الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 144الرجوع إلى "الرسالة"

أخي الأستاذ الزيات

Share

لا أقدر أن أعلل المصادفة التي جعلتني أكتب قبيل شهر  هذه المقطوعة (الاتصال): (لم تخلق الحياة جزءا يستطيع أن يعيش متصلا، حتى الأموات الذين أتموا دوراتهم يبقى اتصالهم بأرواحنا، والأحياء أنفسهم هل يستطيعون أن يعيشوا بغير أموات؟ هم في يقظاتهم يمشون وراء خواطرهم وأفكارهم وهم في أحلامهم يعيشون في جزائرهم النائية. . .)

ثم قدمت لي المصادفة كتاب   (المرملة)  لماترلنك، فلمست  بدهشة وتأثير   (صوفيته العميقة)  وإحساسه بالموتى الذين لا يموتون (لنكن مطمئنين فالموت لا يحفظ لنا شيئاً أكثر تجهماً  من الحياة، وما الموت إلا حياة لا ينفذ إليها نصب ولا حزن  ولا شقاء! حيثما يقيم فالريح مقيم ولا شيء يضيع)

(لا نصلِّ من أجل الموتى! ولكن لنأتهم مبتهلين فان  ما يملكونه لتقديمه إلينا أكثر مما نملكه لتقديمه إليهم) ثم جاءت كلامة الأستاذ أحمد أمين تحمل إليك التعزية في  الرجاء الذاهب والكوكب الغارب!

يقول بوذا:   (لا تقيد نفسك بالمحسوسات، فالتقيد بها  يشقيك. . . عش متجردا من كل حب محسوس وعلاقة  محسوسة)  وقد أجد في هذه الكلمة كل الشفاء لو تستقر في  النفس. ولكن النفس التي تؤلف كل هذا المحسوس وترتبط به في  كل لحظة وتعيش معه في كل مكان، كيف ينزع منها ولا تجد  لنزعه مرارة؟ وكيف لا تحس به النفس وهي تغذيه كل يوم  بدموع!

جميل أن أعيش بعيداً عن المحسوس، وأجمل منه هذا العقل  الذي يغرس في قلبي هذا الإيمان المجرد؛ وهل أستطيع أن أبلغ  الإيمان المجرد إلا بعد أن تجردني الحادثات وتنثر أوراقي كالشجرة

التي لا تلمس نفسها وتحس وجودها إلا بعد أن تتجرد من أوراقها وأزهارها. ولا يأتي التجرد من غير ثمن!

ثمن هذا التجرد شقاء نتحمله، وألوان من العذاب نتذوقها،  وقطع من أكبادنا تمشي على الأرض إلى الأرض!

لا أستطيع أن أقول لك:   (تعز يا أخي بالتجرد!)  وهذا  التجرد نفسه يحتاج إلى تعزية. ولا أن أقول:   (انفض يديك من  الصغير المفقود)  فانه جر إلى التراب قطعة من كبدك معه.  ولكن دع هذه القطعة فيها حركة وفيها حياة. . . تحيا تحت  التراب كما تحيا فوقه. . . ومتى رأيت أن الحياة تعمل هناك كما  تعمل هنا، وأبصرت أن الحياة التي تتمشى في جذور الأرض هي  التي تتمشى في مطالع أزهارها. كان لك من هذا عزاء، لأنك  تأمن على هذه القطعة التي سلخت منك. وفي الذكرى المتصلة  حياة، وفي الرجاء المتصل الذي لا ينقطع ألف حياة.

حول راثي الأندلس المجهول

يرجع الفضل في العودة إلى إثارة البحث عن صاحب  القصيدة التي نشرها، للمرة الأولى، الدكتور صوالح محمد بالجزائر سنة ١٩١٩، إلى صديقي السيد عبد الرحمن حجي، مدرس اللغة  العربية بمدرسة أبناء الأعيان بسلا. واتخذ ميدانه (الرسالة)    (عدد ١٣١ - ٦١٣٦)  وطلب من المشتغلين بالأدب الأندلسي  أن يعلنوا عن صاحبها إذا عرفوه، فلم يجيبه أحد سوى السيد  محمد عبد الله عنان الذي حاول في مقالة نشرتها له   (الرسالة)   أيضاً عدد   (١٣٣ - ٢٠١٣٦)  تحقيق فترة الدهر التي  يرجع إليها قرض القصيدة تسهيلا في البحث عن صاحبها وعصره.  وقال السيد حجي إنه عرض القصيدة على المؤرخ المغربي السيد  محمد بن على الدكالي السلوي فذكر له أن صاحبها كما يفهم من  القصيدة من المرية، ولعله أبو جعفر بن خاتمة، وقد تكون مذكورة

في كتابه     (مزية المرية)   الذي في دير الأسكوربال نسخة منه.  وقال السيد حجي أيضا إن الدكتور صوالح قال في كتابه إن  هذه القصيدة من جملة القصائد التي بعثها مسلمو الأندلس يستغيثون  بها السلطان العثماني بايزيد الثاني. ولم نعثر نحن على هذا القول في الكتاب المذكور

أما نسبتها إلى أبي جعفر أحمد بن خاتمة فهو غلط تاريخي،  فقد مات هذا في اليوم السابع من شهر شعبان سنة ٧٧٠  (فهرست أبي عبد الحضرامي السبتي، التي ألفها له الخطيب بن  مرزوق   (النفح، ج٣، ص٢٤٤، ط القاهرة)

وابن خاتمة من معاصري لسان الدين بن الخطيب المشهورين  وله معه مكاتبات. وله أيضا في الوزير قصائد   (النفح، ج٣،  ص٤٣٣ ط القاهرة) . ومن جهة أخرى، فقد ترجم الوزير في  الإحاطة لابن خاتمة وعَدّه من أصدقائه   (الإحاطة، ج١، ص ١٧٤، ط القاهرة ١٣١٩)

فليست القصيدة إذاً لابن خاتمة الذي مات، على الأقل،  منذ ٨٠ سنة قبل الفترة التاريخية التي قيلت فيها والمُستَنْتجَة  منها، كما لا يمكن أن تجيء في كتابه     (مزية المرية) وجاء البيت ٧٧ من القصيدة هكذا: ترى في الأسى أعلامَها وهي خُشَّع

ومِنْبرها مُستَعِبرٌ وسَريرُها سقطت   (في)  من صدره في الأصل وفي   (الرسالة) ، إلا  أن ناشر الأصل نَبّه عن ذلك في آخر الكتاب في جدول  التصحيح. ولعل صديقي حجي أغفل النظر إلى الجدول حول ذخيرة ابن بسام أيضا

واهتيل الكتابة إلى     (الرسالة)   التي مضى لها الكلام حول  ذخيرة ابن بسام   (عدد ١١٥)  لأزيد أن النسختين المعروفتين  اليوم بالمغرب الأقصى من هذا التأليف هما: ١ -  نسخة ينقصها الجزء الرابع في خزانة السيد عباس بن  إبراهيم، أحد قضاة مدينة مراكش الحاليين ٢ -  نسخة أخرى ينقصها الجزء الرابع أيضا، كانت  لأوقاف مدينة تطوان بمنطقة النفوذ الأسباني بالمغرب، ولكن  شخصا توصل إلى اقتنائها وحملها إلى الرباط بمنطقة النفوذ الفرنسي.

وقد اقتنتها منه الحكومة المغربية لخزانة الرباط العمومية. وقد  دخلتها فعلا، وقيدت برقم   (١٣٢٤)  بدفتر المخطوطات العربية  الثاني. ولم يقتنها السيد ليفي بروفنسال لنفسه كما شاع ذلك  بالمغرب. وقد استعارها أخيراً السيد ليفي بروفانسال الأستاذ  بجامعة الجزائر بواسطة خزانة مدينة الجزائر الأهلية. ولعله  لينشرها أو ليقارنها بأخرى. ومما لاشك فيه أن بخزائن المغرب  نسخا أخرى لا تزال مجهولة

عبرات حرار

ولتسمح لي     (الرسالة)   مرة أخرى، لأنتهز هذه الفرصة  أيضاً لأوجه هذا السؤال إلى السيد عبد القادر المغربي رئيس  المجمع العربي بدمشق سابقاً سيدي: قلتَ في   (مجلة مجمع اللغة العربية الملكي)    (عدد ١  صفحة ٣٣٨) :

(إن العرب إن لم يصفوا الدّموع بلفظ الحَرَارة فانهم  وصفوها بمرادف الحرارة، أعني   (السخونة والإحراق) . . . (والفرق بين العربي والإفرنجي: أن الأولين ينسبون  السُّخونة إلى عين نفسها، والإفرنج ينسبون الحرارة إلى دموعها فما رأيك يا سيدي في قول الخنساء: مَنْ كان يوماً باكِياً سَيّداً ... فليبكه بالعَبرَات الحرار

(سلا - المغرب الأقصى)

اشترك في نشرتنا البريدية