الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 199 الرجوع إلى "الثقافة"

أدباؤنا فى الحرب

Share

لم تكد هذه الحرب الطاغية تجتاج العالم بأهوالها وغوائلها حتى انتاب أهل الأدب في كل قطر ذهول وخمول ، ولكنهم سرعان ما استردوا وعيهم وعادوا إلي أقلامهم ودفاترهم ، يودعونـها ثمرات الفكر والقريحة ,

ويعالجون فيها قضايا المجتمع ومشكلاته ، وليس هذا الذهول                                                                  عجباً من حملة الأقلام ، فالحرب التي تصب بلاءها علي الدنيا تصيب الناس جميعاً بالقلق والحرمان ، وتبتليهم بالخوف والنقصان . فإذا أخرجت منها قوي المادة الجهنمية دولة غائمة تبخترت وجرت ذيول المجد علي الأشلاء والدماء ، ورفعت فوق

الأنقاض أقواس النصر ، وعلي الهامات أكاليل النار ، وإن غلبت أمة على أمرها كتب لها الخزي والخسران والعار , فراحت مطوية الحنايا على حقد أسود مستكن لإدراك الثأر ؛ وفي كلا الحالين يؤمر المساكين بصنع الحديد والبارود ، ويكب العلماء الذين قدت قلوبهم من أصلاد الصخور على ابتداع المهالك العاجلة التي تضمن الظفر

والغلاب . ولكن هنالك في بقاع من زوايا الأرض ، وإن تحطمت فيها تيجان وتهدمت بلدان ، يطل صوت الأدب مرفوعاً مهما قرقع الحديد ولعلع البارود ؛ لأنه صوت الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه ، ولأن مواهب الأدب الخيرة النيرة تثمر في الأيام السود  كما تؤتي أكلها في المواسم البيض المشرقة بالبركة والصفاء .

إن الأدب يبقي حياً سخياً ما بقي الفكر مؤمناً برسالته ، ناشداً حياة أرقي من هذه الحياة وأنقي ، وقديماً مرت الآداب الحية والأفكار الحرة بضروب المحن والرزايا ، ولبثت مدى أجيال قابعة في عصور الظلمات ، ودامت محاكم التحقيق أحقابًا جادة في مصادرة الأسفار وحرق المكاتب وتشريد المفكرين ، حتى أشرقت عصور العرب ، وازدهرت

حضارة الإسلام ، فكان النصر والمجد للأدب ولعباقرته الخالدين . فهم الذين أرخوا سجل المحن ، وباركوا عهود الحرية بعد غروب الاستبداد .

وهذه الحرب الغاشمة التي تتطاول علي الناس بجبروتـها لم تستطع أن تكبت خواطر الفن ومشاعر البيان ، فبقي على الرغم منها الأديب الموهوب ، والشاعر الملهم ، والموسيقي المطبوع ، سادرين وراء المثل العليا ، مستيقنين أن الإنسان الجديد بسيارته وطيارته ، بعلومه وحضارته ، هو صنو الإنسان القديم بأظافره وهراوته ، وتكشير أنيابه وعداونه .

على أن إكباب هؤلاء الموهوبين على التأليف والتثقيف وعلى المحاضرة والمناظرة في هذه الحقبة العصيبة لما يخالف الرأي القائل : إن إنشاء الأدب في أيامنا الحاضرة كالأضاحك والتنادر في المناحات و المآتم ، وإن موضوعات الأدب من لغو الكلام وعبثه ، لأننا في عهد نضال عنيف صخاب ، ضاع فيه كل صوت إلا صوت الحديد والنار .

وثمة رأي آخر يزعم أن علي الأديب في زحمة الحرب أن يكتب في أمور لا تمسها من قريب ولا من بعيد ، وألا يعبأ بأحداثها وخطوبـها ، بل عليه أن يتفرد ويتجرد عما يحيط به ، ويتعبد الفن وحده ، وهذا رأي الفئة الغالبة ! وكلا الرأيـين قائلان ، فالأدب ما عاش يوماً منطلق الأجنحة

في عالمه البعيد ، فهو أبداً كطائر قد بسط جناحيه في أجواز القضاء ، وهو مهما دوم وحلق فلا بد له من أن يحط على الأرض . فما من أديب أطلق العنان لآدابه المجردة البعيدة عن واقعه وبيئته ، إلا شعر بالغربة والقطيعة ، وزاده ألماً وهما تجافي القراء عن آثاره ، إذ لا يجدون فيها صدي

لحياتـهم ، ومجلي لميولهم وأعمالهم ، فكيف يسوغ إذن أدب يطوف صاحبه بين النجوم حالماً بالرغادة والسعادة وأمته تردي أو تشقي ؟ وهل يطيب إنشاد شعر صوفي في بـهرة طائفة ممعنة في المادة والإلحاد ؟ بل كيف ينطوي

الأديب على نفسه ويعكف علي وحدته وهو الذي لا يجود ولا يجيد إلا إذا انغمس في الحياة ، وعاش في الناس ولهم ، يـمدونه بحوادثهم وخصائصهم وأشيائـهم ، فيؤدي إليهم رسالة الأدب حافلة بما يغذي عقولهم ويهز مشاعرهم . وقد يقيض للأديب أحيانًا أن يكون بمعزل عن الناس , ولكنه في الأيام الشداد مهما فسد ذوقه ، وتبلد حسه ، فإنه

لا يستطيع أن يتواري وراء أثرته وعزلته ، فيسارع إلي شحذ القلم ومشاركة المهمومين والمحرومين شجونـهم ومواجعهم ، وها إن ديار الغرب وإن ابتليت بشواظ من نار هذه الحرب فان أدباءها ما انفكوا عن الكتابة والإذاعة ، وأكثر حكوماتها ما زالت حريصة على فيض العقول وثروة الأفكار ، بارة بحملة الأقلام لئلا يركنوا للخمود والجمود ،

حتي إنـها في فورة هذه الكارثه توزع على الجند المجاهدين مع الغذاء والكساء أدوات المذياع وأنواع الكتب والمجلات ، وإذا برت الحكومات الرشيدة بالأدباء في الحرب فلأنـها تعلم مفزعها إليهم في السلم ، فهم الذين يخلدون أمجادها ويؤيدون مساعيها إلي نشر الخيرات والطمأنينة وإقامة العدل والثقاف بين الناس . فماذا صنع أدباء العرب في هذه الغمرة الغامرة ؟ أحسبهم في سبات عميق أو في

معزل سحيق ، إلا طائفة منهم ما زالت طويلة الأنفاس وضاءة الأقباس ؛ علي أن أكثر هؤلاء الأدباء دأباً علي التأليف والنشر هم من أعلام المصريـين فطه حسين ، وأحمد أمين ، والزيات ، والعقاد ، وتيمور ، والحكيم ، وغيرهم كتبوا ونشروا في هبة المعامع وهي قريبة منهم ، ولكن

أدبـهم خلا عن صورها وطوابعها ، فلم يتسم إلا بقواقع من ألوانــها ، وحجة بعضهم أنـهم يذيعون اليوم من منتوجهم ومحصولهم ما يبصرون به الناس ويلهونـهم عن أنفسهم لحظات من ليل أونـهار ، لينسوا أو يتناسوا بعض ما يحيط بهم من قلق ومكروه .

وفي لبنان ما ذوت أزاهير الأدب ، ولا غاضت ينابيع الفنون ، حتى إن وطأة هذا الصراع وإن تكن عنا بعيدة فقد أخرجت بعض كتابنا المنطوين على أنفسهم من خلواتـهم الأدبية ، وصومعاتـهم الفكرية ، فنزلوا بين الناس وتغلغلوا فيما يسودهم ويقودهم من أفكار وآراء ، لا ليصوروا

وقائع الحياة وفجائع هذه الفترة ، بل ليؤدوا رسالة الذود عن ثقافة الفكر والروح وكرامة الحياة ، ولينددوا بسيطرة الطغيان والعدوان ، ونعم ما فعلوا ! وهكذا سلك أدبـهم الحاضر طريقاً وسطاً ، فلم يمس الحرب كما يلتمس منهم ، وإنما مسها في أطرافها ، وكشف عن أسبابـها ، ووجه الجيل الطالع وجهة جديدة فيها خير وهدي .

أما أدباء الشام فمحصولهم في هذا العهد قليل ، ومنشورهم أقل ، ولولا ومضات من الكهول ووثبات من أيقاظ الشباب لكان الأدب الشامي في ركود . ولقد يدفع بعض الكتاب الصامتين عن أنفسهم بأشتات المعاذير ، فيعدون

المتسائلين أنـهم سيكتبون عن الحرب بعد أن تضع أوزارها ، وقد فاتـهم أن أعاصير الحرب بزمام الجيوش وقعقعات المدافع ، وأزيز الطائرات ، لا يردها الوهم والخيال , ولا يعيدها التصور للأذهان حين يرفرف السلام وتطمئن القلوب ، وتضمن الحرية والعدالة للأفراد والشعوب .

إن وحي الحرب لا يكون إلا في ظلالها الجامحة اللاهية ، وعلى شهابـها الخاطف وضوئها الشاحب . وأقلام الأدباء والشعراء ينبغي أن تغمس في الدماء المسفوكة لمطامع الجبارين ، كما تغمس في المداد ، فيكتب الكاتبون أدبًا يستمد وعيه وخواطره من خلال الوقائع والأحداث ، ويسجل

الأدباء ما يقع تحت شعورهم من صور الدنيا ، ويجلوا أطوار الحياة في غني الناس وفقرهم وجشعهم وبطرهم ، سواء كانت هذه الحرب قريبة منهم أم بعيدة . ولا تريد أن ننقم من أدبائنا الصامتين أو نتشاءم  من عزلتهم ، فلا بد أن تـهزم الحياة

الراهنة ، فيهبطوا ساحها ويتناولوا بالشعر وبالنثر وصفها وتصويرها في أعمق نواحيها وألصقها بمعايش الناس ومرافقهم . ومهما يكن من الأمر فإن بشائر هذه النهضة الأدبية وبوادر الجيل الصاعد في بلاد العرب تدل علي عهد للأدب جديد وسعيد ، وسيشهد الناس بعد هذه الحرب الشاملة أدبا طريفاً محرراً ، عميق الأغوار ، مترامي الآفاق ، أدباً إنسانياً محضاً ، يجل عن النزعات ويعلو علي الغايات .

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية