سأقول وأعيد ، ثم أقول وأعيد ، إننا نتخلق بأخلاق العبيد ، مهما بدا علينا من علائم الحرية وسمات السيادة ؛ سأقول ذلك وأعيده ألف ألف مرة ، لعله يطن فى الآذان فيرن صداه فى الرءوس ، فتقر آثاره فى النفوس ؛ ولو كان جزائى من ذلك كله أن أحول رجلا واحدا ، أستغفر الله ، بل لو كان جزائى من ذلك كله أن أحول نفسى من العبودية إلى الحرية ، ومن الذل إلى العزة والسيادة ، لعددت ذلك جزاء وافيا شافيا ، ولاستقبلت منيتى بعدئذ مطمئنا راضيا .
لقد زعمت لك أيها القارئ الكريم أننا عيال على العالم المنتج ، لا نكاد نخلق شيئا واحدا جديدا فى الأدب أو العلم أو الفلسفة أو الفن ، لا أقول اليوم ، ولا أقول أمس ، ولكنى أقول إننا لم نكد نخلق جديدا من أول الزمان إلى يومنا هذا ، لقد كنت أتحدث منذ أيام إلى إمام من أئمة الأدب فى الشرق العربى ، فقال : إن مصر فى كذا ألفا من السنين لم تنجب أدبيا عظيما ، فرددت عليه فى ابتسامة الخجل : بل إن مصر يا سيدى فى كذا ألفا من السنين لم تنجب عظيما ، لا فى الأدب ، ولا فى غيره من شتى نواحى الفكر والحياة .
زعمت لك ذلك وعللته مما " نتحلى " به من أخلاق العبيد ، لأن الخلق عندى لا يكون إلا بعد عزة وسيادة وطموح ؛ فلاحظت لك أننا عبيد فى فلسفتنا الأخلاقية ، لأننا نصدر فيما نفعل عن طاعة لأمر سلطان خارج عن نفوسنا ، ولاحظت لك أننا عبيد فى فلسفتنا الاجتماعية ، لأننا نقيم نظام الأسرة ونظام المجتمع على أساس من سيد ومسود ، ثم لاحظت لك أننا عبيد فى بطانتنا الثقافية , لأننا ننصاع فى يسر يشبه الانزلاق من الإيمان والإعجاب بما قاله الأولون .
ولو كنا عبيدا ناقمين ساخطين على ما نحن فيه ،
جاهدين ساعين نحو إعزاز النفس وتحريرها ، لهان الخطب وخف البلاء ، لأن أول مدارج الإصلاح نقمة وسخط على الحاضر ، ورغبة فى التغيير وسعى نحو تحقيقه ؛ لكن الخطب - فيما أرى - فادح ، والبلاء جسيم ، لأننا نجد من العبودية مرتعا خصيبا نسرح فيه ونمرح ، مغتبطين أشد الغبطة ، راضين أكمل الرضا ؛ وقد عبرت عن ذلك فى مقال نشرته بعنوان " الكبش الجريح " إذ عجبت لهذا " الخروف " - وقد وثب عليه الذئب فمزق منه وانتهش - عجبت له كيف استمرأ ضرب المخالب ، واستلذ وقع الأنياب ؛ دماؤه تسيل وعلى شفتيه ابتسامة ، وبلغ الذئب فيه ويلعق وفى عينيه نظرة استسلام ورضى !
لكن لما زعمت أننا عبيد ، عجب فريق مما زعمت ، وأخذ كل يتلفت حوله لعله يرى فى جاره مصداق ما أقول ... واعجبا ! كيف نكون عبيدا وليس فى أرجلنا أصفاد ولا فى أيدينا أغلال ؟ بل كيف نكون عبيدا وقد حفظنا فى المدارس أن أمهاتنا قد ولدتنا أحرارا ، ولا يجوز لأحد أن يستعبد أحدا ؟ . . . كلا ! أنت أنت العبد لا تتلفت ، والأغلال والأصفاد فى طوية فؤادك ودخيلة نفسك ، ولو كانت فى يديك أو قدميك ، لكان الخطب أيسر ، لأن تحطيمها عندئذ يهون ؛ أنت أنت العبد لا تتلفت ، فلست تستطيب لنفسك عيشا بغير سيد ، إن لم تجده فى الأرض التمسته فى السماء .
لقد رأيت بعينى رأسى - إذ كنت فى لندن - وزيرا فى الوزارة الإنجليزية الحاضرة - مستر نويل بيكر - كان يمثل حكومته فى جمعية الامم المتحدة ، رأيته بعينى رأسى ذات يوم ، حين آن أوان الشاى فى العصر ، ينزل إلى طابق البناء الأسفل ليقف فى صف كان بين أفراده صغار الكتبة والخدم ! وقف هناك ينتظر دوره ليشترى فنجانا من الشاى وقطعة من الكعك ؛ وما فكر هو ، ولا فكر أحد ممن وقفوا أمامه أن تكون له أسبقية بحكم
منصبه ، فسألت نفسى : هل يمكن أن يحدث ذلك فى مصر ؟ وأجبت نفسى : إن حدوث ذلك فى بلادنا مستحيل لسببين : الأول - وهو أخف السببين شرا وأقلهما وبالا ، هو أن الوزير المصرى لا يرضى لنفسه أن يكون فى جمهرة من الناس تضم بين أفرادها عددا من صغار الكتبة والخدم ، لأنه - كغيره من البشر - يريد لنفسه سطوة وسيادة ، وهاتان شرطهما " الترفع " و " التعالي " .
الثانى - وهو المأساة الحقيقية التى تمزق النفوس كمدا ، لو كان لنا نفوس يمزقها الكمد - الثانى هو أنه حتى لو فرضنا حدوث المستحيل ، ففرضنا أن الله قد هيأ لنا الوزير الذى يجد فى نفسه " رفعة " لا تحتاج إلى " ترفع " و "علوا" لا يعوزه "التعالى" فلم يجد مضاضة فى الوقوف فى صف المكتبة والخدم ساعة العصر ، ليأخذ فى دوره فنجانه من الشاى ، أقول إننا لو فرضنا حدوث هذا المستحيل ، لأبى الناس أنفسهم على الوزير أن يكون مثلهم ، وأن يقف معهم على قدم المساواة فى شئون حياته الخاصة التى لا يكون فيها وزيرا ؛ لو تنازل الوزير المصرى ووقف فى الصف مع الكتبة والخدم ، لأبى عليه ذلك هؤلاء الكتبة والخدم ، وتسابقوا إلى التنحى للوزير الخطير عن مكان الصدارة فى الصف ، بل لتسابقوا إلى دفع القرش أو القرشين نيابة عنه ، بل لتسابقوا إلى حمل فنجانه إلى حيث يطيب للوزير الجلوس .
ولو حدث ذلك وقلت لأحد ممن وقفوا فى الصف : هذه منك عبودية وذلة ، لدهش من قولك وأخذه العجب ونظر إلى يديه وإلى رجليه ، حتى إذا لم يجد بها أغلالا وأصفادا ، صاح فى وجهك محتجا غاضبا : واعجبا ! كيف أكون عبدا وليس فى قدمى أصفاد ولا فى يدي أغلال ؟ وأعود فأستعير شيئا مما قلته فى مقالة " الكبش الجريح " : " قل فى ذلك ما شئت يا " خروف " , قل إنها وداعة الحملان ، أو قل إنه التواضع ، وإن للمتواضع عند الله رفعة
الشان ، أو قل إنه كرم النفس ، وليس الكرم بغريب على بنى القطعان ؛ قل فى ذلك ما شئت يا خروف ، لكنه عندى علامة لا تخطئ على ما فى نفسك من ذل العبيد ، الذى يستمرئ ضرب المخالب ، ويستلذ وقع الأنياب " .
وأحب أن أذكر لك على سبيل الموازنة بالوزير الإنجليزى الذى وقف فى صف الكتبة والخدم ، مصريا كبيرا - إذا قيس الكبر بدرجات الوظائف ، كما تقاس حرارة الماء بالترمومتر - أعرفه حق المعرفة ، ويعرفنى حق المعرفة كذلك ، لقيته بعد غيبتى أعواما ، وشاءت الظروف أن نلتقى فى ديوان حكومى ، فأرادت له أوضاع المجتمع أن يسلم على تسليم الذى لا يعرفنى كثيرا أو قليلا ، وأنا لا أتهمه هو ، لأنى موقن أنه طيب النفس كريم العنصر ، إنما أتهم المجتمع بأسره الذى هو عضو فيه ، لأن هذا المجتمع - فيما يظهر - هو الذى وسوس له ألا يسلم على الناس أمام الناس فى شئ من الترحيب ، خشية أن يظن الناس أنه أمسى وبات مساويا للناس ! ! وعندئذ ابتسمت لنفسى ، أعنى أننى ابتسمت ابتسامة أحسها دون أن يراها الناس - وأنا كثير الابتسام لنفسى هذه الأيام - ابتسمت لنفسى لما أدركت أن المصرى الكبير قد فوت الغرض على نفسه وهو لا يدرى ، وإليك البيان :
أراد المصرى الكبير أن يكون كبيرا - مع أنه كبير - فأتخذ لغايته سبيلا يعرفها علم النفس ودارسوه ، ألا وهى اصطناع القوة ليمتاز عن سائر الناس ، ولا شك أن من دواعى القوة أن يسلم عليك الناس فلا تأبه الناس ! وهذا فى ذاته من المصرى الكبير جميل جد جميل ، لأن هذا هو ما أراده الله لعباده ، وليس فى وسع مصرى كبير أو صغير أن يعصى ما أراده الله لعباده ؛ لكن الذى غاب عن المصرى الكبير فلم يدركه ، هو أن القوة المنشودة لها سبيلان : إحداهما حقيقية تؤدى إلى القوة بمعناها الصحيح ، وأما الأخرى فسبيل زائفة تخدعه وتخدع أمثاله ممن لا يتعمقون
الأمور إلى لبابها ؛ وسبيلا القوة هما المقدرة والسيطرة , المقدرة هى السبيل التى لا زيف فيها ولا خداع ، والسيطرة لذاتها هى السبيل المضلة الخادعة ؛ وهى مضلة خادعة ، لأنها تؤدى بسالكها إلى عكس ما أراد لنفسه ، إذ تؤدى به إلى الضعف والعجز ، وإنما أراد لنفسه قوة وسلطانا .
والعجيب فى هاتين السبيلين ، سبيلى القدرة والسيطرة أنهما نقيضان لا يجتمعان ، فإن كنت قويا بسبب قدرتك فيستحيل أن تلجأ إلى بسط سيطرتك على الآخرين ، وإن كنت راغبا فى بسط سيطرتك ، فيستحيل أن تكون قادرا ماهرا ، وقد يبدو هذا الكلام عجيبا ، ولكنه فيما أعتقد كلام صواب ؛ فهل تتصور - مثلا - عالما متبحرا فى علمه متملكا نواصيه ، يعمل فى معمله بغية الوصول إلى نتائج فى العلم جديدة ، هل تتصور مثل هذا العالم راغبا فى بسط نفوذه على الناس ؟ لا اظن ذلك ، لأنه ليس بحاجة إلى مثل ذلك ، فهو يتجه بأمله ومجهوده نحو
الطبيعة يريد أن يملك زمامها ، لا نحو عباد الله يبتغى إذلال رقابهم ؛ هو لا يريد بغيا ولا طغيانا ، لانه قادر ماهر ، مكتف بنفسه ، والعكس صحيح ، أى أن الإنسان إذا ما شعر بخواء نفسه وعجزها وهى وحدها ، التمس القوة عن طريق الآخرين ، فبطش وتعسف .
الطاغية فى صميم طبيعته عبد يذل للقوة حيث يراها ، كما أنه يبطش بالضعف أينما رآه ؛ الضعف عند الإنسان القوى القادر يستثير العطف والإشفاق ، أما الضعف عند الذى صاغه الله طاغية بطبعه ، فيغرى بالاعتداء ، وكلما ازدادت الفريسة ضعفا ، ازداد الطاعية بطشا وعسفا وطغيانا ، والعبودية والطغيان وجهان لشئ واحد .
والرأى عندى هو أننا عبيد لأننا طغاة ، وطغاة لأننا عبيد . وأما الإنسان الحر القادر المكتفى بنفسه فى عزة وكبرباء ، فلا هو يطغى بالضعيف ، ولا هو يعدو بوجهه ذلا لطاغية .
