الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 957 الرجوع إلى "الرسالة"

أحمد سامح الخالدي

Share

هذا الموت الذي لا يرحم. . قد اختطف نفس مرب فلسطيني  كبير، ومؤرخ يشار إليه بالبنان، وصاحب فضل عميم على  الشبيبة الفلسطينية المثقفة، ألا وهو المرحوم أحمد سامح الخالدي

والأسرة الخالدية في فلسطين هي من الأسر العربية الحجازية  العريقة، أسرة قضاء وعلم، أسرة أدب وشعر، أسرة تربية  وتاريخ وطب

مارست القضاء على التوالي خلال ثمانمائة سنة، فرحل قسم  منها إلى مصر واشغل مناصب القضاء. وقبور الديرى الخالدي  في القاهرة تشهد على ذلك، ثم عادت إلى فلسطين لتمارس القضاء  والعلوم على شتى أنواعها

ومن أعلامها الذين توفاهم الله العالم الكبير، والحجة الثقة  المرحوم الشيخ خليل الخالدي مؤسس المكتبة الخالدية الموجودة  في القدس حتى أيامنا هذه. وليس من متعلم فلسطيني إلا لجأ  إلى هذه المكتبة العامرة طالباً التبحر فى المساند,وساعيا إلى  التأكد من المراجع ..وما المكتبة الخالدية إلا مكتبة الأسرة تركها السلف إلى الخلف؛ ثم أصبحت مكتبة قومية لعرب  فلسطين كافة

وعميد الأسرة الخالدية اليوم هو العالم المجتهد الشيخ راغب  الخالدي، رجل هيبة ووقار، وحجة من البقية الصالحة وبالرغم  من تخطية سن التسعين. . هو والد الدكتور حسن، والدكتور  حسين، وأحمد سامح، وغالب، ويعقوب، وإسماعيل

ولد فقيدنا في القدس سنة ١٨٩٦، وتلقى علومه الابتدائية  في مدرسة الأمير كان، ثم في مدرسة المطران، ثم التحق بالجامعة  الأمريكية ببيروت حيث درس الصيدلة ونال شهادتها سنة  ١٩١٦ وهو في العشرين من عمره، ولما أعلنت الهدنة عاد إلى الجامعة فنال درجة بكلوريا فى الاقتصاد والتربية ورجع إلى

فلسطين حيث عين مفتشاً للمعارف في يافا، وتابع في الوقت ذاته  دراسته إلى أن تم له الحصول على درجة أستاذ في التربية

وتمر فترة من الزمن فيعين مساعداً لمدير معارف فلسطين،  ويتبع ذلك تعيينه مديراً للكلية العربية في القدس سنة ١٩٢٥  وظل في منصبه هذا إلى أن حلت النكبة بعرب فلسطين

ومن المشاريع الجليلة التي حققها المرحوم مشروع لجنة اليتيم  العربي لأيتام الثورات العربية في فلسطين، فأنشأ لهم معهداً في  دير عمرو. أذكر وقت أن دعاني الفقيد الغالي لزيارة هذا المعهد  سنة ١٩٤٦، فأقلتنا السيارة بين الوهاد والتلال إلى أن بلغنا قمة  جبل، وقد انتصبت عليه أبنية حجرية جميلة. . . وراح رحمة الله  يحدثني عما لاقاه من متاعب جمة لإقامة هذا المعهد للبنين، وعن  عزمه على إقامة معهد آخر للبنات. فقلت له: وكم كلفكم بناء  هذا المعهد؟. . قال: حوالي مائة وخمسين ألف جنيه فلسطيني،  توليت تنظيم جمعها بنفسي

ولما بدأت الغيوم القائمة تتبلد في سماء فلسطين أسرع رحمه  الله واستحصل من الحكومة المنتدبة على مبلغ مائة ألف جنيه  لتتميم بناء مدرسة بيت حنينا وتجهيزها في قضاء بيت لحم،  وتخصيصها للتلاميذ العرب في حالة تقسيم فلسطين، وقد عينت  الحكومة لجنة أمناء لتحقيق هذا المشروع مؤلفة من الفقيد،  والأستاذين نافذ الحسيني، وأنطون عطا الله، ثم أودعت اللجنة المبلغ المذكور فى بنك باركلس إلى أن تستقر الحالة ولايزال هذا المبلغ مودعاً فيه

كانت مدرسة بيت حنيناً هذه تشغل حيزاً كبيراً من تفكير  الفقيد إبان إقامته في لبنان. كان يمنى النفس بالعودة إلى وطنه  ليعيد للعلم صرحه، لكن الأوضاع العمة لم تسعفه فانتظر  وطال انتظاره

وفي العشرين من شهر إبريل سنة ١٩٤٨ لجأ رحمة الله مع  قرينته الأديبة الفضلة السيدة عنبرة سلام الخالدي إلى وطنهما  الثاني. . . وكأن إبان حياته في هذا البلد الشقيق عاملاً فعالاً من  أجل تعليم أبناء اللاجئين، فأسس في جنوب لبنان مدرسة نموذجية  قريبة الشبه بمعهد دير عمرو، وقد أعانه في تحقيق هذا المشروع

ساكن الجنان رياض الصلح

لم يكف الفقيد لحظة واحدة عن الكتابة والتأليف عن  لبنان، فكان يعقد الفصول في مجلتي (الأديب) ، و   (الرسالة)   ونشر المقالات في جريدة (بيروت المساء)  بعنوان - فلسطين  في نصف قرن رأيتها تنهار -، وقد استخلص مقالاته هذه من  كتابه الكبير الذي يحمل هذا الاسم والذي لم ينشر بعد

وأكب مؤخراً على وضع كتاب (التعليم  عند العرب)  وقد أنهاه وشرع في تنقيحه. . وورد ذكر هذا  الكتاب في رسالته لقرينته التي كانت تقوم برحلة استجمام في  ربوع إنكلترا مع شقيقها معالي صائب سلام، فقال فيها.  (لقد بلغت يا عزيزي في تنقيح الكتاب حتى عهد المماليك. . .  وإنني أتابع عملي دون انقطاع)

وضع فقيدنا اثنين وعشرين مؤلفاً، طبع منها ستة عشر،  وستة منها هي مخطوطات فقط، وتعالج هذه المؤلفات مواضيع  شتى في التربية، والتاريخ، وعلم النفس، وقد اشترك مع قرينته  أديبتنا الكبيرة السيدة عنبرة في وضع كتاب (تأثير النساء في  المدينة العربية)  ولا يزال هذا الكتاب بين المخطوطات التي لم  تطبع بعد

أما كتبه هذه فمنها ما قد تمكن من إخراجه من فلسطين،  ومنها - وهو هام جداً - ظل في بيته في القدس، ومن حسن  الطالع أن يقع البيت والكلية العربية تحت إشراف ممثلي  هيئة الأمم المتحدة

وفي شهر يناير سنة ١٩٥١ تعين المربى الكبير في شركة    (ألبان أمير كان للطيران)  بمثابة مدير معاون لصائب بك سلام  ولم يثنه عمله الإداري هذا لحظة واحدة عن تأدية رسالته التربوية  التي كرس حياته من أجلها

كان المرحوم خصب الإنتاج طيلة حياته بالرغم من الصدمة  الخاصة التي ألمت به بفقد قرينته الأولى أم الوليد؛ لكن الله قد  أراد أن يهئ له السبيل إلى تأدية رسالته الكبرى فكافأه بالسيدة

عنبرة سلام الخالدي وهي علم من أعلام السيدات العربيات في  القرن العشرين

كانت السيدة عنبرة خير زوج ومعين للمرحوم، ولم يقعدها  أمر الإشراف على بيتها وأولادها من تبادل الآراء مع قرينها في  شتى المواضيع، ومن الانصراف إلى ترجمة (الإلياذة) ،  و(الأوديسى)  إلى العربية وقد طبعا وأقرتهما حكومة فلسطين،  ومن ترجمة (الأنياد) المعدة للطبع الآن

وأنجب فقيدنا ثلاثة بنين زابنتين، وهم: سلافة   (٢٧ سنة)   تطلب العلم الآن في كمبردج وهي قرينة الأستاذ عاصم بك سلام  المهندس المعماري، ووليد (٢٦ سنة) وهو يسعى للحصول على  الدكتوراه من أكسفورد وأطروحته فيها (البكرى الصديقى) ،  ومساعد المستشرق البروفسورجب في تحقيقاته، وأسامة   (١٩  سنة)  وهو يدرس الكيمياء في إنجلترا وقد نال درجة البكلوريا  فيها، ويعمل للحصول على درجة أستاذ فيها أيضاً، ورندة    (١٦ سنة) ، وطريف   (١٣ سنة)

كان الفقيد دائم التفكير بفلسطين، ومما ألت إليه أحوال  الفلسطينيين، وقد تركت النكبة وأوضاع اللاجئين أثراً عميقاً  في نفسه، ومضت الأيام دون أن يرى ثرى وطنه حراً مستقلاً،  ودون أن يرى هؤلاء المشردين في كل صقع أحراراً كرماء في  ديارهم، فلم يقو قلبه الكبير على احتمال الكارثة وسكت. . . بعد  ظهر الخميس ٢٧ أيلول سنة ١٩٥١ الموافق ٢٥ ذي الحجة سنة ١٣٧٠  وشيع جثمانه في يوم الجمعة إلى مقره الأخير في مقام الأوزاعي  بالقرب من بيروت

كنا نتوقع إبان حياة الفقيد أن تستدعيه الحكومة الأردنية  الهاشمية ليشغل المنصب الذي يستحقه. . . وكنا نتوقع أن يعمد  أصدقاؤه ومحبوه وهم الآن وزراء، ونواب، وسفراء أن يثيروها  حملة صاخبة لدعوة عميد المربين الفلسطينيين إلى مواصلة جهاده  التربوي في القدس التي أحبها وأحبته. . . لكن شيئاً من ذلك  ويا للآسف لم يحدث، فتوفاه الله وفي نفسه حسرة

رحمك الله يا أبا الوليد، ونفعنا بعلمك وفضلك

اشترك في نشرتنا البريدية