الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 302الرجوع إلى "الرسالة"

أحمد عرابى

Share

أما آن للتاريخ أن ينصف هذا المصرى الفلاح  وان يحدد له مكانة بين قواد حركتنا القومية؟

مازالت إنجلترا وفرنسا بالسلطان حتى استطاعتا إقناعه بعزل  إسماعيل فخلفه على أريكة مصر ابنه توفيق، وفى عهد توفيق قدر  لمصر أن تنبعث فيها ثورة وقدر لأحمد عرابى أن يكون زعيم  تلك الثورة. . .

وما أشبه توفيقاً فى بلويس السادس عشر ذلك الملك  المسكين الذى قال عنه بعض المؤرخين إنه ورث عن أسلافه الثورة  والعرش معاً؛ فلقد تجمعت عوامل الثورة الفرنسية قبل عهده،  وما زالت تنمو وتتزايد، وما زالت تلك الأقلام الجبارة أقلام فلتير  وروسو ومنتسكيو وإضرابهم تحدوها وتمهد الطريق لها حتى جاء

عهد ذلك الملك فاضطرب البركان ثم انفجر فكانت الرجفة التى  زلزلت فرنسا زلزالاً شديداً

وأرى توفيقاً قد ورث عن سلفه كذلك العرش والثورة،  فلقد تجمعت عوامل الثورة العربية فى عهد ذلك السلطان، ثم  راحت تحدوها وتمهد لها الطريق أقلام جمال الدين وتلاميذه حتى  جاء عهد توفيق فانبعثت الرجفة!

لم تكن الثورة العرابية حركة عسكرية فحسب كما يحلو لكثير  من المؤرخين أن يصوروها عن عمد أو عن غفلة، وإن الذين  يفعلون ذلك منهم ليأتون من ضروب الخطأ ما نعجب كيف يحملون  على قبوله أنفسهم وعقولهم، وإنما كانت الثورة العرابية إذا أردنا  وصفها فى جملة: التقاء الحركتين الوطنية والعسكرية واندماجهما.

فلما ذهب عرابى إلى الخديو على رأس جنده ذهب يحمل إليه  مطالب الجيش ومطالب الأمة معاً، ومن ذلك الوقت صار سلاح  الثورة السيف وقد كان سلاحها القلم، أو بعبارة أخرى حارت  قيادتها بين السيف والقلم!

أخذت إنجلترا وفرنسا تتنافسان فى بسط نفوذهما فى مصر  منذ حملة بونابرت؛ ولكنهما وجدتا فى محمد علي رجلاً لا كالرجال  يمد سلطانه لا يفقد ذلك السلطان، فاكتف أولاهما بالسعى إلى  تحطيمه، وفرحت الثانية بمصاحبته.

وجاء عهد إسماعيل، وفتحت قناة السويس، وازداد مركز مصر بذلك خطراً، فنصبت كل من الدولتين شباكها وعولت  كل منهما أن تسيطر على مصر من طريق المال أولاً ثم من طريق  التدخل السياسى ثانياً.

وراح إسماعيل يستدين ويسرف فى الاستدانة حتى تراكمتِ  على مصر الديون. ولما أرادت مصر أن تجد لمشكلتها المالية حلاَّ  سنحت الفرصة لانجلترا فراحت تتدخل فى شئون مصر وتتربص  بها الدوائر.

وما هى إلا سنوات معدودة ثم منيت البلاد بالمراقبة الثنائية،  وأصبح أمر داخلها ومنصرفها فى أيدى المراقبين الأجنبيين. ثم  نظرت مصر فإذا وزير ماليتها انجليزى، وإذا وزير الأشغال فيها  فرنسى، وإذا مصالحها تمتلئ بالموظفين من الأجانب يتمتعون فيها  بالمرتبات العالية، وإن أهلها لتثقل كواهلهم الأعباء حتى يضيقوا  بالحياة.

واشتدت الضائقة على الأهلين لكثرة ما كانوا يؤدونه من

الضرائب؛ وأحس المتعلمون منهم أنهم خرجوا من حكم الخديوى  المطلق ليدخلوا فى نير الأجانب الذين لا تعرف قلوبهم الرحمة.

وهبط السيد جمال الدين مصر يبث فيها مبادئه، ويحمل إليها  قبسه، وكان جمال ذلك الرجل الذى أطلعه الشرق ليضيفه إلى  كواكبه الزهر، يرى أن علة العلل فى الشرق المغلوب على أمره  أن شعوبه سليبة الإرادة: تحكم على رغمها، وتسخر لحساب  الحاكمين؛ ولا مخرج لها إلا أن تعود حرة كما كانت من قبل حرة؛  ولن يكون هذا إلا أن تقوم الشورى مكان الاستبداد وأن ينسخ  نور العلم ما تراكم فى الشرق من ظلمات بعضها فوق بعض.

وكانت التربة فى مصر صالحة لبذوره فنمت نمواً سريعاً يحمل  على الدهشة؛ فما أسرع ما ظهرت فى البلاد حركة وطنية كأعظم  وأجمل ما تكون الحركات القومية؛ وراح تلاميذ جمال يذيعون  فى البلاد مبادئه. يقول فى ذلك الشيخ محمد عبدة أنبغ تلاميذه  وأحبهم إليه: (وكان طلبة العلم - طلبة جمال الدين - ينتقلون  بما يكتبونه من تلك المعارف إلى بلادهم أيام البطالة، والزائرون  يذهبون بما ينالونه إلى أحيائهم، فاستيقظت مشاعر، وانتبهت عقول، وخف حجاب الغفلة فى أطراف متعددة من البلاد خصوصاً  فى القاهرة).

وظهرت فى تلك الأيام الصحافة العربية، وراح الناس يقرأون  فيها نفثات الوطنية، وأخذت تهب عليهم من بين سطورها نسمات  الحرية، والتمع لهم فيها وميضها، فانتعشت أرواحهم وهفت إلى  الانطلاق من الأسر قلوبهم.

وأدى اتصال المصريين بالأجانب إلى تتبع الأنباء العالمية  فى الحرب والسياسة. فزادت معرفتهم بأحوال العالم وقارنوا بين  الشعوب الحرة وبين أنفسهم، وراحوا يستنبطون أسباب ما باتوا  فيه من شقاء وذلة.

واهتدى الناس إلى منهجهم فعرفوا أن منجاتهم فى أن  يتخلصوا من الحكم المطلق ومن نفوذ الأجانب جميعاً، وظهر فيهم  الزعماء فراحوا يعقدون الاجتماعات ويتدارسون أمرهم بينهم،  وظاهرهم الخديوى آخر الأمر فأصابوا حظّاً  كبيراً من النجاح،  ورأى المصريون لأول مرة فى تاريخهم وزارة وطنية تخضع لمشيئة  مجلس يجلس فيه فريق منهم يعبرون عن مشيئتهم

ولكن المصريين ما لبثوا أن فجعوا فى آمالهم بتدخل الدولتين  تدخلاً جريئاً فى شئونهم أدى إلى عزل الخديو وتركهم ذاهلين،

تتنازع أفئدتهم عوامل الحنق والخوف والتشاؤم من المستقبل

وأسلمت قيادة السفينة إلى توفيق، فما كادت تسير حتى  اكتنفتها الرياح الهوج، وقامت أمامها العقبات من كل جانب؛  فهاهم أولاء المصرين تتأجج نيران الحقد فى قلوبهم على الأجانب  ولن يطيقوا بعد اليوم أى جنوح إليهم، وها هى ذى إنجلترا  تتحفز وتتربص، ثم ها هى ذى فرنسا تتحين الفرص لتتغلب على  منافستها. . وهناك تركيا جاءت آخر الأمر تطلب أن تعيد سلطانها  فى مصر سيرته الأولى فتردها الدولتان المتنافستان على عقبيها

والربان غير عليم بالسياسة وأنوائها، ولكنه على الرغم من  ذلك راح يستغنى عن أعلم رجاله بها، فتخلص من شريف وهو  أحوج ما يكون إليه! وتنكر للحركة الوطنية وكان حقيقاً أن  يعطف عليها عسى أن يحبه الوطنيون وعسى أن يحملهم هذا الحب  على تناسى ما لحق بمنصب الخديوية من هوان صغر به فى أعينهم؛  ولكن توفيقاً غفل عن هذا أو تغافل عنه لما رآه من إقصاء أبيه  عن منصبه على ما كان له فيه من جاه وقوة

وحل رياض محل شريف فآلم ذلك دعاة الحركة الوطنية  وأزعجهم أن يروا رياضاً يجارى الخديو فى استكثار الدستور على  المصريين فيقنع بما لا يقنع وطنى مكتفياً بمبدأ مسؤولية الوزارة  عن أعمالها مستغنياً عن مجلس شورى النواب الذى يحرص عليه  الوطنيون كل الحرص

وجاء قانون التصفية فازداد الوطنيون به آلاماً على آلامهم،  ورأوا ما فيه من غبن شديد يتجلى فى إلغاء دين المقابلة وقد أخذ  من جيوبهم كما رأوا ما فيه ما هو أكثر من الغبن ألا وهو عدم  التنازل عن شئ من الدين وهم يعلمون كيف كانت تقترض تلك  الأموال ومبلغ ما كان يصل مصر منها؛ وهم يعلمون كذلك  مجازفة الأجانب بأموالهم مما يحملهم كثيراً من المسئولية. هذا  إلى أنهم رأوا مرتبات الموظفين من الأجانب فى الحكومة المصرية  تبقى على حالها من الارتفاع فلم يدر يخلد من قاموا بالتصفية أن  يراعوا ذلك فى قرارهم فينزلوا بها إلى الحد اللائق

تلك هى الحركة الوطنية أو تلك هى نذر الرجفة. أما الحركة  العسكرية فأول ما نتحدث به عنها أنها بدأت كذلك فى عهد إسماعيل  وتجلى أول مظهر من مظاهرها فى تلك الحركة التى اعتدى فيها  فريق من الضباط على نوبار أمام وزارة المالية عام ١٨٧٨م. وكان  ما دفع الضباط إلى تلك الحركة ما لحقهم بسبب الارتباك من الاستغناء

عن عدد منهم ومن تأخر مرتباتهم عنهم بينما كان الجراكسة  فى الجيش لا يلحق بهم شىء من هذا. . .

ولقد استغنى عن عدد كبير من الجند فى أوائل عهد توفيق  حتى نزل عدد الجيش المصري عما اتفق عليه أخيراً فى بداية هذا  العهد. وولى وزارة الجهادية فى حكومة رياض عثمان رفقى الجركسي  فكأنما جعل أساس سياسته الكيد للمصريين ما وسعه الكيد؛  فلقد راح يذيقهم من نكاله بقدر ما راح يفيض على الجركس  من عطف وإحسان. ولم يكن ذلك عجيباً من جانبه ففى دمه ما فى  دم جنسه من بغض قديم للمصريين الذين كانوا فى رأيهم فلاحين  لا يصلحون إلا ليكونوا عبيداً

وكان طبيعياً أن تقتصر الترقيات فى الجيش على الجركس.  وراح عثمان رفقى يعد مشروع قانون يمنع به ترقية الجند من تحت

السلاح لكى يبقى العنصر الجركسى فى الجيش هو العنصر السائد.  أما عن كبار الضباط فقد بدأ يقصيهم عن مراكزهم كما حدث فى أمر احمد بك عبد الغفار قائمقام السوارى إذ فصله رفقى وعين  مكانة الجراكسة، وكما حدث فى نقل عبد العال حلمي إلى عمل  فى الديوان ووضع جركس آخر طاعن فى السن محله

أما عن الجند فقد كانت الحكومة تسخرهم فى أعمال لا تمت  إلى الجندية كحفر الترع والزراعة فى أراضى الخديو وغير ذلك.

ومما يذكر عن عرابى هنا أنه عارض معارضة شديدة فى أن يعمل  جنوده فى حفر الرياح التوفيقى؛ وهو موقف من مواقف شجاعته،  تلك الشجاعة التى يأبى خصومه أبداً إلا أن يروها تهوراً، والتى  نراها فى أكثر الأحوال على خير ما تكون شجاعة الرجال ذوى  الحمية والإخلاص. . . وأى مأرب فى هذا الموقف؟ وفيم  تكون معارضته فى أن يسخر جنده فى مثل تلك الأعمال إن لم يكن  مبعثها الإنصاف والغيرة؟ وما يكون إنصافه وغيرته فى موقف  كهذا إلا بسالة وإقداماً

تلك هى المشاكل العسكرية. ولو أن تلك المشاكل عولجت  بما يقتضيه العدل لما قدر للحركتين أن تلتقيا فتكون منهما تلك  الثورة التى اقترنت باسم عرابي. ولكن كان دون علاجها عقبات؛  فهناك تعصب رفقى وغطرسته، وجهل رياض بالشؤون الحربية  وترفعه عن هؤلاء الفلاحين من الجند لأنه يترفع عن الفلاحين جميعاً.  ثم هناك دسائس الجراكسة فى الجيش وكيدهم للمصريين ذلك  الكيد الذى لا يفتر

وكان عرابى فى أوائل عهد توفيق قد أخذ يتصل برجال  الحركة الوطنية، أو على الأقل أخذ يتصل بالحركة نفسها؛ وهو  من أول نشأته متحمس لبنى وطنه، وشارك عرابى فى هذه النزعة  الوطنية بعض ضباط الجيش. ولا غرابة فى هذا فإن المسألة  العسكرية فى وضعها هذا كان لابد أن تدب إليها الروح الوطنية  فتكون فى مظهرها أمراً متعلقاً بالجيش بينما هى فى الواقع كانت  شعبة من تلك الحركة العامة التى كانت تشغل أذهان المصريين منذ  أواخر عهد اسماعيل

وكان طبيعياً أن تبدأ المتاعب من جانب الجيش وقد أخذت  رجال الحركة الوطنية حيرة منذ أن استقال شريف. ولقد كانت  مسئولية الحكومة عن هذه المتاعب وتعقدها مسئولية جسيمة  هى عندى من أكبر سوءات ذلك العهد. . .

على أن عرابياً نفسه قد رقى فى أول عهد توفيق إلى مرتبة  أميرالاى، ومع ذلك فقد أدت سياسة الحكومة أو على الأصح  سياسة رفقى أن يكون هو على رأس المتذمرين

بدأت حركة التذمر بأن قدم بعض الضباط المصريين شكوى  إلى وزارة الجهادية عن مرتبات لهم متأخرة، وكان عرابى ممن وقعوا  على هذه الشكوى. ونظرت الوزارة فى الأمر، وكان قنصلا إنجلترا  وفرنسا قد تدخلا فى الأمر، والفت لجنة للتحقيق أقرت مطالب  الضباط، وكان ذلك فى مايو سنة ١٨٨٠، ولكن رياضاً ووزيره  رفقي رأيا فى ذلك العمل القانونى حركة جريئة وخروجاً على النظام!

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية