لم تكد هذه الحرب الطاغية تجتاج العالم بأهوالها وغوائلها حتى انتاب أهل الأدب في كل قطر ذهول وخمول ، ولكنهم سرعان ما استردوا وعيهم وعادوا إلي أقلامهم ودفاترهم ، يودعونـها ثمرات الفكر والقريحة ,
ويعالجون فيها قضايا المجتمع ومشكلاته ، وليس هذا الذهول عجباً من حملة الأقلام ، فالحرب التي تصب بلاءها علي الدنيا تصيب الناس جميعاً بالقلق والحرمان ، وتبتليهم بالخوف والنقصان . فإذا أخرجت منها قوي المادة الجهنمية دولة غائمة تبخترت وجرت ذيول المجد علي الأشلاء والدماء ، ورفعت فوق
الأنقاض أقواس النصر ، وعلي الهامات أكاليل النار ، وإن غلبت أمة على أمرها كتب لها الخزي والخسران والعار , فراحت مطوية الحنايا على حقد أسود مستكن لإدراك الثأر ؛ وفي كلا الحالين يؤمر المساكين بصنع الحديد والبارود ، ويكب العلماء الذين قدت قلوبهم من أصلاد الصخور على ابتداع المهالك العاجلة التي تضمن الظفر
والغلاب . ولكن هنالك في بقاع من زوايا الأرض ، وإن تحطمت فيها تيجان وتهدمت بلدان ، يطل صوت الأدب مرفوعاً مهما قرقع الحديد ولعلع البارود ؛ لأنه صوت الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه ، ولأن مواهب الأدب الخيرة النيرة تثمر في الأيام السود كما تؤتي أكلها في المواسم البيض المشرقة بالبركة والصفاء .
إن الأدب يبقي حياً سخياً ما بقي الفكر مؤمناً برسالته ، ناشداً حياة أرقي من هذه الحياة وأنقي ، وقديماً مرت الآداب الحية والأفكار الحرة بضروب المحن والرزايا ، ولبثت مدى أجيال قابعة في عصور الظلمات ، ودامت محاكم التحقيق أحقابًا جادة في مصادرة الأسفار وحرق المكاتب وتشريد المفكرين ، حتى أشرقت عصور العرب ، وازدهرت
حضارة الإسلام ، فكان النصر والمجد للأدب ولعباقرته الخالدين . فهم الذين أرخوا سجل المحن ، وباركوا عهود الحرية بعد غروب الاستبداد .
وهذه الحرب الغاشمة التي تتطاول علي الناس بجبروتـها لم تستطع أن تكبت خواطر الفن ومشاعر البيان ، فبقي على الرغم منها الأديب الموهوب ، والشاعر الملهم ، والموسيقي المطبوع ، سادرين وراء المثل العليا ، مستيقنين أن الإنسان الجديد بسيارته وطيارته ، بعلومه وحضارته ، هو صنو الإنسان القديم بأظافره وهراوته ، وتكشير أنيابه وعداونه .
على أن إكباب هؤلاء الموهوبين على التأليف والتثقيف وعلى المحاضرة والمناظرة في هذه الحقبة العصيبة لما يخالف الرأي القائل : إن إنشاء الأدب في أيامنا الحاضرة كالأضاحك والتنادر في المناحات و المآتم ، وإن موضوعات الأدب من لغو الكلام وعبثه ، لأننا في عهد نضال عنيف صخاب ، ضاع فيه كل صوت إلا صوت الحديد والنار .
وثمة رأي آخر يزعم أن علي الأديب في زحمة الحرب أن يكتب في أمور لا تمسها من قريب ولا من بعيد ، وألا يعبأ بأحداثها وخطوبـها ، بل عليه أن يتفرد ويتجرد عما يحيط به ، ويتعبد الفن وحده ، وهذا رأي الفئة الغالبة ! وكلا الرأيـين قائلان ، فالأدب ما عاش يوماً منطلق الأجنحة
في عالمه البعيد ، فهو أبداً كطائر قد بسط جناحيه في أجواز القضاء ، وهو مهما دوم وحلق فلا بد له من أن يحط على الأرض . فما من أديب أطلق العنان لآدابه المجردة البعيدة عن واقعه وبيئته ، إلا شعر بالغربة والقطيعة ، وزاده ألماً وهما تجافي القراء عن آثاره ، إذ لا يجدون فيها صدي
لحياتـهم ، ومجلي لميولهم وأعمالهم ، فكيف يسوغ إذن أدب يطوف صاحبه بين النجوم حالماً بالرغادة والسعادة وأمته تردي أو تشقي ؟ وهل يطيب إنشاد شعر صوفي في بـهرة طائفة ممعنة في المادة والإلحاد ؟ بل كيف ينطوي
الأديب على نفسه ويعكف علي وحدته وهو الذي لا يجود ولا يجيد إلا إذا انغمس في الحياة ، وعاش في الناس ولهم ، يـمدونه بحوادثهم وخصائصهم وأشيائـهم ، فيؤدي إليهم رسالة الأدب حافلة بما يغذي عقولهم ويهز مشاعرهم . وقد يقيض للأديب أحيانًا أن يكون بمعزل عن الناس , ولكنه في الأيام الشداد مهما فسد ذوقه ، وتبلد حسه ، فإنه
لا يستطيع أن يتواري وراء أثرته وعزلته ، فيسارع إلي شحذ القلم ومشاركة المهمومين والمحرومين شجونـهم ومواجعهم ، وها إن ديار الغرب وإن ابتليت بشواظ من نار هذه الحرب فان أدباءها ما انفكوا عن الكتابة والإذاعة ، وأكثر حكوماتها ما زالت حريصة على فيض العقول وثروة الأفكار ، بارة بحملة الأقلام لئلا يركنوا للخمود والجمود ،
حتي إنـها في فورة هذه الكارثه توزع على الجند المجاهدين مع الغذاء والكساء أدوات المذياع وأنواع الكتب والمجلات ، وإذا برت الحكومات الرشيدة بالأدباء في الحرب فلأنـها تعلم مفزعها إليهم في السلم ، فهم الذين يخلدون أمجادها ويؤيدون مساعيها إلي نشر الخيرات والطمأنينة وإقامة العدل والثقاف بين الناس . فماذا صنع أدباء العرب في هذه الغمرة الغامرة ؟ أحسبهم في سبات عميق أو في
معزل سحيق ، إلا طائفة منهم ما زالت طويلة الأنفاس وضاءة الأقباس ؛ علي أن أكثر هؤلاء الأدباء دأباً علي التأليف والنشر هم من أعلام المصريـين فطه حسين ، وأحمد أمين ، والزيات ، والعقاد ، وتيمور ، والحكيم ، وغيرهم كتبوا ونشروا في هبة المعامع وهي قريبة منهم ، ولكن
أدبـهم خلا عن صورها وطوابعها ، فلم يتسم إلا بقواقع من ألوانــها ، وحجة بعضهم أنـهم يذيعون اليوم من منتوجهم ومحصولهم ما يبصرون به الناس ويلهونـهم عن أنفسهم لحظات من ليل أونـهار ، لينسوا أو يتناسوا بعض ما يحيط بهم من قلق ومكروه .
وفي لبنان ما ذوت أزاهير الأدب ، ولا غاضت ينابيع الفنون ، حتى إن وطأة هذا الصراع وإن تكن عنا بعيدة فقد أخرجت بعض كتابنا المنطوين على أنفسهم من خلواتـهم الأدبية ، وصومعاتـهم الفكرية ، فنزلوا بين الناس وتغلغلوا فيما يسودهم ويقودهم من أفكار وآراء ، لا ليصوروا
وقائع الحياة وفجائع هذه الفترة ، بل ليؤدوا رسالة الذود عن ثقافة الفكر والروح وكرامة الحياة ، ولينددوا بسيطرة الطغيان والعدوان ، ونعم ما فعلوا ! وهكذا سلك أدبـهم الحاضر طريقاً وسطاً ، فلم يمس الحرب كما يلتمس منهم ، وإنما مسها في أطرافها ، وكشف عن أسبابـها ، ووجه الجيل الطالع وجهة جديدة فيها خير وهدي .
أما أدباء الشام فمحصولهم في هذا العهد قليل ، ومنشورهم أقل ، ولولا ومضات من الكهول ووثبات من أيقاظ الشباب لكان الأدب الشامي في ركود . ولقد يدفع بعض الكتاب الصامتين عن أنفسهم بأشتات المعاذير ، فيعدون
المتسائلين أنـهم سيكتبون عن الحرب بعد أن تضع أوزارها ، وقد فاتـهم أن أعاصير الحرب بزمام الجيوش وقعقعات المدافع ، وأزيز الطائرات ، لا يردها الوهم والخيال , ولا يعيدها التصور للأذهان حين يرفرف السلام وتطمئن القلوب ، وتضمن الحرية والعدالة للأفراد والشعوب .
إن وحي الحرب لا يكون إلا في ظلالها الجامحة اللاهية ، وعلى شهابـها الخاطف وضوئها الشاحب . وأقلام الأدباء والشعراء ينبغي أن تغمس في الدماء المسفوكة لمطامع الجبارين ، كما تغمس في المداد ، فيكتب الكاتبون أدبًا يستمد وعيه وخواطره من خلال الوقائع والأحداث ، ويسجل
الأدباء ما يقع تحت شعورهم من صور الدنيا ، ويجلوا أطوار الحياة في غني الناس وفقرهم وجشعهم وبطرهم ، سواء كانت هذه الحرب قريبة منهم أم بعيدة . ولا تريد أن ننقم من أدبائنا الصامتين أو نتشاءم من عزلتهم ، فلا بد أن تـهزم الحياة
الراهنة ، فيهبطوا ساحها ويتناولوا بالشعر وبالنثر وصفها وتصويرها في أعمق نواحيها وألصقها بمعايش الناس ومرافقهم . ومهما يكن من الأمر فإن بشائر هذه النهضة الأدبية وبوادر الجيل الصاعد في بلاد العرب تدل علي عهد للأدب جديد وسعيد ، وسيشهد الناس بعد هذه الحرب الشاملة أدبا طريفاً محرراً ، عميق الأغوار ، مترامي الآفاق ، أدباً إنسانياً محضاً ، يجل عن النزعات ويعلو علي الغايات .
( دمشق )
