لا تزال أمريكا مصرة على موقفها من الصين الشيوعية ، تأبي أن تعترف بها وأن تسمح لمندوبيها بأن يحلوا محل مندوبي " صن تشيانج كاي شك " في مجلس الأمن أو غيره من دوائر هيئة الأمم المتحدة . وتأبي إلا أن تعد الصين دولة معتدية في كوريا ، ونحاول أن نحمل دول العالم الأخرى على أن تذهب هذا المذهب ، وليست هذه المظاهر جميعا سوى حلقة من حلقات سياسة فاشلة بدأتها أمريكا في الصين منذ سنوات . فلما تبين خطؤها أبت أن تتراجع ؛ وكأنما أصبح المبدأ الذي تأخذ به هو " أن الاستمرار في الخطأ خير من الاعتراف به " .
فلقد أدى قيام الحرب الصينية اليابانية في سنة ١٩٣٧ إلى أن يتعاون حزب الكومنتانج مع الشيوعيين في جبهة تقاوم العدو المشترك . ولقد استطاع الحزب الشيوعي منذ ذلك التاريخ ، وتحت زعامة تشوان لى Chou Ea.Lai وماونستنج Mao Tso.tung أن يقوي نفوذه ، وأن يزيد عدد أتباعه من مئات الآلاف من فلاحي الشمال إلى أكثر من ١٥٠ مليونا ، وأن يرتفع بقواته المسلحة من مائة ألف إلى جيش نظامي يريو على المليون ؟ هذا فضلا عن مليونى جندى من المتطوعين . ولم تكن هذه المعجزة نتيجة لمساعدة
سوفيتية كما يزعم الكثيرون وكما تدعي أمريكا ؛ بل كانت ترجع أولا وأخيرا إلى حقيقة واحدة ، هي أن الشيوعيين ظهروا - رغم كل أخطائهم - في نظر الجماهير الصينية من الفلاحين والعمال ، بل ورجال الأعمال أنفسهم ، بأنهم الأمل الوحيد الذي يمكن أن يخلص البلاد من طغيان الكومنتانج وسلطته الاستبدادية ونظامه الإقطاعي .
ولم يكن برنامج الشيوعيين الاقتصادي برنامجا شيوعيا بالمعنى المعروف ، بل ولم يكن برنامجا اشتراكيا . كل ما في الأمر أنه كان حركة اصلاحية تهدف إلى الحد من الملكيات الكبيرة ، حتى يمكن خلق طبقة من صغار الملاك ، وإلى تخفيض الإيجارات الزراعية ، ومنع الرشوة واستغلال النفوذ ، والعدالة في فرض الضرائب وجبابنها . كما كان يرمي إلى محو الأمية وتيسير وسائل العلم ، وتشجيع الحركة التعاونية وتقويتها ، والرقي بالفلاح إلى مستوي آدمي ؛ فقد كانت حالة الفلاح في الصين ولا تزال مما يدعو إلي الرثاء .
ولم يستطع الغزاة اليابانيون طول مدة الحرب أن يقتوا من عضد الشيوعيين أو أن يقللو من رغبة قواتهم في المقاومة ، ولكنها استطاعت أن تعزل بينهم وبين قوات الكومنتانج في سنة ١٩٤٢ . ولما كانت القوات الأخيرة
لا تزال ولو اسميا صاحبة المقام الأول في الصين ، فقد عملت أمريكا وبريطانيا بكل السبل علي الاحتفاظ بها حتى تظل حكومة تشونجكنج مشتركة في الحرب ولو بصفة صورية .
ولم تقصر واشنطن ولندن فيما بذلنا من مساعدة حربية ، ولكن الخبراء بشئون الصين كانوا يعلمون تمام العلم أن حركة الإصلاح الداخلي هي الأساس الوحيد لأي مجهود حربي يراد له أن يثمر وأن يؤدي الغاية المقصودة منه ؟ ولقد نبه إلى هذا الليفتانت جوزيف ستلويل حينما عين في ربيع سنة ١٩٤٢ مستشارا عسكريا لشيانج كاي شك ، وهاله ما رأي من شيوع الفوضى والرشوة واضطراب الأحوال الداخلية . ولكن خطب مدام شيانج كاي شك في زيارتها لأمريكا في فبراير سنة ١٩٤٣ كانت أبلغ من آراء ستلويل ونصائحه ؛ فأصغت لها أمريكا وهي تتحدث عن الديمقراطية والحرية والعدالة ، ويعلم الله والصينيون أن حكم زوجها كان قد خلا تماما من هذ المباديء.
وحدثت الأزمة المحتومة في خريف سنة ١٩٤٤ . ففي صيف ذلك العام أخذت القوات اليابانية تتدفق على الصين الجنوبية ، وتحتل المراكز الأمامية للقوة الجوية الأمريكية الرابعة عشرة ، وكان في استطاعتها الاستيلاء على تشنجكنج لو ان الاستيلاء عليها يتناسب مع أي مجهود يبذل في سبيله . ورأى " ستلويل " أن لا أمل يرتجي إلا بإعادة تنظيم الحيش وإصلاح الإدارة والاستجابة لرغبات الشعب . وأوفد الرئيس روزفلت الميجر جنرال " باترك هورلي " و " دونالد نلسن " لإقناع شيانج كاي شك بأن يكون ستلويل رئيس أركان حرب كل الجيوش الصينية ، وأن يتعاون مع الشيوعيين في حكومة قومية تقف أمام الغزو الياباني . وفشلت البعثة في مهمتها ، لأن شيانج كاي شك رأي في طلباتها انتقاصا لسيادته وتقليل سلطانه . ولم يكتف بالرفض ، بل طالب بسحب " ستلويل " .
وارتكب الرئيس روزفلت غلطة خطيرة ، كان من نتائجها قيام الحرب الأهلية في الصين ، وكان من نتائجها أن
أخذت أمريكا تقود العالم إلى حرب عالمية ثالثة . وهي نتائج كان الرئيس روزفلت يضحي كل شئ في سبيل تلافيها . . قبل روزفلت إعفاء ستلويل من مهمته في أكتوبر سنة ١٩٤٤ ، وأغلب الظن أن هذا كان ضد رغبته الأصلية . وخلف ستلويل الميجر جنرال " ألبرت ودبمير " ولم تكن لديه النزعة الإصلاحية التى كانت لسلفه ، واحتج على ذلك السفير الأمريكي في الصين فاستقال في ٢٧ نوفمبر . واقترح الشيوعيون تأليف حكومة قومية فرفض تشيانج كاي شك وآزره السفير الأمريكي الجديد المستر " هورلي " . وكانت النتيجة أن أخذت المساعدات الحربية الأمريكية تقل بالنسبة للشيوعيين ، وتزداد بالنسبة لشيانج كاي شك الذي راح يختزنها ليستعملها ضد الشيوعيين فيما بعد .
وحينما سلمت اليابان لاح شبح الحرب الأهلية في الصين ، وطار هورلي السفير الأمريكي إلي " بنان " مركز قيادة الشيوعيين وعاد " يماوتستنج " إلى " تشنجكنج " وانقضي الصيف في المفاوضات ، وكان في استطاعة الولايات المتحدة التى كانت قد أقنعت تشنجكنج بقبول اتفاق " بالتا " أن تضغط على الطرفين المتفاوضين في سبيل الاتفاق وذلك عن طريق واحد بسيط ، وهو منع المساعدة عن شيانج كاي شك . الذي استغل كل المساعدات في سبيل القضاء على خصومه من الشيوعيين . ولكن الولايات المتحدة بدلا من أن تفعل هذا أخذت تتعاون صراحة مع الكومنتانج ضد الشيوعيين .
ومن الجانب الآخر لم تقدم لروسيا مساعدة مباشرة للشيوعيين . كل ما عملته هو أن فككت معظم المصانع اليابانية في منشوريا وحملت أجزاءها ثم سحبت جيوشها في ابريل سنة ١٩٤٦ ، ولم تترك إلا بعض الحاميات في دارين وبورت ارثر ، وتركت البلاد في ظروف أعطت الشيوعيين فرصة احتلال معظم منشوريا والاستيلاء على كثير من مخلفات الجيوش اليابانية ومعداتها الحربية . وفي نفس الوقت استقال هورلي من منصبه منهما وزارة الخارجية الأمريكية بتهم ليس هذا مجال سردها .
وعين الرئيس ترومان الجنرال " جورج مارشال "
مبعوثا خاصا إلي الصين ، وأعلان في ١٥ ويسمبر ١٩٤٥ أن الولايات المتحدة ترغب في اتحاد الصين في نظام ديمقراطي ، وترغب عن التدخل في شئونها الداخلية ، وأنها مستعدة لمد الصين بالمساعدة وفقا لقانون الإعارة والتأجير لو قامت فيها حكومة وطنية موحدة مستقرة ، ونجح مارشال في عقد هدنة بين الكومنتانج والشيوعيين في ١٠ يناير ١٩٤٦ . ووعد شيانج كاي شك بإصلاح ملكية الأراضى وبوضع خطة لحكومة قومية ووضع دستور ديمقراطي ؛ ولكن لم تمض شهور حتى قضت الهدنة وعادت المناوشات من جديد ، وراح كل فريق يحمل الآخر مسئولية ذلك . ولما كان شيانج كاي شك ومستشاروه على ثقة من مساعدة الولايات المتحدة فلم يروا ما يدعو إلي مهادنة الشيوعيين ، وأعلنوها حربا شاملة ، لا على الشيوعيين وحدهم بل وعلى الديموقراطيين بصفة عامة ، ونقل البرفسور " لي كونج بو " Li .Kung.po والبرفسور وين بي تو Wen yu.tu ، وهما من زعماء الكتلة الديموقراطية التى كانت الحزب السياسي الحر الوحيد في الصين . وأعلنت " مدام صن بات سن " في أسي بالغ أن الصين في طريقها إلى الدمار وأن المساعدة الأمريكية لشيانج كاي شك معناها الحرب الأهلية المحققة .
وفي أغسطس سنة ١٩٤٦ صرح الجنرال مارشال أن الاتفاق بين الكومنتانج والشيوعيين أمر مستحيل ، وبعد بضعة أسابيع اتفق على أن يحول إلى حكومة تشانج كاي شك ما قيمته ألف مليون دولار من معدات الحرب الأمريكية في الصين والمحيط الهادي الغربي . وكان عجيبا فعلا أن تقوم أمريكا بهذا ، وهي تدعي الوساطة في سبيل السلام في الصين .
وبدا لشيانج كاي شك أن الأمر قد استقر له ، خصوصا بعد معاهدة الصداقة . والمعاهدة التجارية اللتين عقدهما مع الولايات المتحدة . فدعا إلى جمعية وطنية في نانكين ، ولكن الشيوعيين والرابطة الديموقراطية قاطعوها ، ووضعت دستورا لم يقبله الشيوعيون ، واحتد النزاع ، واتسعت الحرب الداخلية ، وتوالت مساعدات أمريكا لشيانج كاي شك ، وحينا اقترح " مولوتوف " في مؤتمر موسكو في مارس
سنة ١٩٤٦ أن يجتمع الثلاثة الكبار لمناقشة المسألة الصينية ، رفض مارشال هذا الاقتراح ، ولم تمض فترة حتى استولت قوات الكومنتانج على بنان عاصمة الشيوعيين لفترة غير قصيرة ؟ كذلك استطاعت مزودة بالعتاد الامريكي أن تستولي على كل جهات شانتونج وتصل إلى منشوريا ، ولكن استطاع الشيوعيون في أواخر سنة ١٩٤٧ استرداد شانتونج وامتدت سيطرتهم على معظم الجهات في شمال نهر اليانجتسى وعبروا النهر في أكثر من موضع .
وكان نظام شيانج كاي شك كنظام آل بربون ، لم يتعلم شيئا ولم ينس شيئا ، فاستمرت الفوضى والانهيار وسوء الإدارة ، حتى إنه حينما احتجت فرموزا المحررة على هذه الأحوال السيئة لقيت من عنت قوات شيانج كاي شك الشئ الكثير ، ولم تأت سنة ١٩٤٨ حتى كانت المسألة الصينية شأنها شأن المسائل العالمية الكبرى الأخرى ، موضع خلاف بين موسكو وواشنطن ، ولم يتدخل" الكرملين " تدخلا سافرا في شئون الصين الشيوعية ، ولم يكن رجاله في حاجة إلي ذلك ،فإن معظم الإمدادات التي بعثت بها أمريكا إلى الكومنتانج كانت قد آلت إلي الشيوعيين عن طريق غنائم الحرب ، أو عن طريق شرائها ورشوة المتصرفين فيها من قواد شيانج كاي شك . فليس عجيبا إذا أن تدور الأمور بسرعة ، وأن يخلص للشيوعيين كل الصين ، وأن تنحصر قوات شيانج كاي شك في جزيرة فرموزا .
ولقد كان في استطاعة أمريكا بعد كل هذه الأخطاء أن تصحح مركزها فتعترف بالصين الشيوعية ؛ خصوصا وهي تعلم أن الشيوعية في الصين غيرها في روسيا ، وان " ماونستنج " ليس دمية يحركها الكرملين . . إنها لو فعلت ذلك لخلقت " تبنو " آخر في الشرق الأقصي ، وكان هذا أجدي عليها وعلى العالم . وحالت دون التوسع الروسي من غير أن تسفك قطرة واحدة من الدم . . ولكنها هي أمريكا .
