عرفت حسـينا مذ كنا نطلب العلم فى الدرسة الخديوية ، وتصدر معا مجلتها فى عامها الأول ، وعرفته تلميذا محببا إلى المرحوم محمود مراد فى جمعية التمثيل والموسيقي ، تلك البيئة التى كانت أول مدرسة نمت فيها مواهبه . ثم عرفته محاميا فأدبيا ، عرفته فى جميع مراحل حياته ، حلوها ومرها ، فكان دائما الشاعر الذى ينظر إلى الدنيا كأغنية مثالية ، يوقع ألحانها على أوتار قلبه ، فتخرج بهيجة تارة وحزينة أخرى ، ولكنها تخرج منغومة . وهكذا يتحول كل شئ فى قلب عفيف إلى نغم . فهو يحب أحزانه ، ويدنيها إلى قلبه ، ويبالغ فى الترنم بها ، ويقول فى هذا : " مزيج من الحزن والفرح الحياة ، فلتكن مزيجا من الدموع والابتسام حياتنا . وأنت ياعين انطلقى فى إثر الجمال ، بسناء اكتحلى وبأساء ادمعى . " . كما يقول فى موضع آخر : " ما وفى لماضيه من ضن عليه بالألم ، ولا ير بذكرياته من لم يسترخص فى سبيلها الدموع " .
ولعل معرفتى لحسين هى السبب فى تأخرى عن الكتابة عنه ، لأنى خشيت أن يقال لقد قرظ الصديق صديقه . غير أنى عدت فتساءلت : الأ يمكن للصديق أن يكتب عن صديقه دون ميل ؟ بل إننى ذهبت فى التساؤل إلى أبعد من هذا ، فقلت : منذا أولى من الصديق بالكتابة عن صديقه ، والصداقة من مقومات فهم الكاتب فهما صحيحا ؟ وعندئذ عزمت على أن أ كتب ، وحفزنى أن أحدا من الأدباء لم يقم بهذا الواجب نحو أدبه الذى يتهافت الآن عليه القراء .
لقد استطاع عفيف أن ( يفنن ) الأدب - إن جاز هذا التعبير ، ويخرج لنا فى نثره كلاما موزونا ملحنا تلحينا موسيقيا ، ويرسم لنا صورا تكاد ترى فيها الألوان ناطقة ، والعواطف متلاحمة ، هادئة حينا وثائرة آخر .
وإنك لتحس وأنت تقرأ كتبه أن روحا ملهمة تهبط عليك وتتمشى فى جوانب نفسك ، وتشع فيها الكثير من معانى الحياة التى يريد حسين أن يصورها لك . فهذه الظلال التى تسبق معانيه . وهذه الأنغام التى تنبعث من أسلوبه ، هى ومضات من روح هذا الشاعر يعكسها فى رفق على نفسك حين تقرأ كتابا من كتبه ، وهى كثيرة . " فمناجاة " و" الأغنية " و" الزنبقة " و" البلبل " و " سهير " و" وحيد " و" العبير " ،
كل هذه أسماء كتبه التى ساق فيها الكثير من الصور النفسية ، وأضفى عليها من الفن الجميل ما جعلها تبدو كانها تماثيل شاخصة فى متحف للجمال . فكتب عفيف هى متاحف مثالية للفن والأدب يشخص لنا فيها المعانى والأحاسيس المختلفة ، بعد أن يغرقها فى حشد من الألوان والأنغام .
وإن رسالته فى الأدب ، لهى رسالة الشاعر العالمى الذى حمل قيثارته منشدأ عواطف البشرية وآلامها ، مستلهما غرائز الحياة وطبائع الأشياء ، متخذا الدنيا وطنا له ، ناظرا إلى المدنية كميراث للجميع . وهو لهذا يرى فى نفسه صورة عالية تصور المحبة والأخاء أحيانا ، وتصور الأضداد أخرى ، لكنها فى الحالتين لا تنشد إلا الحق والجمال .
وأظهر ما أدب عفيف حبه للجمال . فهو موكول به يتبعه كما تبعه " عمر بن أبى ربيعة " و " بيرون " و " موسيه " من قبل ؛ وفى ذلك يقول : " فى فؤادى متسع من الحب على قدر ما فى هذه الحياة من حسان " . ولكنه كمجنون ليلى ، هام به فى أفق سماوى ، كما يدل على ذلك قوله : " أواه يا حبيبتى ؛ إنك لتأتين إلى فى
ركاب كل شئ جميل . فى السنا ، فى الشذا ، فى النغم الحنون أحس دبيبك " . فالمرأة بجمالها وغدرها ، ودلها ونفورها ، وسلطانها واستسلامها ، عنصر حى فى أدب عفيف .
وهو يمعن فى الطهر فيقول : " أنا وأنت إلفان ، ما نفرد إلا معا . أنا وأنت غصنان ، إن ملنا فلنعتنق .
إن دنا منا فمان فلكى ينطبقا . أو رنا لحظان فلكى يلتقيا . لا نمنى غيرنا . لا نخون حبنا . إنا فى هوانا لانشرك . إنا لا نعدد آلهتنا ، وما ينبغى . ما لنا والقبل الحرام ؟ تلك خمر لا نكهة فيها . حسبنا أكؤسنا .
وكفانا ما نشرب . إننا لم نأت على الكأس لنطمع فى غيرها ، ولن نأتى عليها ولو عشنا مخلدين " .
ولكنه بعد هذا الاستقرار ما يلبث أن يعود إلى حيرته فيقول : " بفؤادى على كثرة من عرفت من الغيد ظمأ . فيا ويحك يا من ضيعت عمرك فى العشق وما اهتديت لمحبوبك : " . ثم يقول فى موضع آخر : " فيا من أتيت الدنيا لأشدو بأنفاسك ، لقد حانت ساعة الرحيل ولما أقض الوطر . ويا أيتها الأنغام الشجية ! يا أشجى من كل ما غنيت ، ارقدى معى بسلام ، فلقد قدر عليك ألا تخرجى للوجود ، وأن تظلى سجينة قلبى إلى الأبد " .
ويتخيل أنه اهتدى لحبيبته المثالية فى ختام حياته ، فيخاطبها فى لوعة قائلا : " حتى إذا ما وصلت وشمسى تنحدر للمغيب ، وقد تهلهت ثيابى وتخضبت قدماى بالجراح من طول السفر ، ألقيت بنفسى فوق صدرك الحنون ، وسألتك ان تدعينى أطفئ على فمك ظمأ العمر بقبلة واحدة ، أودعها ما تبقى من رمق ، ثم أسلم بين يديك أنفاسى وأموت " .
هذا الخيال المتجرد ، وهذه الحيرة ، تسمو أبدا بأسلوب عفيف إلى التصوف فى كثير مما كتب . ومن أبرز أمثلة تصوفه قوله " إيه يا نابى المبحوح ؛ إن بحتك لتنبع من جرح عميق انبثق مع فجر الخليقة ، جرح الألم من فراقها للروح السرمد . ما أنا إلا متمم على فمك ،
نفخ الأغانى التى شدا بها جدودنا الأولون ، والتى سينمها أحفادنا من بعد . "
وهو منذ كنا بالمدرسة ، نقرأ " الخيام " و" تاجور " لم يكن إلا مالكا هذا القلب المتجرد الذى ينحو به نحو المثل العليا من التصوف والسمو بمقومات شبابه أن تتدنى إلى الاستهتار والامتزاج بالحياة على أنها متعة وعبث ليس غير .
وهو منذ صباه يعشق آلامه ويرى فيها النار المقدسة التى تصهر نفسه وتذكى قلبه وتخرج جواهره نقية .
فتراه يقول : " أنت يا قلبى يا بلبلى الغريد ، أنت سواء أفى ظلال الأيك حلقت أم على ظلل حططت ، أنت سواء أعلى شفاه الورد غنيت أم نحت وحدك - شهد الله ما ترسل الأنغام إلا شجية " .
وهو كثير الاعتزاز برسالته . انظره حين تستيقظ فى وجدانه سورة الشاعر فيستنهض نفسه ويقول : " حان وقت الغناء فهيا ، أيها الشاعر وانفض وسنك . هيا ويمم مع الصباح صوب المروج ، وعصا سحرك فى يسراك وفى يمينك نابك " .
وانظره حين يصف الشاعر فى شخصه فيقول : " أنا إن تناولت اليراعة ناديت قلبى . أنا أسكب قيما أدبج روحى . من تهاويل الجمال نضدت شعرى ، ومن أهواله بالشجى أترعته . أنا من إن شدا انتشت القلوب ، ومن إن بكى أذاب المهج . أنا خفقة كل قلب ، أنا دمعة كل عين ، أنا عاشق ، أنا شاعر ، إما حللت فثم غرام ، وإما ارتحلت فثم ضنى ، وفى كل روض لى زهرة ، وكل غدير لى فيه دمعة " .
وإنه ليصور لك الوفاء أبدع تصوير حين جاءته الدنيا تراوده عن أن ينسى أحزانه فأجابها : " إنى أعرف كيف تتحايلين على سرقة نفائسنا . إنك تأتيننا وفى يدك تلك الغادة التى خلفتها الآن ببابى . ولكننى سأفر من وجه حسنائك تلك . سأسكن صومعة بالحبل ، وعندئذ آمن مكر شيطانتك . لأن الشياطين ترهب صوامع النساك ، ولاتطأ الأمكنة المقدسة . وهنالك فى ذلك المعبد المنعزل ، حيث
لا أصنام إلا أحزانى ، سأكرس أيامى لتلك الالهة " . والمثل كثير على أن عفيفا حين يكتب يستقطع من نفسه وكأنه يعصر روحه عصرا . ومن مميزات أدبه أنه ذو لون جديد ونكهة خاصة ينفرد بها . وأكاد أرى " تاجور" شاعر الهند العظيم فى حسين عفيف ، فشعره المنثور يحتاج فى تلاوته إلى ترتيل ومعرفة بمفاتيح النغم وأسراره . وإنى لأشهد أن من حق عفيف على الأدب أن يبحثه الأدباء ويسبروا غور هذه النفس الشاعرة الملهمة التى أخلصت لرسالتها الإخلاص كله ، وشقت طريقها إلى قلوب قرائها بنفسها ، دون أن تستعين بمن يقدمها إليهم ، فأثبتت بذلك إيمانها بقدرتها وصانت كرامتها عن الزلقى . وأدت رسالتها أداء كريما .

