إن القارئ لشعر شوقي لتأخذه الروعة وهو يحلق معه في سماوات علا من الجمال الرفيع ويصعد معه في أجواء من الخيال المبدع الجميل تتجلي في صفحتها صور من الجمال شتي مما يبهر النفس ويأخذ القلب وبغشي العين ويسمو بالروح إلى آفاق رحبة من المعاني السامية .
ولقد امتاز شوقي وشعره بالمقال السمح الكريم الذي عف عن الهجو وترفع عن اللغو ، وتلك كانت سمة الشاعر . ونفسة الرضية وخلقه الكريم .
ولد أحمد شوقي كما حدث بذلك عن نفسه سنة ١٨٦٨ في القاهرة بباب إسماعيل في عائلة تنعم بعيش رغيد في ظل سيد البلاد ، وكان جده لأبيه قد أتي مهاجرا إلى مصر يحمل وصاة إلى محمد على باشا من أحمد باشا الجزار فعمل في معية ذلك الوالي .
وقد ادخل شوقي مكتب الشيخ صالح عام ١٨٧٣ وتخرج من المدرسة الخديوية والتحق بمدرسة الحقوق عام ١٨٨٣ التي لبث فيها سنتين ثم دخل قسم الترجمة وتخرج منه بعد سنتين ، فالتحق بمعبة الخديو توفيق الذي أرسله إلى فرنسا عام ١٨٨٧ لدراسة الآداب الفرنسية والحقوق ، فقضى عامين في مونبليه وعامين في باريس وزار خلال هذه الفترة كثيرا من الأقاليم الفرنسية وأنجلترا والجزائر.
وفي الحرب العظمي ( ١٩١٨/١٩١٤ ) نفي شوقي من مصر عام ١٩١٥ فاختار لإقامته أسبانيا حتى أذن له الملك فؤاد في العودة إلي مصر في نهاية سنة ١٩١٩ .
عاد شوقي إلي مصر لا ليستأنف حياته في قصر الملك وفي معية الأمير ولا لينشد الشعر في الأعياد وحفلات القصور ، بل عاد حرا من كل قيد متحررا من كل أسر ليتحدث إلى الشعب ويتحدث الشعب إليه ، بل ليتحدث إلى العروبة بأجمعها ولتجاوب في حنايا نفسه آمال الشرق ومآسيه
وليترجم هذه الآمال ويصور تلك المآسي . وظل نجم شوقي يعلو منذ عودته من منفاه سريعا حتى بويع بإمارة الشعر عن حق وجدارة ، وظل إنتاجه يعظم ويحسن حتى وافاه أجله في صباح ١٤ أكتوبر سنة ١٩٣٢
العوامل التي أثرت في شعره
من الظواهر المألوفة أن عصور الثورات والانقلابات السياسية وضعف الحكومات تشهد ازدهارا في الآداب والفنون ؟ وكأني بهذا الأنحلال الأخلاقي الذي يسود مثل تلك الفترات يلهب خيال الفنانين بما يكشف لهم من حقائق الحياة ونواحي الضعف في النفس الإنسانية في سهولة ووضوح فنري أن أبا العلاء وعمر الخيام كليهما قد عاش في عصر ضعف الدولة الإسلامية في الشرق وقت أن كانت العروش تهوي كأوراق الخريف ، والحروب تنشب في كل يوم والأرواح تزهق رخيصة ، ويسود الإرهاب والظلم والاغتبال والقدر ، كما أن شعراء الثورة الفرنسية وأدباءها من خير من أنجبت فرنسا على مدى العصور .
أما شوقي فقد عاصر ضعف دولة الخلافة العثمانية وشاهد الانقلاب العثماني الأول الذي انتهى بخلع السلطان عبد الحميد ، ورأي عن كثب كيف تزول هذه الخلافة نهائيا عن تركيا وينهض على أنقاضها مصطفى كمال وجمهوريته ، كما شاهد خلال الحرب العظمي انتقاض العرب على دولة الخلافة بزعامة الملك حسين ، والممالك التي تنشأ والممالك التي تمحي من خريطة العالم .
وفي مصر عاصر الثورة العرابية ثم الثورة الوطنية عام ١٩١٩ ، وذاق هو آلام النفي والابتعاد عن الوطن الحبيب ، فلا غرو أن تظهر آثار كل ذلك في شعره ، فتراه يسمو عن العرض الزائل إلى الجوهر الخالد ويتسع أفق نفسه فيشمل مصر كلها بل والشرق بل والعروبة جمعاء
بل والإنسانية بأسرها ، فنري أن كارثة في اليابان تهز أوتار قلبه فيتردد صداها شعرا يجري به لسانه .
هذه هي العوامل العامة التي أثرت في شوقي وشعره إلى جانب عوامل خاصة ؟ منها نشأته في بيت منعم وتربته تربية ترف ورفاهية وتعليمه تعليما عالية ؟ كل ذلك مما أضفي على شعره نوعا من الأرستوقراطية والأناقة في اختيار اللفظ وإجادة الصنعة ؛ كما أن عمله في المعية السنية قد قيد شعره ردحا من الزمان وفترة هي أثمن فترات الحياة ألا وهي شبابه الذي كان يرجي فيه أغزر الإنتاج . لكنه كان فيه مع الأسف مقيدا بقيود الوظيفة يرسل شعره بحساب وبمناسبة .
ولعل من أبرز الحوادث اثرا في حياة شوقي وشعره رحلته إلى فرنسا ومكثه فيها طوال أربعة أعوام ؛ فهو إلى جانب اكتسابه من الثقافة الفرنسية ، نراه في أوله عهده بفرنسا قد عرف الهوي الرخيص الذي اشتهرت به . فاستمع إليه يصف هذا الهوي الخاطف الذي تسببه نظرة فابتسامة فسلام قيعقبها كلام وموعد ولقاء ثم نسيان سريع لكثرة المعجبين أو المحبين : -
خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء
اتراها تناست اسمي لما كثرت في غرامها الأسماء
إن رأتنى تميل عني كأن لم ـتك بيني وبينها أشياء
نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء
يوم كنا ولا تسل كيف كنا نتهادي من الهوي مانشاء
ثم لا يلبث بعد ذلك أن يلفحه الهوي بباره ، ويصهر الحب روحه في فرنسا ، فتترك له هذه الرحلة آثارا لا تمحي في قلبه وذكري يرددها في شعره ما بقي من أيامه ، وصوره حنينا ممضا إلى أيامها يعاوده بين الفينة والفينة ، فاستمع له يقول حين هم يوصف غاب بولونيا أحد متنزهات باريس
يا غاب يولون ولي ذمم عليك ولي عهود
زمن تفضي الهوي ولنا بظلك هل يعود ؟
حلم أريد رجوعه ورجوع احلامي بعيد
وهب الزمان أعادها هل للشبية من يعيد
يا غاب يولون وبى وجد مع الذكري يزيد
خفقت لرؤيتك الضلوع وزلزل القلب العنيد
هلا ذكرت زمان كنا والزمان كما نريد
تطوي إليك دجي الليا لي والدجي عنا يذود ؟
فنقول عندك ما نقو ل وليس غيرك من يعيد
نطفي هوي وصبابة وحديثها وتر وعود
نسقي ونسقي والهوي ما بين أعيننا وليد
وفي قصيدة اخري يعاوده حنينه إلى هواه ويعصف به الشوق إلى تلك الأماكن الحبيبة إلى نفسه ، فيقول مخاطبا باريس !
جهد الصبابة ما أكابد فيك لو كان ما قد ذقته يكفيك
حتام هجراني وقيم تجني وإلام بي ذل الهوي يغريك
قدمت من ظمأ فلوساحتني أن أشتهى ماء الحياة يفيك
أجد المنايا في رضاك هي المني ماذا وراء الوت ما يرضيك
ثم انظر هذا الشيخ الوقور بذكره قدوم الطيارين الفرنسيين بأيام له على ضفاف السين فيغفر للسين طغيانه على باريس إكراما لتلك الذكريات :
أنا لا أدعو ىسين طغي إن للسين إن جار ذماما
لست بالناسي عليه عيشة كانت الشهدوأ حبابا كراما
اجعلوها رسلكم أهل الهوي تحمل الأشواق عنكم والغراما
واستعيروها جناحا طالما شغف الصب وشاق المستهاما
يحمل المضني إلي أرض الهوي يمنا حل هواه أم شاما
والغريب بعد هذا أن يدعي قوم من معاصري شوقي بأن شوقي لم يحب ، وبأن التسبب والغزل في ديوان شوقي مصطنع ولم يكن سوى تكملة لهذا الديوان وضرورة من ضروراته حتى لا يقال إن ديوان الشاعر قد خلا من التسبب .
لا . . إن شوقي قد أحب صادقا وكتب عن الحب مترجما عن شعور صادق وتجربة حية لا شك فيها ، وما في شوقياته من الغزل من خير ما قيل في الحب ، ولكنه بلغ أسمى المراتب في ذلك في مسرحياته حتى استحق أن يلقب بني الحب صدقا كما جاء على لسانه في وصف قيس : -
نبي الحب لا تخشى أذي أو شرة منا
عطفت الطير والوحشا فلم لا تعطف الجنا ؟
شاعر فنان
قد يكون من الظلم أن تسأل الفنان ما الجمال أو ما الحقيقة أو ما الطبيعة وتنتظر أن تسمع منه إجابة تنطبق على أصول الفلسفة والعقل ، لأن أمثال هذه الأسئلة خليق
بالإجابة عنها الإجابة العلمية عالم أو فيلسوف . أما الفنان وهو صاحب القوة الخالدة فكفاه أن يقدم لنا صورة الجمال وجمال الحقائق وروعة الطبيعة .
إن الفنان الحق يعمل في حالة قريبة من الغيبوبة أو الشرود الذهني والتجرد الروحي أقرب إلى حالات الوحي ، أما العالم وهو العقل المفكر والناقد الذي يحلل ويرد كل شئ إلي أصوله وجوهره فهو يخضع كل شئ للعقل وحكمه والنقد وموازينه ، وهو ما لا يمكن أن يتوافر للفنان ساعة خلقه . . ساعة وحيه .
ولو أن الفنان أنصت لموازين النقد وخضع لمقتضيات الفكر ساعة يكتب أو ساعة يصور لما أخرج لنا إلا صنعة متكلفة ميتة لا روح فيها ولا حياة ، ولكان أقرب شبها بعامل ينفذ تصميم المهندس منه بخالق مبدع يقدم لنا
صورا من الجمال التي الذي يدهشنا ويستحوذ على عقولنا . فإذا وعينا هذه الحقائق التي تلازم الفنان في عمله أدركنا كم تجني على شوقي بعض نقاده المعاصرين وأسرفوا في التجني والنقد حين كان يحب الرفق وتقدير البواعث .
وهل كان شوقي إلا فنانا عاش حياته راهبا في معبد الفن يعمل بين خدمه وعماله ويقدم لنا عصارة قلبه ووجدانه شعرا يطرب وقصيدا يستثير الاعجاب !
أما الفلسفة فلم يكن منها في شيء ولم تكن منه ، ولم يعرف عنه أنه صاحب مذهب فلسفي كأبى العلاء . أما تلك المعاني الفلسفية التي وردت في شعره فلم تخرج عن مآثر معادة وحقائق ثابتة كثر تردادها ، وكان شوقي في ذكرها مقلدا للمتنبي وأضرابه من الشعراء المتقدمين .
( للبحث بقية )

