لن أثني مثنياً، وما بي ونى عن وفاء، أو فترة في أيفاء، أو مرود عن جزاء. لكنا أخشى الرائبة تريب أمرينا وتعدو طورها فتهرف بأنا عقدناه حواراً نستنظف به المديح.
وعذيري أنت إن أخضتك غير مخاضناً، فنفثت إليك شكاتي من أصاحيب رغبوا من كثر اللغة إلى قلها، ورضوا بنزرها دون وفرها. فما في غير المعروف المعدود مقنعهم، ولا دون ما انضمت عليه الجعبة منشود هم. ولو في حبلهم حطبنا، ومن قوسهم
نزعنا لركمنا إلى الموات مواتاً، ونفضنا اليدين من ألفاظ ما ولدت إلا لتعيش، وما هي بالمتنافرة فتنبذ، ولا بالمخشوشنة فتلفظ. وما أحشد العامة لما احشد له الخاصة، ولكل مقام مقال. وبعد، فالشوط بطين، احسبنا عند المدى أو دونه بقليل فلنختم الحديث هنا، لنبدأه بعد في غير حلبة النفس.
وأراك تذكر الحكيم الترمذي ولا تنظر إلى قول ابن العربي "اختلفوا في النفس والروح، فقيل هما شيء واحد وقيل هما متقاربان. وقد يعبر عن النفس بالروح وبالعكس، وهو الحق" .
ونسيبه قول من عزب عن بالي ربه "النفس جوهر بخاري لطيف يحمل قوة الحياة والحس والحركة الإرادية، وتسمى بالروح الحيوانية" . وغير هذين فقولي في "التنفيس" رد للفرع إلى أصله المشتق منه، ويبهرك مسوق ابن فارس "شيء نفيس، أراد أنه ذو نفس بالتحريك" . وتظنك مفسداً عليه مقيسه بخشاش الأرض وأصلاله. وفاتك أن الحي ذا النفس نفيس، إن قيس بفاقده. ذاك أصله. واذكر علته "أراد أنه ذو نفس".
ويحضرني هنا لابن جنى في الاشتقاق الأكبر قوله "هو أن تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثة، أي الثلاثي والرباعي والخماسي، فتعقد عليه. وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه وإن تباعد شيء من ذلك رد بلطف الصنعة والتأويل إليه"
وإن شئت على ذلك مثلاً أو مثلين فخذ "ك ل م" و "ق ول" في تقليبهما الستة. فتجد تقليب أولاهما على القوة والشدة، وتقليب ثانيتهما على الإسراع والخفة. "والنفث" يا سائلي أصل صحيح يدل على خروج شيء من فم أو غيره. فبينه وبين "النفس" جامعة الخروج. وأحدهما أعم والآخر أخص. "والنفش" مرده كما قلت إلى التفرقة والانتشار. أو ليس انفصال شيء عن شيء وخروجه عنه انتشاراً وتفرقاً؟
وتصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني غور من العربية لا ينتصف منه. من ذاك "ج ب ل" و "ج ب ن" و "ج ب ر" فجميعها من الالتئام والتماسك. فالجبل لشدته وقوته، والجبان لأنه يستمسك ويتوقف ويتجمع، والجبر في العظم وغيره لتقويته. وأصول الثلاثي: حرف يبتدأ به، وحرف يحشى به، وحرف
يوقف عليه. ومعنانا الذي ندور حوله هنا كما تقول محاكاة صوت وحرفه السين أو ما تنقلب إليه والفاء حشو، والنون ابتداء. وبعد ألم أحدثك حديثي عن طول نفس الأديب، ألم أسق إليك ما وصى به أبو سفيان ابنه شاهداً.
وطيبه، ألم اسق إليك فيه علته، وان النفس مشموم بما يصدر عنه. وهو من الأديب نتاجه، وأنت حين تشم أنفاس العطور فتراح لأشد نشوة حين تسمع إلى قول الشاعر:
العذل والتفنيد غير صواب ... مع أربع أصبحن من أصحابي
نفس الربيع وصبوة عذرية ... ومدامة تجلي وشرخ شباب

