الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 282الرجوع إلى "الثقافة"

أدباء الأمم العربية، ودعوتهم إلى عقد مؤتمر عربي

Share

منذ أكثر من عشر سنوات والدعوة إلي عقد مؤتمر لأدباء الأمم العربية ، أمنية تراود مخيلة الكثيرين من ادباء ومثقفي الأقطار العربية ، منوهين بواسطة الصحافة والإذاعة والمحاضرات والاجتماعات بضرورة عقد هذا المؤتمر ، ليساعد على معرفة اعلام الأدب والشعر والبيان في الاقطار العربية بعضهم مع الآخرين ، فيوحدوا جهودهم الأدبية . ويرفعوا من شأن الفكر العربي ليأخذ مكانته بين اداب الأمم الأخري .

وقد ارتفع أول صوت بالدعوة لعقد مثل هذا المؤتمر من تونس ، وذلك في عام ١٩٣٤ حيث قام ادباؤها بالتمهيد لهذا المؤتمر ، فأذاعوا مختلف النشرات ، وأرسلوا المنهج التحضيري لصحافة البلاد العربية وقادة الفكر فيها ، وكتبت الصحافة العربية حينذاك منوهة بضرورة إجابة هذه الدعوة والسعي لنجاح هذا المؤتمر ، وحثت ادباء العربية علي لزوم مساعدة الساعين لعقده ؛ ولكن مرت شهور ما لبثت بعدها هذه الدعوة ان خابت لعدم تلبية الأدباء لها .

ثم مات شوقي واجتمع لتأبينه في القاهرة أعلام الشعر والأدب ، وفكر بعض الادباء في ضرورة عقد مؤتمر ادبي يجمع ادباء الأمم العربية سنويا في إحدي عواصم البلاد العربية ؛ واذيع في وقته ان لجنة تحضيرية قد تشكلت لدرس هذا الموضوع الذي وافق الإجماع من الأدباء ، ولكن ما لبث أن عاد هؤلاء الأدباء والشعراء كل إلي بلده ، وماتت الفكرة في القاهرة.

وبعدها ارتفع صوت من لبنان وأحزر انه صوت الأستاذ ) إبراهيم سليم النجار ( صاحب جريدة الديار البيروتية ، والباحث

المؤرخ في الشؤون العربية ، فنادي بإحدي المناسبات بعقد مثل هذا المؤتمر الادبي ، الذي ستكون فائدة اللغة والأدب منه جليلة ، علاوة على الدوي والسمعة التي يكتسبها ادباء العرب من اجتماعهم ، وتبادلهم شؤون الفكر وما جد من التيارات الأدبية في العالم وسيكون من شأن هذا المؤتمر توجيه الأدباء نحو السبل المؤدية إلي خدمة الأدب العربي ، ناهيك عن إزالته بعض الضغائن الموجودة بين الأدباء ، ولكن هذا الصوت أيضا ذهب مع الريح .

وبمناسبة الاحتفال بالشاعر العربي أبي العلاء المعري لمرور ألف عام على مولده ، واهتمام كافة البلاد العربية بتمجيد هذه الذكري لشاعر ملأ الدنيا دويا ، ارتفع صوت من مصر على صفحات مجلة " الثقافة " ينوء بكثرة المؤتمرات العربية التي تعقد الآن في عواصم البلاد العربية ، وتزاور رجال السياسة العرب واجتماعاتهم ويقول :

" أليس عجيبا أن تعقد هذه المؤتمرات كلها ويجتمع الساسة بعضهم مع بعض ويتزاورون ، ولا يفكر أهل الأدب في مؤتمر لهم يجمع أدباء مصر إلي ادباء الشام والعراق والجزيرة وبلاد المغرب ، وهم كانوا اولي بالسبق . .

ثم تمني الكاتب أن يكون المؤتمر الذي يعد له الآن في سوريا احتفاء بذكري أبى العلاء ، والذي سيشترك فيه أعلام أدباء وشعراء البلاد العربية نواة لمؤتمرات عربية يجتمع فيها أدباء الأمم العربية كل عام ، في القاهرة أو غيرها من عواصم الشرق العربي .

هذا ما كتبه الأستاذ الأديب ) قطب ( في الثقافة ؛ وطالعت بعد اسبوع مقالا للأديب السوري المعروف الاستاذ صلاح الدين المنجد في مجلة ) العالمان (ألحف فيه بضرورة عقد مثل هذا المؤتمر الأدبى ، مؤكدا أن الاتحاد الروحي لابد ان يتم قبل الاتحاد السياسي ، وهو يعتقد ان هذا المؤتمر إذا لم ينتج عنه إلا انه يرفع الهجر بين الأدباء ، ويزيد في التآلف والصفاء ، ويقوي العطف والمودة ، ويوحد

الهوي ، فهو يكفي.

والحقيفة ان ما دعت إليه مجلة الثقافة وما كتبه باقي الأدباء جدير بالتفكير وإنعام النظر ، حيث إن الدعوة إلي عقد مؤتمر لأدباء العرب من اهم ما يتطلبه الوضع الحاضر في البلاد العربية ، التي تريد ان تجمع كيانها السياسي في اتحاد عربي يضاعف من قوتها ، ويساعد علي نموها في كافة شؤون الحياة.

إن حاضر البلاد العربية الآن يتمخض عن امور جسام ، ويجتاز مرحلة دقيقة من تاريخها الحافل بمختلف التيارات ، لذا يجب توجيه هذه الشعوب منذ الآن نحو الأهداف الكافلة لتوطيد كيانها ومعرفتها وثقافتها ، وجميع ما يتطلبه وضعها من تهذيب وإصلاح.

وليس بإمكان ساسة هذه الشعوب القيام بكل هذه الأمور ، بل ليس بإمكانهم عمل أي شئ علي الإطلاق إذا لم يتعاون معهم رجال الأدب في هذه البلاد ، فيقوموا بتهيئة الرأي العام وإرشاده إلي الطريق التي يسلكها ، وتنمية مداركه والسير به في طريق الكمال والنضوج . ولا يتم هذا إذا كان ادباء الامم العربية متباعدين ومتفرقين ومتخاصمين ، لأن أصواتهم حينذاك لا يتردد صداها وفق ما نريده لوثبة الامة العربية وخلق الوعي فيها ، وإصلاحها السياسي والثقافي ، بل يجب عليهم ان يتعارفوا ويجتمعوا ويتحابوا لكي يكون هناك اتفاق عام حول الإصلاح المنشود.

وهذه هي الغاية من السعي في سبيل عقد ) مؤتمر لأدباء الأمم العربية ( ، يجتمع فيه ادباء العرب من مصر ولبنان والعراق وسوريا وفلسطين والجزيرة العربية وبلاد المغرب ، فيتعارفون ويتآلفون ويتباحثون في مشكلات بلادهم ، وتوجيه الجماهير العربية نحو الهدف الذي يكفل سعادتها وهناءها ، وينير لها المستقبل على ضوء هدى هؤلاء ، الأدباء وقادة الفكر .

فالاتحاد العربي الذي تتهيأ البلاد العربية لدخوله بعد

مشاوراته في القاهرة ، لم يكن سوى فكرة أدبية مهد لها الأدباء والكتاب بأقلامهم وبحوثهم منذ سنوات حتى تهيأ الرأي العام العربي له ، ونضج في اذهان ساسته ، فكانت النتيجة أن توصلت الأمم العربية إلي أولي درجات الوثبة العربية.

ثم هناك مشاكل في الأدب والنقد والتأليف في البلاد العربية ، سيكون من شأن هذا المؤتمر تنظيمها وتوجيهها وفق السبل التي يراها كفيلة بنهضة الأدب العربي ليجاري آداب الأمم الكبرى في مادته وعمقه.

ويقيني ان مؤتمرا لادباء الأمم العربية إذا تم عقده ستكون نتائجه أعظم بكثير من عشرات المؤتمرات التي عقدت ولا تزال معقودة في مختلف عواصم البلاد العربية ، وليس هناك أي محذور يمنع عقد هذا المؤتمر إذا رغب الأدباء في ذلك . ولكن يجب أيضا على الحكومات العربية ان تشمل مثل هذه المؤتمرات الادبية التي تعقد في بلادها برعايتها ، وتهيئ لها اسبابها المادية والمعنوية ، لكى تضمن نجاحها وفائدتها للاصلاح الاجتماعي واللغة والأدب .

أما عن أعمال المؤتمر ، والمجلة التي يصدرها ، والمشروعات التي يقوم بها ، والتوجيه الذي يسير عليه ، فهذا من شأن أعضائه وما سيقررونه . وإنما الذي يهمنا الا تذهب مثل هذه الدعوات سدي ، بل يجب على اعلام الأدب العربي ان ان يفكروا سريعا في عقد مثل هذا المؤتمر الذي ستكون نتائجه عظيمة للأمة العربية ولثقافتها وأدبها.

) بغداد (

اشترك في نشرتنا البريدية