لبلوغ غرضه عن ارتكاب كل عظيمة .
لأحمد بن طولون مشابه من الحجاج بن يوسف الثقفي ؛ يتشابهان في إحسان السياسة ، والتجديد في طرق العمل ، وبقوة العزيمة وشدة البطش ؛ الحجاج مثال العربي الحازم في القرن الأول ؛ وان طولون مثال الترق الحازم في القرن الثالث ؛ جاهد الحجاج لتكون كلمة دولته هي العليا ، وجاهد ابن طولون فكان جهاده لنفسه ولبينه ؛ ذلك لم يخلف من حطام الدنيا شيئا يعتد به ، وهذا خلف من الخزائن والكنوز ما لم يخلف أعظم امراء تلك العصور مثله ( دمشق )
