أما آن للتاريخ أن ينصف هذا المصري الفلاح وأن يحدد له مكانه بين قواد حركتنا القومية
ذكرنا أنه كان من نتائج تلك المذكرة المشؤومة اتحاد الوطنيين والعسكرين، ونذكر الآن أن عرابياً ما لبث يومها أن عاد في نظر الجميع الرجل الذي يجب أن يحرصوا على معونته، وتأهب عرابي ليأخذ دور الزعيم من جديد وقد كانت الزعامة تتزايل في نظر الناس عن شريف
ولقد أحس مالت بما كان للمذكرة من أثر في عودة عرابي إلى طليعة الصفوف فأوفد إليه في مكتبه بوزارة الحربية صديقه بلنت، وكان عرابي قد عين وكيلاً لهذه الوزارة كما بينا؛ وكان مالت يطمع في أن يكسب عرابياً إلى جانبه، أو على الأقل كان يتمنى أن يهدئ خاطره لعلمه بما يكون لمثل هذا العمل من عظيم الأثر في ذلك الموقف العصيب الذي سببته رعونة غمبتا وصاحبه
يقول بلنت: وقد ذهبت إلى ثكنة قصر النيل في ظهر يوم ٩ وكانت المذكرة قد وصلت في يوم ٨ فوجدت عر ابياّ وحدة في مكتبه، وهذه هي المرة الأولى والأخيرة التي رأيته فيها غاضباً، وكان وجهة كسحابة الرعد، وكان في عينة بريق خاص؛ وكان قد رأى نص المذكرة وإن كان لم ينشر بعد، وقد سألته كيف فهمها فقال: أخبرني كيف تفهمها أنت؟ وحينئذ أديت رسالتي فقال: لاشك في أن السير إدوارد ماليت يحسبنا أطفالاً لا نفهم معنى الكلمات. هذه لغة تحد وتهديد وليس في هذه الإدارة كاتب يستخدم هذه الألفاظ لغير هذا المعنى. ثم أشار إلى الفقرة الأولى التي ذكر فيها الأعيان وقال: هذا تحد لحريتنا وليس لإعلان اتحاد فرنسا وإنجلترا معنى إلا أن إنجلترا ستغزو مصر كما غزت فرنسا تونس. . . ثم قال: دعهم يأتون فكل رجل وطفل في مصر سيقاتلهم. ليس من مبادئنا أن نضرب الضربة الأولى ولكنا سنعرف كيف نردها. ثم قال فيما يختص بالمحافظة على عرش توفيق: (إن السلطان هو الذي يحافظ على عرش توفيق فليس في حاجة إلى ضمان أجنبي. ولك أن تخبرني بما تشاء ولكني أعرف معنى الكلمات أحسن مما يعرف ماليت. . .
والوقع أن تفسير مالت كان هراء في هراء، وقد شعرت لما صرت أمام عرابي بعقلي، وخجلت من حملي إليه مثل هذا الهراء، ولكني أكدت له أني أديت الرسالة كما ألقاها إلى السير ادوارد ثم قلت: وهو يرجوك أن تصدقها وأنا كذلك)
هذا هو كلام بلنت، ومنه نتبين مبلغ غضب عرابي لهذه المذكرة كما نفهم جانباً مما كان يجيش في نفس هذا الزعيم الثائر، فهولن يجبن ولكنه لن يبدأ بالعدوان، وهو بعد ذلك يلمح نيات إنجلترا من هذه المذكرة كما يفعل السياسي البعيد النظر إذ يقرأ بين السطور كما يقولون. وما كان عرابي مبالغاً في تصوير نيات الإنجليز فلسوف نرى أن جرانفيل كان في ذلك الوقت قد وطد العزم على التدخل بالقوة!
عاد عرابي إلى الميدان. وفي الناس من تبلغ بهم الغفلة إلى حد أن يأخذوا عليه هذه العودة؛ وفيهم من يذهب بهم اتباع الهوى إلى أن يجعلوا ذلك من أكبر خطيئاته قائلين في مثل منطق البلهاء إن كان ثمة للبلهاء من منطق، إنه بعودته هذه قد ساق البلاد إلى ما سيقت إليه من دمار.
ومن المؤلم المثير حقاً أن يقول هؤلاء الناس هذا الكلام دون أن ينظروا في موقف الخديو وموقف الإنجليز على نحو ما بيننا، وهم لا يفهمون من المسألة كلها إلا ما شاع من أن عرابيا كان رجلاً ذا أطماع لا يدري ماذا يفعل؛ فكانت إذا هدأت البلاد لا يفتأ يعمل بنزقه على إثارتها ليصل إلى تحقيق أطماعه.
وأحسب الآن بعد الذي رأينا من موقف أعدائه أن هذا الكلام قد أصبح خليقاً بأن يخجل منه قائلوه. وإنا لنكاد نقطع منذ الآن أنهم - بعد أن نفرغ من سيرة هذا الرجل المظلوم على النحو الذي نسير عليه - لن يعودوا إلى مثل هذا الكلام أبداً، وسبيلنا في إقناعهم الحجة التي نستخلصها من الحوادث في عدالة يوجبها الحق، وفي عطف يتطلبه الإنصاف.
تعهد عرابي ألا يتدخل في شؤون الحكومة، فكان إذعانه لهذا الطلب أمراً لا بد منه. ولو أنه رفضه لكان في ذلك مخطئاً أشد الخطأ، ولكن عرابياً لم يتعهد أن يدع وطنه وشأنه لا تهزه بعد يوم عابدين نحوه عاطفة أو يحركه لنجدته ما عساه أن يلم بقضيته من الأحداث. ولم يكن ليستطيع عرابي أن يتعهد بمثل هذا التعهد ولن ليستطيع ذلك غير عرابي من الناس، ولو أنه فعل ذلك لأجرم في حق هذا الوطن جريمة ما كان ليغفرها له التاريخ. . وكيف يفعل ذلك عرابي أو أي رجل غيره ولا يكون بذلك مجرماً مفرطاً في جنب وطنه؟ وأي فرق بين مثل هذا التعهد وبين المروق والخيانة والجمود في أوضح صورها وأقبحها؟
ألا إنه الحق كل الحق أن يطلب إلى بني الوطن ألا يتدخلوا في أعمال الحكومة، ولكن على شرط ألا يكون من تلك الأعمال نفسها ما يحفز الناس إلى التدخل أو يوجبه عليهم. أما أن تفرط الحكومات في حق الوطن، وأما أن توضع العقبات في سبيل قضيته ثم يطلب إلى الناس بعد ذلك أن يدعوا الحكومة وشأنها فهذا هو الباطل بأجلى معانيه وأشدها فجوراً، ومن أطاع ذلك من الناس فقد أجرم في حق بلاده وضل ضلالاً بعيداً
لن يكون لقيام الحكومات من مبرر إلا العمل لخير المحكومين وصلاح أمرهم. على هذا الأساس ولدت الديمقراطية، وبهذا المبدأ اقترنت الحرية؛ ولكم نادى بذلك القادة ودعاة الإنسانية في الغرب منذ هدموا صروح الظلم وحطموا أغلال
الماضي وفصموا سلاسل الرجعية. وما لنا نستشهد بالغرب وهذه الحكومة الإسلامية الأولى التي قامت في الصحراء قد جعلت تلك المبادئ أساس قيامها، فما أروع وأجمل أن يقول الخليفة الأولى للناس: (أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن حرفت فقوموني) وإن يقول لهم الخليفة الثاني: (من رأى منكم في اعوجاجاً فليقومه) فيرد عليه أعرابي من أوزاع الناس بقوله: (لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا) وما أملى على أبي بكر وعمر هذه المعاني السامية وما أمدهما بتلك السياسة العالية إلا ما ألهماه من روح تلك الشريعة السمحة، شريعة دينهما التي تقدم بهذا أحد براهينها على أنها شريعة الفطرة، فما كانت الحرية في شتى مظاهرها إلا بنت الفطرة. . . وأبلغ وأروع من قول أبي بكر وعمر قول الرسول الكريم: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)
قبل عرابي أن يدع الحكومة وشأنها على أن تجري الأمور وفق ما وضعته الثورة من مبادئ، فكيف لعمر الحق كان يستطيع أن يحمل على السكوت نفسه وقد رأى من الدسائس الأثيمة التي تحاك حول تلك الحرية الوليدة ما أغضب أكثر الناس اعتدالاً وأقلهم علاقة بالسياسية وشؤونها
إذاً فالفرق كبير بين أن يتدخل عرابي في شؤون الحكومة وبين أن يغضب لما حل بقضية وطنه، وفي هذا الغضب دليل وطنيته ووطنية كل غاضب معه. ولقد كان من أصعب الأمور على هذا الرجل أن يدع هذه القضية وشأنها، بل لقد كان ذلك مستحيلاً عليه؛ وإني لأرجو من الذين خاصموا هذا الرجل في غير حق بعد أن أصبح في ذمة التاريخ أن يستمعوا إلى هذا الرأي الذي أسوقه عنه، ألا وهو أن الحرية كانت من طبعه لم يتكلفها يوماً ولم توجهه إليها الحوادث وهو يجهل كنهها كما يقول الذين أرادوا ألا يدعوا له محمدة إلا جعلوها بالباطل مذمة
كانت الحرية من طبع ذلك الجاويش الذي نقم على الجراكسة في الجيش استبدادهم فأكثر من الشغب عليهم. وكانت الحرية من طبع ذلك الضابط الذي اختاره زملاؤه ليحمل عريضتهم إلى رياض. وكانت الحرية هي التي دفعت هذا الرجل إلى أن يقف
ذلك الموقف الفذ عصر ذلك اليوم المشهود في ساحة عابدين، ولسوف تكون الحرية هي الحافز له إلى وثبات أخرى. . .
ولقد استوثق مستر بلنت من ذلك عند ما سعى إلى عرابي يطلب مودته قال: (وكانت غرفته الخارجية بل كان الشارع الموصل إلى المنزل يمتلئ كل يوم بجماعة الشاكين. وكان قد اتصل به نبأ عطفي على الحركة ورغبتي في مساعدة الفلاح فاستقبلني بأسمى مظاهر المودة لهذا السبب، وللصلة التي تربط أسرتي باللورد بيرون الذي كان عرابي وإن لم يعرف شيئاً من شعره يمجده لدفاعه عن حرية اليونانيين)
وكيف كان يمجد هذا الفلاح اللورد بيرون نصير الحرية إلا أن يكون هذا تجاوباً بين نفس حرة وأختها؟ ولقد كان بيرون يدافع عن اليونانيين لاعن المصريين، فلم يكن حب عرابي إياه إذاً مشوباً بعاطفة غير عاطفة حب الحرية أينما كانت وكيفما كانت جنسية الداعين إليها وكيفما كان دينهم
ولنعد إلى خطبته التي ألقاها في محطة مصر. لقد أفصح فيها وهو يرتجلها عن كثير مما تنطوي عليه نفسه. والخطيب في مثل ذلك الموقف الحماسي ينسي نفسه فلا يملك التكلف والتصنع لأنه ليس به حاجة إلى ذلك، بل لقد يكشف الخطيب عما يريد أن يغطيه إذا نسى نفسه في رهبة الموقف وحماسته دون أن يملك لذلك دفعاً. قال عرابي: (البلاد محتاجة إلينا وأمامنا عقبات يجب أن نقطعها بالجزم والثبات وإلا ضاعت مبادئنا ووقعنا في شرك الاستبداد بعد التخلص منه) وقال: (وقد فتحنا باب الحرية في الشرق ليقتدي بنا من يطلبها من إخواننا الشرقيين على شرط أن يلزم الهدوء والسكينة. . .)
وإنا لنرى في ذلك الكلام من الأدلة على أن عرابياً كان يتحرك بدافع من حبه للحرية ما لا تجدي معه مكابرة؛ وعلى ذلك نتساءل: ألم يأن للناس أن ينصفوا هذا الرجل وقد قضى عليه أعداؤه ثم قضوا بعد ذلك على تاريخه الحق؟
ألم يأن لأبناء هذا الوطن وقد فرغوا من قضية استقلاله وحريته أن ينظروا إلى هذا الرجل نظرتهم إلى زعيم جاهد في الوطن حق جهاده، وأن يكفوا عن تلك النظرة الظالمة التي تصوره رئيس
عصابة من الأوزاع والهمج يسيرون على نهج ولا يبتغون من وراء سيرهم غاية؟
ألم يأن لأبناء هذا الوطن أن يفطنوا إلى أن الاحتلال هو الذي صور عرابياً هذه الصورة المنكرة ليبرر بذلك فعلته، وأنهم بمجاراتهم الاحتلال وصنائعه إلى يومنا هذا فيما ادعوا إنما يثبتون على أنفسهم الغفلة ويسيئون إلى رجل ما فكر يوماً في الإساءة إلى وطنه؟ رجل إن كثرت أخطاؤه فقد حسنت نياته، وإن فاته النجاح فقد عظم في سبيل النجاح بلاؤه. ولقد قل في المحنة نصراؤه وتعدد غداة الروع أعداؤه
لا جناح على عرابي أن يعود إلى ميدان النضال في سبيل المبادئ التي اعتنقها المصريون ووطدوا العزم على تحقيقها. ولو أنه وقف في جهاده عند وثبته الجريئة يوم عابدين لحق عليه ما نسبه إليه خصومه من النزق والسير على غير هدى، ولكن هؤلاء الخصوم يلومونه على عودته إلى العمل قائلين لقد أجيبت مطالب الجند على نحو ما كان يرجو عرابي نفسه، وهم في هذا ما يجهلون حقيقة الثورة العرابية وآمال الرجل الذي نسبت إليه تلك الثورة وأغراضه، وإنما يعلمون ذلك ولكنهم يمارون فيما يعلمون، ولكنهم في الحالين ملومون فلن يقبل منهم جهلهم ولن يقرهم أحد على مماراتهم ومكرهم
وسيعود عرابي إلى الجهاد فيقف في وجه الدولتين الطامعتين. وسيسير زعيم الثورة على رأس جيش من أبناء هذا الوادي ليذود عنه في بسالة جريئة وحفاظ مرّ وفق ما توجبه الوطنية والرجولة. وهذا في الحق هو كل ما يطلب منه في مثل تلك الظروف؛ أما الفوز فأمر قد يخرج عن تصريفه، وسبيله إليه محدود بحدود طبيعته ومقدرته. ولقد يتوافر للقائد من أسباب الفوز ما يكاد يعتقد أنه قبل وقوعه حقيقة لا سبيل إلى الريبة فيها، ثم ينظر فإذا تلك الحقيقة خيال أو دون الخيال. ولئن أخطأ قائد فلن تحمل أخطاؤه على معنى آخر، كما حملت أخطاء عرابي ظلماً وعدواناً على معاني الخيانة والمطامع الشخصية (يتبع)
ينفقون في سبيلها من رجولتهم ما كانت المرأة تحب أن يستبقوه لها فهي لا تستطيع أن تستغني عن حياة المناوشة والمصارعة وهي تكره أن تبيع نفسها بالمال، وإن كانت تبيع نفسها بالمال؛ وهي لا تقنع من الرجل بجاهه وإن كانت ترتمي على أصحاب الجاه؛ وهي لا ترضى بمنصب الرجل وشهرته وإن كانت تتهافت على أصحاب المناصب الكبيرة والمشاهير، فهي تنحرف عن طبيعتها مجاهدة مستعيضة بهذه البهارج عما كانت تتوق إليه من قوة الرجل ورجولته. ولعل حوادث الخيانة الزوجية التي تتعدد وتتكاثر في المدنيات دليل قاطع على أن الزوجات ساخطات على الأزواج، وأنهن لا يزلن يبحثن عن الرجولة الضائعة في هذه الحضارة
وإذا كانت المرأة تكره المال والجاه والنفوذ والمناصب العالية وما فيها من أبهة ولا تقبل عليها إلا على سبيل البدل عن مطلبها الطبيعي، وإذا كانت لا تزال تحب أن ترضي طبيعتها بين يدي من يذلها برجولته ومن يتقن فنون المغازلة والمصارعة على ألوانها فماذا هي صانعة عند الفنان أو ماذا هو صانع بها؟
الفنان تسيطر عليه الغرائز التي تسيطر على بقية الناس فهو إنسان مثلهم ولكن هذه الغرائز لا تشتد به - حين تشتد - كما تشتد ببقية الناس، ولا تترفق به - عندما تترفق - كما تترفق ببقية الناس، فهو وإن كان يحب أن يحفظ النوع البشري كما يحب الناس أن يحفظوه فإنه يسعى إلى ما هو أشرف من حفظ النوع وهو ترقية النوع، والفنان يؤدي لهذا النوع بفنه ما يجاهد النوع دهوراً في سبيل الوصول إليه. وهو وإن كان يحب السيطرة كما يحبها بقية الناس فإنه يتمتع من السيطرة بما لا يتمتع به أحد، ففنه يلوي عنده الأعناق ويخفض بين يديه الرؤوس؛ فإذا لم يوفق إلى هذا في حياته فهو على إيمانه بفنه مؤمن بان البشرية التي غفلت عن تقديره وهو فيها ستنال جزاءها إذ تنصاع يوماً إلى قبره لتطوف بالتقديس حول عظامه ولو بعد أن ينخرها السوس! وإنه ليرى ذلك وهو في ظل العرش. وهو وإن كان يحب العشرة كما يحبها بقية الناس فهو يتأنق في اختيار عشرائه من المعاني والأخيلة والأفكار التي يرصد لها انتباهه وإحساسه ويتعقبها ويتبختر عندها مترنحاً منتشياً كراهبة ترقص في خلوتها على نغم الذكر عابدة لا فاجرة، خالصة غير مشوبة
هذه هي الغرائز التي كان حقها أن تشترك في تخليق الحب في نفس الفنان كما تخلقه في نفوس بقية الناس، ولكننا قد رأيناها جميعاً تعدل عن الحب إلى الفن
وبقيت بعد ذلك (غريزة الوثنية) التي ذكرتها في بدء هذا الحديث، واحسبني قلت إنها لم تضعف إلا عند الذين يهد من إحساسهم التدريب على الاتجاه نحو معان يحبونها هم، ويدهش لهم العالم ويتساءل: كيف يحبونها؟ ومن يكون هؤلاء غير الفنانين؟
إذن فالفنانون على هذا الأساس لا يحبون! وعلة انصرافهم عن الحب بعيدة كل البعد عن الأسباب التي توقعناها في أول حديثنا، فقد خيل إلينا أن عجزهم عن الحب قد يرجع إلى قصور في رجولتهم، أو التواء حاد بنفوسهم عن مسلك الحب الطبيعي الصحيح، أو انحراف عن أساليب الأرض إلى أسلوبهم الجديد
ولكننا رأيناهم في أول حديثنا يحبون. وقد سجلنا عليهم فشلهم في الحب من بعد تسجيلهم إياه على أنفسهم في فنونهم. . . فهل هم يحبون أو هم لا يحبون؟. . . أحبهم الله!
والواقع أنهم يحبون ولا يحبون. فالفنان إنسان حائر بين حلقتين من حلقات التطور البشري. أولاهما الحلقة التي يعيش فيها، والأخرى الحلقة التي ينتقل إليها بروحه ويستنبطها فنه ثم يعود بعد ذلك إلى ناسه. وهذه الحلقة التي يسرى به إليها ستتحقق يوماً ما في الأرض سواء أكان هذا اليوم قريباً أم بعيداً وسيعيشها الناس وكلهم في مستوى ذلك الفنان الذي يبهر جيله وسيكون من بينهم فنانون يبهرونهم بما يستنبطونه من حلقات أخرى لا يسري به إليها غيرهم. وقد ينكر هؤلاء وقد يعترف بهم. . . أمرهم وأمر الحق إلى الله
هذا هو مسلك التطور الروحاني للإنسانية فهو (كالداروينية) الجسدية ولكنه أشد غلياناً وإبهامآ وإبهاماً
والفنان يتذبذبه بين الأرض وسمائه يتلون بلونين ويتشكل بشكلين: شكل يلائم حياة الأرض بقدر ما تسمح ذمته الفنية أن يتسامح في أمانته، وشكل آخر لا يلائم إلا الذين يستطيعون أن يطيروا معه إلى سمائه ولو أتباعاً مسترشدين به. والفنان السعيد الذي يرضى الله عنه هو الذي يوفق إلى غرام واحدة من بنات السماء. والفنان المنكوب الذي أرجو له الرحمة هو الذي يتعلق به غرام واحدة من بنات الأرض: تثقل به وتعرقله عن قفزاته فإن أشفقت عليه وسمحت له بهجرته إلى السماء كلما شاء لم يجد عندها حين يهبط إليها إلا ما اختص به الله بنات الأرض. فهو شقي معها كشقاء المقعد الذي يلهب طاغية ظهره بالسياط ليجري في سباق مع صبيان خفاف شياطين. . . وإن كان المثلان متعاكسين
وينتبه الفنان إلى علة إخفاقه في حبه، فإما أن يرضي من محبوبته بما طلب له فيها من الجمال الروحي والبدني وإما أن يحاول صقل نفسها وتهذيبها ليجعلها تشبه ما يجب أن تكون عليه، فإذا وفق في هذا فإنه يرضى أغلب الرضى، أما إذا فشل فيه فهو الشاكي المتبرم الساخط على الحب اليائس منه المتخاذل أمامه أو المتمرد عليه
وقليلاً جداً ما يفرغ الفنان من وقته لمصارعة المرأة ومناوشتها لأنه يتعلم من جولاته في السماء أن هذه المصارعة من أساليب العنف التي يصح الاستغناء عنها بإدراك نتائجها فيحاول أن يتشفع إلى المرأة بفنه، وهو على كثرة ما يتدلل بفنه يخضع نفسه ويخضع فنه للمرأة ويسعى إليها في هذا الخضوع خاشعاً متوسلاً مستجدياً عطفها، فإذا به ينقلب أمام المرأة شيئاً آخر أكثر رحمة بها من الرجل، وأشد حناناً منه، وأكثر بذلاً وعطاء وتضحية في سبيلها ولكنه على أي حال ليس ذلك الرجل الذي تريد أن تراه قوياً، والذي تحب أن يقسو عليها قسوة تصهر أنوثتها وتسيلها. فهذه
الرقة وهذه الرحمة وهذا الخنوع وهذه المسالمة التي يقرب بها الفنان من محبوبته كلها من علامات الأنوثة - عندها - لا من علامات الرجولة وهي من مظاهر الضعف - في نظرها - لا من مظاهر القوة، وهي تبعث في نفس المرأة الاستهانة بها والشك في أمر صاحبها إذ لا تضمن المرأة أن يتخذها الفنان وسيلة من وسائل الاستدراج يسلطها على كل من تعجبه من النساء ما دام الأمر لا يكلفه أكثر من كلمات رقيقة أو ألحان عذبة أو صور جميلة
والفنان متى وصل به الحال إلى هذا الموقف كان عليه أن يختار واحد من ثلاث: فإما أن يخصص نفسه لفنه، وإما أن يخصص نفسه لحبه، وإما أن يتذبذب بين الفن والحب وهذا ما يفعله الفنانون الشاكون، فليس يتاح لكل فنان أن يتسامى حتى على الحب فلا يذكره ولا يذكر المرأة إلا كما ذكرها المسيح

