رسالة الأديب
في العدد ٥٠٨ من مجلة الأثنين : " قررت الحكومة البلغارية تعبئة رجال الأدب والصحافة وجعلت الحد الادني لما يكتبه كل منهم في الشهر عشر مقالات ! " .
وهو خبر طريف من شأنه ان يثير انتباه كثير من أهل الفضول او من اهل البحث والنظر ، وإلا ففيم تقرر حكومة من الحكومات تعبئة رجال الأدب والصحافة . . في أي غرض ؟ ولأي معني ؟ وإلي آية غاية ؟
. وكيف وهي حكومة بلاد تتجاذبها تيارات الحرب من اليمين والشمال ، ويتربص بها القريب والحبيب ، وتتنازعها عوامل الخوف والقلق ؛ فأبناؤها في الداخل شيع . وعدوها على الحدود متربص ، وحليفها الواغل في ارضها يحكم حكم السيد ، ويتصرف تصرف الفاتح المتسلط ، فهي من أعدائها ومن حلفائها بين شقي رحي إن دارت يمينا سحقت ، وإن دارت شمالا حطمت ، وقد وقف كل جندي منها في ثغره شاكي السلاح ، مشحوذ العدة ، قد انقطع من ماضيه ومن غده ، فما له عمر ولا فكر إلا في الساعة التي يعيش . .
بلاد في مثل هذا الحرج المائل تقرر حكومتها " تعبئة " رجال الأدب والصحافة ؟ . أهذا أوانه ؟ - واين مكان رجال الأدب والصحافة من ذلك الهول الهائل ، والفزع الذاهل ، والخطر القريب ؟ . نعم ، هذا أوانه ، وذلك مكانه
وإن رجال الأدب والصحافة ليملكون الوسيلة حين يعجز الجندي الشاكي السلاح ، المشحوذ المعدة . يملكون ان يردوا النفوس الحائرة إلى الهدى ، والاعصاب الفاترة إلي القوة ، والقلوب المريضة إلي سلامة الأمل وحلاوة الرجاء ، وأن يهبوا العزم لمن لا عزم له !
نعم ، ذلك أوان رجال الأدب وهذا مكانهم من ذلك الميدان ، وإن للآديب في مثل هذا المعترك الحرج لاثرا في القلوب انفذ من اثره في رخاء الحياة وسلامة الأمن والدعة ؛ فليت الدين يسرفون ظالمين في ملامة أهل الأدب عندنا علي ما يبذلون من جهد الفني حين تجد الحياة أو تهزل ، يستيقنون هذه الحقيقة ) ليتهم يستيقنون ان الأديب الحق يملك من قلوب الناس ما لا يملك صاحب السلطان ، ومن وسائل الدفاع ما لا يملك حامل السيف . وإنه ليملك بهذين أن يكون لأمته في الشدة عدة وفي الرخاء جاها وثروة
جيش العروبة :
ذكرت ذلك ، وذكرت إلي جانبه تلك المحادثات التي تدور منذ بضعة اشهر بين رجال السياسة في الشرق العربي لتوثيق أواصر الإخاء بين الأمم العربية ؛ ثم سألت نفسى اين مكان أدباء العربية في هذه المحادثات ، وأين رأيهم بين آراء أصحاب السياسة ، وايهم دعته امته لتسمع منه ، أو ندبته ليسمع عنها ؟
وليست الوحدة العربية من حديث السياسة اكثر مما هي من حديث الأدب ، ولقد غفل أهل السياسة زمانا عن ذلك الشأن ولم يغفل أهل الأدب لحظة ؛ ومن حديث أهل الأدب منذ بعيد كان امتداد حديث اهل السياسة في هذا الأمر الجديد ، فكيف غابت هذه الحقيقة عن اهل السياسة جميعا في الشرق العربي حين اخذوا في حديث الوحدة ، فلم يدعوا باحثا من اهل الأدب ولم يستمعوا إلى رأي اديب ؟ ويجيب المجيب ، وكأنه يزعم ان للسياسة في مثل هذا الشأن فنا غير فن أهل الأدب ، فما يستطيعه الساسة من اسباب المداورة وفنون الجدل والاحتيال للمدخل - لا يستطيعه الأدباء ؛ والسياسة كتمان وحيلة ، والأدب كلام . .
ولعل ما يجيب المجيب حق ، ولكن ثمة معني آخر يجب أن يقوم بإزاء ذلك المعنى ، هو أن علي الآدباء وحدهم في غد الواجب الأول في تحقيق الوحدة المأمولة معني وغاية ، كما كان ذلك واجبهم الأول منذ الماضي ؛ فهل يستيقن هذه الحقيقة ساسة الأمم العربية ؟ إن كان فإن عليهم منذ اليوم أن يجندوا جندهم و ان يقرروا " التعبئة
إن هذا الجبش من المتطوعين الذين يعملون لتحقيق الوحدة العربية منذ سنين قد آن الأوان لتنظيم قيادتهم ليمضوا جميعا على خطتهم إلى هدف : قد آن اوان الاعتراف " رسميا " بهذا الجيش لتحقيق الأغراض العظيمة التي يخفق بها قلب كل جندي فيه خفقة أمل وقوة ؛ فإن كتبية هنا وكتبية هناك لا تعرف إحداها أيان تلتقي بأختها و اين ، وكانت كلتاهما حقيقة بأن تعرف ، لتعرف كلتاهما اين تمضي وأيان تبلغ ، فلا يتراشق الأخوان في الظلام ويحسب كل منهما انه يحارب عدوا ، كما حدث ذات مرة بين جندي في مصر واخيه في لبنان
ولكن ، أين السبيل لتوحيد القيادة ؟ . لا لا ؛ إن الحكومات العربية لا تملك من أسباب ذلك أكثر مما نملك نحن الجند . ليس ينبغي أن تدخل حكومة من الحكومات في هذا الشأن ؛ نحن الذين نعمل منذ سنين إلي التماس اسباب الوحدة العربية ليس ينبغي ان توجهنا حكومة من تلك الحكومات ؛ يجب ان تظل قيادتنا بأيدينا ؛ ولكن ، أين السبيل ؟
المؤتمر العربي :
لقد دعوت ذات مرة إلي الرحلة ، وإلي التماس أسباب التعارف بالمراسلة ؛ ولست اعني بالرحلة هذه الاسفار التي نتجهز لها فرادى وقتما نشاء إلي حيثما نشاء ، فذلك شئ لا يتيسر على وجهه لطالبه في كل حين ، وليس حقيقا بأن يحدث اثرا عاما ذا بال ؛ ولست اعني بالمراسلة هذه الكتب التي اتلقاها مع البريد ولا اكاد أملك فراغا من الزمن للرد عليها أو شكر مرسلها ، فاقرؤها ثم أطويها آسفا بلا رد ولا جواب ، فإن ذلك لحقيق بأن يحدث جفوة او
يحمل علي مشقة ، بدل أن ينشئ ودا ويحدث ألفة
لست أعني تلك الرحلة ، ولا هذه المراسلة ، وإنما أعي ان يقوم على تنظيم الرحلة وأسباب الاتصال بالمراسلة جماعة او ناد من أهل الأدب فارغين له وقتا من وقتهم على وجه من التعاون يزيل الكلفة ويخفف المشقة ؛ فذلك نوع من تنظيم القيادة خليق بأن ينشئ اثرا وينفع نفعا .
وثمة وسيلة اخري قد بدأنا فيها بدءا حسنا منذ بعيد ، تلك هي المؤتمرات العربية ؛ فليس ينكر أحد ما كان للمؤتمر الطبي العربي في دوراته المتتابعة من أثر في توثيق أسباب الاتصال بين الأطباء العرب وقد قرأت منذ أيام حديثا للأستاذ ركي عبد القادر في جريدة الأهرام يدعو فيه إلى مؤتمر المحامين العرب ؛ وقرأت في مجلة الاثنين إن الصيادلة المصريين قرروا الدعوة إلي مؤتمر يقتصر في هذا العام على الصيادلة المصريين على ان يدعي إليه في السنين القادمة صيادلة البلاد العربية . ولعلنا ان نسمع غدا الدعوة إلي مؤتمر المعلمين ، ومؤتمر أصحاب الحرف والصناعات ، والمؤتمر التجاري ، ومؤتمرات اخري
ولكن ، أليس عجيبا أن تجتمع هذه المؤتمرات كلها ، ولا يفكر أهل الأدب في مؤتمر لهم يجمع ادباء مصر إلي ادباء الشام والعراق والجزيرة العربية والسودان المصري وبلاد المغرب ، وهم قد كانوا أولى بالسبق
مرة واحدة شهدت مثل هذا المؤتمر - أو على الأصح سمعت به - يوم اجتمع أدباء العربية من مختلف أقطارها منذ بضع عشرة سنة لمبايعة أحمد شوقي علي إمارة الشعر . مرة واحدة ، وتوالت الأحداث والحوادث ، وتجددت المناسبات ، ولم يجتمع بعده في مصر ولا في بلد غيرها من بلاد العربية مؤتمر يضم أدباء هذه البلاد فهل يكون المؤتمر الذي يعد له الآن في سوريا احتفاء بذكري أبي العلاء هو المؤتمر الثاني . . بعد سبع عشرة سنة ؟
ولكني لا استطيع أن أثبت على هذا الزعم طويلا ؛ فما بد من أن أصرح بأنه لا مؤتمر شوقي في سنة ١٩٢٧ ولا مؤتمر المعري في سنة ١٩٤٤ ، يعد مؤتمرا أدبيا عاما ، إذ كانت الدعوة إلى كليهما لغرض بعينه لاعموم
في معناه ، فإذا كان قد اجتمع في أولهما من اجتمع من ادباء العربية ؛ وإذا كان مقدورا ان يجتمع في ثانيهما من يجتمع إن شاء الله ، فليس لشئ غير شوقي والمعري كان اجتماعهما ؛ وإنما نريد المؤتمر الآدبي الذي يجتمع في كل عام في مصر او في غيرها - لغرض عام لا يكتسب عمومه من اسم شخص يحتفى به او يراد تخليد ذكره فمتي يكون هذا ؟ ايكون يوم يجتمع مؤتمر التعاون الثقافي " الرسمى " قريبا في القاهرة أو في بغداد أو في دمشق ؟ . ومتي يجتمع مؤتمر التعاون الثقافي ؟
أيها المتطوعون من جيش العروبة قبل ان يكون للوحدة العربية حديث على لسان وزير واحد من وزراء الامة العربية ، هذه دعوة إليكم ادعوها . .
قيمة الأسلوب
يبني وبين زكي مبارك سبب من الود يقرب بيبني وبينه كلما حاول أن يبعد ؛ فلا يحسبن أحد من قراء هذا الباب أن شيئا غير هذا المعنى يقوم بيني وبينه إذا رأونى لا اكاد أغفل عن ذكره في حديث الأدب والأدباء . وفي العربية شاعر يقول : أدر ذكر من أهوي ولو بملام
فان كان قد اتفق لأحد منهم أن قرأ شيئا مما كتبت في هذا الباب عن " الشاعر الجزار " أو شاعر الوحل " أو " الكاتب المجنون " فلا يحسب ان بينى وبين زكى مبارك خصومة ، أو ان بينه وبيني . ولكن زكى مبارك رجل طريف
وقد كتبت منذ أسابيع كلمة عن الكاتب المجهول وكتب صديقنا الأستاذ محمد أحمد الغمراوي في الرسالة كلمة اخري في موضوعها عابه فيها معابة وأحصى عليه مآخذ ، فكتب زكي مبارك بعد ذلك كلمة في العدد ٥٥٥ من الرسالة بعنوان " قيمة الأسلوب " يقول فيها :
" . . حاول ناس أن يقلدوا أسلوبي ليؤذوني ، كالذي يصنع الكاتب المجهول ، والكاتب المعروف ، والدكتور بدبع الزمان و . . وهي اسماء رجال من
تلاميذي ولكن من هذا الكاتب الذي يتهامس في العدد السالف من الرسالة ، فيحمل الدكتور زكي مبارك جرائر الكاتب المجهول ؟ . "
وقلت وقد قرأت هذه الكلمة لقد يرى زكي مبارك من جرائر نفسه ؟ فإلا يكن صادقا في هذه " البراءة " فإنه يتوب بهذا الإنكار توبة كبرياء ، وعفا الله عنه !
وجاءني العدد التالي من الرسالة ، العدد التالي رقم ٥٥٦ . وتناولته اقرأ الفهرس قبل التصفح ، وقرأت عنوان مقال : " لقد هان ذلك الخطب ؛ للدكتور زكي مبارك " وبسطت الصفحة لأقرأ ، فإذا المقال بإمضاء " الكاتب المجهول " . .
الكاتب المجهول ؟ وي ففيم كان إنكار زكي
مبارك في العدد الماضي ، وفيم كانت براءته من " جرائر الكاتب المجهول ، وإن فهرس المجلة ليعترف على الكاتب مما ينكر على نفسه ؟ اهي تميمة الأسلوب كما يقول أم تميمة المطبعة ؟ أم نراه وقد نفي نسبة ذلك المقال المنكر إليه قد صعب عليه ما فعل فعاد يستلحق نسبه ؟
ولكن زكي مبارك في كل أحواله رجل ظريف ! ! أيعرف صديقنا الأستاذ الغمراوي هذه الحقيقة أم ينكرها ؟ لقد كان صديقنا الكريم حقيقا بأن يعرف ذلك عنه ، فلا يعنيه ويعني نفسه بهذا الحد الصارم في محاسبته على كلمة بادرة لم يكن يعنيها ، فان بعض " الظرفاء لا يعنون ما يقولون ! !

