إن كانت الحرب تقلب الأوضاع السياسية ، والشؤون الاقتصادية ، والنظم الاجتماعية ، وتؤثر فيها أثرًا بالغًا ، فأثرها في الأخلاق ليس أقل من أثرها في سائر هذه المرافق .
بل إنا لنلاحظ أن أثر الحرب في الاقتصاد والسياسة والاجتماع قد يكون في كثير من الأحيان أثرًا وقتيًا ، يزول بزوال الحرب ، أما الأثر الأخلاقي فكثيرًا ما يبقى بعد الحرب كما كان في الحرب .
لقد جاءت الحرب العظمى فهزت الأخلاق هزًا عنيفًا ، وغيرت مجرى الحياة ، وشكلتها تشكيلا جديدًا ، ثم ظل هذا التغير إلى الآن . جُنِّد الشبان والكهول ، فحلت محلهم المرأة في كثير من الأعمال الاقتصادية اليومية ، واتخذت ذلك وسيلة إلى أن تتحلل من كثير من قيودها . فلما انتهت الحرب لم تتنازل قيد شعرة عما كسبت ، وأنالتها أيام الحرب القصيرة من الحرية أضعاف ما نالته في أيام السلم الطويلة . ثم جاءت الحرب بأهوالها وضحاياها ، فأرخصت الحياة ، وقللت هيبة الناس من الموت ، فكان لذلك أثر قوي ، هو الأثر الذي كان عند طَرفة إذ يقول :
ألا أيها ذا الزاجيري أحضر الوغى
وأن أشهد اللذات هل أنت مُخْلِدي ؟
فإن كنت لا تستطيع دفع مَنيتي
فدعني أبادرها بما ملكت يدي
كان من نتيجة ذلك أن أفرطوا في طلب اللذائذ ، لأنهم لا يدرون ما يأتي به الغد ، وقالوا : لننهل من اللذائذ
ما استطعنا قبل أن يأتي الموت ؛ ومن غريب شأن الموت أن تأثيره على الأعصاب تأثير متناقض ، فقد ينشأ عن الخوف منه التقوى والصلاح إلى أقصى حد خشية ما بعده ، وقد ينشأ عنه الانهماك في اللذائذ إلى أقصى حد اغتنامًا للفرصة ؟ وكان أن ساد النظر الأخير في أوربا ، فكان شعارهم " اللذة قبل الموت " وسادت بجانب ذلك نزعة تخدم هذا الغرض ، وهي أن المحاربين يلقون عناءً شديدًا في الحروب فليتمتعوا كثيرًا أثناء إجازاتهم ، وسرت في نفوس الناس نزعة أن يهيئوا لهم سبل المتاع ، فكان هذا عاملا جديدًا لتحرر النساء والرجال من كثير من القيود القديمة أيضًا .
وطبيعي أنه إذا تغلب النظر الأول للموت وهو التقوى والصلاح تبعه الزهد والورع واحتقار المال ، أو على الأقل الإقلال من قيمته ، أما إذا تغلب النظر الثاني وهو طلب اللذائذ ، ارتفعت قيمة المال ، لأنه وسيلة اللذة ، وهذا ما حدث ، فقد ارتفعت قيمة الحرية ، وارتفعت قيمة المال وأصبحا معبودي العالم بعد الحرب .
ولسنا ندري بالدقة ما هي الموجة الأخلاقية الحديثة التي ستنتجها هذه الحرب الجديدة ، وإن كنا نرجح أنها ستكون استمرارًا للموجة القديمة مع تعديل قليل تقتضيه الظروف .
في أيام الحرب تنقلب كذلك قيم الفضائل والرذائل ، وتظهر على الناس أعراض تخالف الأعراض المعروفة أيام
السلم ، فيصبح الانتقام في المنزلة الأولى من الرذائل , ويتجلى في أكبر مظاهره ؛ فتخريب في النفوس ، وتخريب في الأموال ، وسفك للدماء ، وفساد في الأرض ، وكلما انتقم فريق جَدَّ الفريق الآخر أن يأتي بنوع جديد حتى يصلوا جميعًا في النهاية إلى أعلى نغمة في الانتقام ؛ فكأنهم في لمحة البرق قد رجعوا إلى الوراء كل القرون التي أسس فيها الإنسان مدنيته ، ووقفوا جنبًا إلى جنب مع الوحوش الضارية ، والسباع الكاسرة ، ونسوا نسيانًا تامًا أنهم من صنف الناس ، وتضاءل بجانب الانتقام الدين والعلم والحكمة والمدنية ، وكل مظاهر الإنسانية ، وصفق الناس لأشدهم انتقامًا ، وأقدرهم على الفتك والتخريب والتدمير .
وكما يتصدر الانتقام ويأخذ المحل الأول في الرذائل , تتصدر الشجاعة وتحل المحل الأول في الفضائل ، فتكون الشجاعة إذ ذاك بارزة متقدمة أمام العدل وأمام الحكمة وأمام سائر الفضائل ، وتتجلى في مظاهرها المختلفة من شجاعة بدنية وشجاعة أدبية ، ويظهر الناس منها في مظاهر مختلفة ، فمنهم من يجلي في الشجاعة البدنية ويتخلف في الشجاعة الأدبية والعكس ، منهم من يتقدم إلى الصفوف غيره هيَّاب ولا وَجِل ، ويقذف القنابل ويطير فوق الأعداء ويعرض صدره للأخطار ؛ فهو في كل ذلك شجاع بدنيًا ، ولكنه إذا رأى ظلمًا حل بقومه أو رأى رأيا يحقق العدالة في مطلب من مطالب الحياة جبن عن رفع صوته وإبداء رأيه ؟ ومنهم على العكس من ذلك شجاع شجاعة أدبية إلى أقصى حد ، فيتعرض للخطر والمقت بإبداء رأيه ، ويجبن غاية الجبن في كل ما يتطلب شجاعة ببدنه - وعلى كل حال فالشجاعة بنوعيها في المكان الأول من ثبت الفضائل في الحروب .
وفي الحروب الحديثة مظهر جميل من مظاهر تقويم الأخلاق يسري عن النفوس إذا تغلب عليها جانب التشاؤم ، وهو هذا المظهر الذي يقفه الصفان المتحاربان فيدعي كل منهما أنه المحق في حربه ، وأن الجانب الآخر هو الغاصب المعتدي ، ويدعي كل أن لا رغبة له في الحرب ، وأن السلم غايته ومتمناه ، وأنه لم يقدم على الحرب إلا دفاعًا عن نفسه وعن الإنسانية بأجمعها ، وأن التاريخ أعدل حاكم في تحديد " المسئولية " وتعيين المجرم الذي جنى على العالم هذه الحرب .
فمن ثنايا هذه الأقوال المتضاربة والتهم المتبادلة يتجلى مظهر نبيل من مظاهر الإنسانية ، وهو أن الرأي العام العالمي يكره الحرب ويكره الظلم ويكره الاعتداء ، وأنه لا ينقصه في الوصول إلى غايته في حب الإنسانية إلا تقدمه العقلي في فهم الحجج وعدم وقوعه تحت تأثير الأقوال المزيفة . أما النزعات الإنسانية فموجودة ظاهرة في كل من الفريقين ؛ وأما الغاية الخيرة فلا تنقص الشعوب من الجانبين وإن نقصت بعض الزعماء ، وهذه - من غير شك - علامة تبشر بالخير .
ومن غريب الأمر أن الحرب كما رفعت من شأن الانتقام ، رفعت كذلك من شأن الرحمة ، فما فقدته الأخلاق من جانب كسبته من جانب هذا يجرح وهذا يضمد الجراح ، وهذا مصنع يصنع القنابل والآلات الفتاكة ، وهذا مصنع يصنع اللفائف والأدوات لإسعاف المنكوبين من غير تفريق بين الخصوم وغير الخصوم ؛ فإذا سقط الجريح في الميدان فالرحمة تتولاه سواء أكان صديقًا أم عدوَّا ، وإذا أسرف الانتقام ففتك ودمَّر اختفى بعد قليل وظهرت مكانه الرحمة تأسو وتعطف ، فإن كان الانتقام يرينا مظهر انعدام
الإنسانية ، فالرحمة ترينا رقيَّ الإنسانية .
وفي الحرب تتعلم الأمم الرجولة والاحتمال ، فتترك نعومتها ورخاوتها ، وتتعود احتمال الكوارث وتستخف بالمصائب ، وتفهم الدنيا على أنها حلو ومر ، فالحلو جانب يجب أن يكون ، والمر جانب يجب أن يكون ، وليست الحياة إلا دورًا يُلعب ، قد يكون فيه الهزيمة ، وقد يكون فيه النصر ، وقد يكون فيه ما يحزن ، وقد يكون فيه ما يُضحك ، ولهذا ما تركت أُمة الحرب إلا ذلت , وأخلدت للذة الوضيعة ، واضطربت للحادث الصغير . وبئست للأمر التافه .
وفي الحرب تكتم الحريات ، حرية الأشخاص ، وحرية الجرائد ، وحرية الآراء ، وحرية المذاهب ؛
فلا مذهب إلا ما يخدم الحرب ، ولا رأي إلا ما يؤيد الحرب ، ولا أخبار إلا بقدر ، ولا حقيقة إلا بقدر ، وحَبة تُجعل قبة ، وقبة تُجعل حبة ؟ ويختفي صوت العلم والأدب إلا قليلا ، ويعلو صوت المدافع والغواصات والطيارات والحديث عنها وأعمالها علوًا كبيرًا .
ولكن حتى هذه الحرية المكبوتة ، إن كنا نفقد بفقدها مزاياها ، فإنا ننعم باختفاء رزاياها . لقد حرمنا نقد الأحزاب ، ولكنا نعمنا بإختفاء سباب الأحزاب ، حرمنا القول الحكيم وكسبنا هدنة استعداد النفوس للصفاء .
الحق أن الحرب نسيج من خيوط سوداء وخيوط بيضاء ، ولكن أي شئ في العالم لا يشوب سواده بياض أو بياضه سواد ؟
