هذه النافذة - معذرة يا أصدقائى ! نكبة لبنان ! - وحدة العاطفة !
هأنذا أعود .
لقد خيل إلى ذات يوم أننى مستطيع بأن أجد فى الصمت شيئا من راحة النفس وهدوء القلب وسعادة الرضا ، أنا الذى لم يصمت قط منذ نطق ، ولم يتحدث إلى أحد حديثا قط إلا جعل فيه من نقض قلبه وخفقة شعوره ورضا نفسه...
. . وخيل إلي أن هذا القلم الذي صحبني وصحبته عمرا من عمرى ، ابنه من ذات نفسي ويبثنى ، واتحدث إليه وتحدثنى ، وأدله على الأشياء كما هي في رأى العين ليكشف لي عن حقيقتها كما هي تحت المجهر - خيل إلى ان هذا القلم هو سبب ما ألقى من ضيق النفس ومن عناء القلب ومن سخط الحياة ، أليس هو الذي يرينى فى كل موجود ما لا يكاد يرى ، فإذا فى كل جميل قبح ، وفى كل مليح دمامة ، وإذا فى كل ثمرة ناضجة دودة !
بلى ، وما أرى الحياة فى نظر أهل الفن جميعا إلا شيئا مختلفا كل الاختلاف عن هذه الحياة التى نحيا ، إذ كانوا لا ينظرون حين ينظرون إلى الصورة الماثلة أمام أعينهم ، ولكن إلى ماوراءها من معنى دق واستتر ، أو إلى ما وراء أنفسهم من ألوان العواطف وأشتات الأمانى والصور ؛ فلا جرم كان الفن بذلك متعبة ومكذبة ، وكان تزيننا زيد الحقيقة معنى غير ما فيها ، أو تزويرا يضيف إليها ما ليس منها ، أو تشويها يمسخها غير ما هى فى رأى العين ورأى العقل جميعا ؛ ولا جرم كان الفن هو مضاعفة الملذات أو مضاعفة الآلام ، إذ كان هو صورة نفس الفنان بإزاء الحقائق التى يرى فى الطبيعة ، لا صورة الطبيعة نفسها بإزائه...
. وقلت لنفسى : مالى ولهذا الفن الذى لا يطالعنى
بصور الطبيعة فى حقائقها المجردة ، ولكن بالصورة القاتمة من نفسى ، فيذكرنى آلامي كلما حاولت أن أنسى!... وماىي ولهذا القلم ؟ ..
...وأويت إلى الصمت حينا ، فأين منى ما كنت أنشد ؟ أين منى راحة النفس ، وهدوء القلب ، وسعادة الرضا ؟ ...
... وأطبقت على جدرانها الأربعة حتى لا أكاد أجد متنفسا ، ولم تزل أشياء الحياة تطالعنى كما هي فى صورها الماثلة فى رأى العين وكما هى تحت المجهر فى وقت معا ، ولم أزل أرى فى كل موجود ما لا يكاد يرى غيرى من ألوانه ؛ لأن عليه ظلا من آلام النفس المكبوتة؛ ففى كل جميل قبح ، وفي كل مليح دمامة ، وفى كل ثمرة ناضجة دودة ! فماذا أجدى علي هذا الصمت الطويل وإن عينى لترى ، وإن قلبى بين جنبى ليشعر ، وإن فكرى ليتعمق الأشياء إلى ظلامها الدامس حتى ينفذ من وراء كل لذة إلى ما تعقب من حسرة وألم ؟...
... ماذا أجدى على الصمت إلا أن حصرنى وأحزاىي ىي غرفة مظلمة لا أكاد أنفذ فيها إلى بصيص من نور ؟...
...فهأنذا أفتح النافذة ثانية لأتروح روح الحياة...وهأنذا أعود !
وبين يدى الساعة كومة من رسائل الأصدقاء ، أصدقاء لم أرهم ولم يرونى قط ؛ أو لعلى رأيتهم ذات يوم ورأونى ولكني لا أكاد أذكر ، وإني مع ذلك لاحبهم وآنس إليهم وأسعد بحديثهم ؛ وآية ذلك أننى عائد من أجلهم الساعة ، ومن أجلهم فتحت هذه النافذة ، لأتحدث إليهم وأناجيهم وأسمع منهم ، أنا الذى بخلت عليه الحياة بالحب والإيناس والسعادة ، فراح يلتمس ذلك كله من فرجة النافذة !
. . بين يدى الساعة رسائلهم ، وكلهم سائل
يلتمس الجواب ، أو عاتب ينتظر المعذرة ، أو شاك يطمع فى الإنصاف ؛ وأين منى ما يريدون ، أنا الذى تقطعت أسبابه إلى الحياة فليس له من دنياه إلا ما تريه العين من فرجة النافدة ؟...
...ودت لو علم هؤلاء الأصدقاء!... لا ، لست أريد لهم أن يعلموا ، إننى لأوثرهم أشفق عليهم ، وإنى إلى ذلك لأطمع فى معذرتهم وإن لم اعتذر ؟ وماذا تغنيهم معذرتى ؟ فليلتمسوا لى من عند أنفسهم ما يتسع له عفوهم من أسباب المعذرة ويدعونى بنجوة ، أنا الذى فرضت عليه الحياة أن ينوء بمالا يطيق من أعبائها وإن عليه مع ذلك أن يلقى الأحياء كل صباح وعلى شفتيه ابتسامة !
ماذا قلت ؟:
يخيل إلى أننى تناولت القلم حين تناولته لأكتب حديثا غير هذا الحديث ؛ فكيف صاغ لى ؟ وإنما أردتها تحية إلى القراء ، فإذا هى بكاء وشكوى ، واعتذار لا يكاد يفصح عن عذر يشفع !
زارنى منذ أيام صديق فلسطينى أشعر فى قلبى حين رأيته أن بينى وبينه شأنا مما يكون بين الأصدقاء ، وحاولت أن أذكر اسمه وأين لقيته فما وجدته فى بالى ، وإنه لمــــاثل فى نفسى بكل معانيه ، واستحييت أن أسأله فأغضيت ، ومضى يحدثنى حديثه بين العتب والتحية وإننى لصامت ، ومضت فترة ، وحاولات أن أجد إليه معتذرا فلم أجدنى إلا فى لون من هذا الحديث الذى مضى... ...
ونهض صديقى بعد ساعة ، وشد على يدى مبتسما وهو يقول : أعلم هذا الذى ذكرت من أمرك فماذا تعرف أنت عن أمر إخوان لك هناك ؟..وعدت إلى الصمت وأنا أسأل نفسى سؤاله : ماذا أعرف من امر إخوان لى هناك ، في فلسطين ، ولبنان ، ودمشق ، وبغداد ، وفى بلاد أخر لنا فيها عمومة وخثولة وأبناء أب وأم ؟ .
ثم ذكرت لبنان . ليت شعرى ما أذكر فى لبنان
الساعة وليس أدنى إلى؟ . هل أذكرننيه إلا آلامه ، وإلا صرخاته مما يعانى من جراح ؟ وهل كان لبنان قبل اليوم إلا صخرة بين البحر والبادية يحاول المحاولون منذ سنين أن يقيموا سورا بينها وبين بلاد العربية ، حتى كأن قد... ، فما هو إلا أن أحس وخز الشوك ونادى مناديه يطلب الغوث حتى كانت مشكلته مشكلة العروبه ، وهمه هم كل عربى بين السهل والمحيط !
ألا إن الألم هو الآصرة الإنسانية الباقية التى لا تنقطع ، والسبب المتين الذى لا ييلى ، والعروة الوثقى التى لا تنفصم ؛ ولن تجد من شئ فى الحياة يدنى قلبا من قلب ما يدنية الألم ، ولن تجد من شئ يجدد حقيقة الإنسانية إذا وهت أسبابها بين الناس كما تجددها الآلام !
هل كان يعرف لبنان - وكان طائفة من أبنائه يزعمون ما يزعمون - أين مكانه من إخوانه فى سائر بلاد العروبة ، وهل كان يعرف إخوانه ثمة أين هو من حقيقة شعورهم الخافى ؟... فقد عرف الجميع اليوم وآمنوا...
.. عرفوا أن لبنان العربى منهم وأنهم منه ، وآمنوا وآمن لبنان أن الثور الأبيض لن يؤكل - إن يؤكل وحده ... ...؟
فى لبنان اليوم جراح وآلام ، فإن أرضه مخصوبة بالدم ، وإن سماءه لغائمة بغبار المعركة ؛ بلى ، ولكن ذلك كله خير ، لأنه جمع لبنان وبلاد العربية على فكرة ، ووحد العاطفة بين أبناء السهل والجبل ، وأوهى السور المنيع الذى كان يحتجز لبنان فى حيزه بين البحر والبادية ، وأدنى قلوبا من قلوب!... فتكن نتيجة المعركة الناشبة ثمة ما تكون ، ولتبلغ نهايتها ما تبلغ ؛ فلن يكون من وراء ذلك كله إلا الخير ، وإلا وحدة الشعور والعاطفة بين ابناء العربية ، وذلك حسب أبناء العربية !
وتجمعنا على الآلام كما تفرفنا على النعمة ، فهل كانت الآلام إلا الآصرة الباقية حين تنقطع الأواصر بين أبناء الدم ؟
وكذلك حبب إلي أن أتغنى بآلامى، لا أوثر نفسى
بما أشكو وأبكى ، ولكنى أحاول أن أوقظ وجدان أمة!.
...وتداعب أبناء العروبة اليوم فكرة ويحدوهم أمل ؛ فيتابعون ما ينتهى إليهم من أنباء مشاورات الوحدة العربية فى شوق ولهفة ، وكأنى بهم يستبقون السنين عدوا ليعرفوا أين ينتهى بهم حديث الوحدة يوم ينتهى إلي حقيقة ماثلة ..ولا ينتهى هذا الحديث يوما إلى حقيقة ماثلة ؛ فهل عرف أبناء الشعوب العربية ما عليهم من أسباب لتحقيق هذا الأمل البعيد الدانى ؟
سيتحدثون عن التعاون الثقافى ، وعن الوحدة الاقتصادية ، وعن المعاهدات السياسية ، وإنها جميعا لأسباب ، قد عقلها من عقلها من أهل الرأى وأولياء الأمر إليهم ليعملون لها ، ولكنه ثمة سببا أقوى ، ووسيلة أكثر جدوى أدنى أثرا ، هو وحدة العاطفة ؛ ولا سبيل إلى هذه الوحدة إلا أن يتعارف أكبر عدد من أبناء العربية فى مختلف أقطارها وجها لوجه ، وأن يتكاشفوا نفسا لنفس ، بالرحلة والمراسلة ...
كثيرا ما سألت نفسى:لماذا يعرف الشامى فى فلسطين ولبنان وسوريا ؟ والعراقى فى بغداد والوصل وما وراء البحرين ، والعربى فى عمان ونجد وصنعاء- لماذا يعرف كل واحد من هؤلاء ومن غير هؤلاء عن مصر بالقدر الذى يعرفه المصرى عن أحوال جيرانه ؟
وكنت أجد حرجا فى النفس وتهمة فى الظن حين أسأل نفسى هذا السؤال فلا أكاد أجد جوابه أصحيح ما كان يقول بعض إخوان لنا فى بلد ما : إن المصريين لا يكادون يعترفون بما عليهم من حق لإخوابهم فى بلاد العربية كفاء ما يعترف لهم به إخوانهم ثمة من الحق عليهم ، ولا يعنون بتنمية الروابط بينهم وبين جيرانهم الأدنين عناية هؤلاء الجيران بهم . . ؟
ذلك وهم وهمه قائل وأعانه عليه آخرون ، وليس له وجه من الحقيقة ، وإنما ارتحل الشامى والعراقى والعربى إلى مصر فعرفوا المصريين وما عرفهم المصري القاعد فى
ظل الشجرة وإلى جانب مجرى الماء ، وإنما طوفت رسائل المصريين فى الجرئد والمجلات فعرفهم القاصي والدانى من كل قارئ فى العربية ولم تصل إلى مصر رسالة واحدة فى جريدة أو مجلة من دمشق أو بغداد أو بلاد الجزيرة..
ذلك هو السبب وحده ولا سبب غيره ، وستظل الأواصر كما هي بين العربي فى مصر واخيه فى المغرب ودمشق وبغداد وبلاد الجزيرة ما لم يتعارف اكبر عدد من أبناء بلاد العربية فى مصر والغرب والشام وبلاد الجريرة ، وجها لوجه ، ويتكاشفوا نفسا لنفس ، بالرحلة والمراسلة..
وليست الرحلات والمراسلات عملا من أعمال الحكومات ، ولكنها عمل الشعوب والأفراد ، فلتنته هذه المشاورات إلى ما تنتهى ، وتبلغ ما تبلغ ، ولتعقد المواثيق الدولية بين هذه البلاد فى شئون الثقافة والاقتصاد والسياسة ، وقد تظل هذه الوحدة صورة بلا روح . ونصوصا بلا معنى ، ما لم تخط الشعوب خطوتها فى سبيل توحيد العاطفة بالرحلة والمراسلة . . وصورة المرأة الجميلة على الورقة لا تفتن الناظر إليها ما يفتنه الجسم الحى واللحن الناطق والنظرة المعبرة ...
أين من مصر كلها ناد واحد أو هيئة واحدة جعلت من برنامجها ، في الرياضة ، أو الثقافة ، أو الهو والتسلية - تنظيم رحلات دورية بين مصر وجاراتها الشقيقة ؟
أين من مصر كلها ناد واحد أو هيئة واحدة قام برنامجها على توثيق الروابط بالمراسلة بين الطائفة المثقفة فى مصر وأبناء عمومتهم فى الأقطار الشقيقة ؟
ونحن نزعم هنا - حين تتحدث عن وسائل التريبة والتعليم- أن الرحلة نصف العلم ؛ فأين من بلادنا مدرسة واحدة أو معهد واحد جعل فى برنامج رحلاته العلمية رحلة دورية منتظمة بين مصر وعمان ، أو بين مصر ولبنان ، أو بين مصر وبابل ، أو بين مصر والأحقاف من بلاد
[البقية على الصفحة التالية ]الجزيرة ؛ وما يزال كثير من حقائق التاريخ المصرى القريب والبعيد دفين الرمال فى كثير من هذه البلاد ؟..
وحدة العاطفة : هذا ما نقصد إليه وندعو له ، وهو الوسيلة والغاية جميعا ، وهو العروة التى لا تنفصم حين تنفصم المواثيق وتعود المعاهدات رسوما بالية فى قصاصات من ورق ؛ فهل نعمل على توثيق هذه الوحدة قبل ؟

