حديث المال
حديث الأدب في هذا الأسبوع هو حديث المال ؛ ففي الصحف والمجلات ، وفي البرلمان ، وفي الأندية العامة ، وفي المجالس الخاصة - لم يكن للناس حديث إلا حديث المال . ولم يكن هذا الحديث الذي شغل الناس واستأثر بتفكيرهم في هذا الأسبوع ، مقصورا على طائفة من أهل الرأي دون طائفة ؛ فقد كان له من عناية أهل الأدب والاجتماع مثل ما له من عناية أهل السياسة ورجال الاقتصاد ، واستمع الناس إلى رأي طه حسين إلى جانب ما استمعوا من آراء على الشمسي ، وإسماعيل صدقي ، ومكرم عبيد .
. . وكان حديث المال ، في هذه الفترة ، خليفا بهذه العناية ، حقيقا مما استأثر من تفكير أهل الأدب والاجتماع ، ومن اهل السياسة ورجال الاقتصاد ؛ لا لمكانة المال من
حياة الناس ، فلم نزل للمال مكانته مند كان ؛ ولكن لمكانة مصر ، ذلك البلد الذي يعيش ٩٧ في كل مائة من أهله ، مالة على ما يتصدق ( ٣ % . . وإنه مع ذلك ليزعم أن له حق الحياة !
بل ، ليس حديث المال في هذا البلد حقا موقوفا على إسماعيل صدقي ، وعلى الشمسى ، ورينية قطاوي ، واحمد عبود ، والبدراوي عاشور ، لأنهم وحدهم الذين يملكون المال ؛ فان كل فرد من هذه الملايين التى تعيش في ذلك الوادي لا كثر حقا في التحدث عن شئون المال من كل أولئك ؛ لأن هذه الملايين لا تملك من المال ما تقوم به اسباب الحياة والحياة هبة الله ، فمن حق كل حي أن يتسبب لحياته !
بلى ، وإنه إذا كان حقا لكل فرد في هذه الأمة أن يتحدث عن المال ، وحسبه من المال الحديث عنه ، فإنه فرض مفروض على كل ذي رأي من أهل الأدب او من أهل الاجتماع ، ان يتحدث ، وان يكتب ، وان يوجه الناس توجيهه إلى ما يري ، حتى يعتدل الميزان وتتكافأ الكفتان ويستشعر كل دي حق حقه فيناله .
هذا مكان القيادة لمن يريد أن يبلغ بأمته مبلغا !
جريمة الجوع !
أرأيت إلي حديث الناس عن أخلاق هذا البلد ؟ أعني حديث المصريين عن أنفسهم .
يقولون : إن مصر ليس لها خلق عام ، فأحصها فردا فردا تعرف لكل فرد من أهلها خلقه الذي يتعامل به مع الناس إن عرفت ، ولكنك لن تعرف لهذه الامة في مجموعها خلقا عاما تتميز " شخصيتها وبتحدد معناها ! فثمة الكذب ، والزلفي ، والنفاق ، والوقيعة ، والأثرة ، وما أشفق أن أحصى من سيئات ؛ حتى لا اراني مبالغا إن قلت : إنك لا نجد في جميع من تعرف من أهل هذا البلد اثنين يمكن أن يتعاونا على نفع عام ، إلا ان يكون لكل منهما وجه فيما يعمل فإنه لينظر من ورائه إلي منفعة تناله !!.
هكذا يقولون ، وإني لأزعم انهم صدقوا . . ولكن
ولكني لا أتهم ؛ إن هذه الأمة لكريمة المعدن ، وليس من طبيعتها هذه الدنايا ، ولا هي جريمة أهلها ، ولكنها جريمة الجوع !
ماذا يفعل الجائع حين لا يجد سببا إلي رزقه إلا أن يزدلف وينافق ، وإلا ان يوقع بين الاخوين ، وإلا أن يخطف اللقمة التي تقيمه وتقيم بنية على الحياة ، وإلا أن يستذل ويستخذي ويتعبد لمن لا يستحق السيادة ؟
لست ادافع عن هذه الدنيات . ولست التمس العذر ، للرجل الكامل من الوقوع فيها ، ولكني اذكر الضعف الإنساني في سواد الناس ، وفي المجموع الذي تتألف من أفراه كل جماعة تربطها رابطة الجنس أو رابطة الوطن - أذكر ذلك فأرني لهذه الأمة التي حكم عليها أن تعيش في الحرمان والجوع ، ثم راحوا يعيبون على ابنائها ما يعيبون من أخلاق بيعت لهم بلقمة العيش :
ثم يعيبون علي ابناء هذه الأمة ما يعيبون ؟ فليعترفوا لهم يحدثا بحق الحياة ، وليجودا عليهم مما حبسوا عنهم من رزق الله ، ثم لممتحنوا اخلاقهم ما شاءوا ؛ يعرفوا من أي معدن صيغ هذا الشعب الكريم !
عيش الموظف
وكان الموظف المسكين هو الهدف الذي تتراعي إليه النبال من حيث لا يستطيع ان يتقي . . فهل عرف اولئات الرامون كيف يعيش الموظف في هذه السنين وقبل هذه السنين . .
وهل تتبع واحد منهم خطاء ساعة واحدة في أول يوم من الشهر الكريم ، ليعرف بكم قرش يعود إلي داره في أول يوم من الشهر ، وكان منذ ساعة مملك العشرات من الجنيهات ؟ . .
وهل عرفوا كم موظفا في الدولة يعيش لنفسه فليس له أخ ولا أخت ولا أم ولا زوج ولا ولد ، كلهم يقتضيه مرتبا في أول الشهر بحق الإنسانية أكثر مما تعطيه الدولة يحق العمل الدائب ، والهد المضني ، والكرامة المبذولة طاعة للرئيس وأصدقاء الرئيس ؟ . .
أحسسهم يعرفون مستيقنين ان ما يأخذه الموظف
المسكين من خزانة الدولة لا يقبض عليه يده ، ولا ينفع به نفسه ، نفسه ؟ ولكنه رسول الأمانة ، يقبضها ليؤديها إلي اربابها بلا اجر ولا مثوبة ، ليس له منها إلا فخر المعطي ، ورضا النفس بما يعطي
فهذه اللايين التي ترصدها الدولة في ميزانيتها كل عام للموظفين ، ليست هي حق الموظفين على ما أدوا للدولة من عمل ، ولكنها حق أولئك الملايين من ابناء الشعب وبنائه ، وآبائه وأمهاته ، وإخوته وأخوانه ؛ إنها حق أولئك الملايين من الفقراء المعدمين الذين يكفلهم الموظفون ويؤونهم ويفرضون على انفسهم ان يعيشوا لهم ، وان يبذلوا من أجلهم كل ما تمنحهم الدولة من اجر العمل الدائب ، والجهد المرهق والكرامة المبذولة طاعة للرئيس وأصدقاء ، الرئيس .
بضمة وعشرون مليونا الموظفين ! ياه !ثلث ميزانية الدولة أجور ومرتبات !..
أتري هؤلاء اللائمين يثبتون على الرأي لو غيرت الحكومة عنوان هذا الباب من أبواب المزانية فسمته بما كان ينبغي أن يسمى ولم تسمه " باب الأجور والمرتبات ، لو سمته " باب الإعاشة والتموين ، وإنه لكذلك وإن اختلف العنوان !
إن من حق هؤلاء الملايين الذين يكفلهم الموظفون ان يشبعوا من جوع ، وان يكتسوا من عري ، وان بصحوا من مرض ، وان تؤويهم دور صحية يستشعرون فيها طعم الحياة - من حقهم على الدولة أن تيسر لهم أسباب العيش ، وأسباب الكرامة الإنسانية ؟ ولهم على الدولة حتى المواطن الحر في الآمة الحرة ، فلو لم يكفلهم أولئك الذين يكفلونهم من الوظفين لكان فرضا على الدولة كفالتهم ، وطعامهم ، وكسوتهم ، ومأواهم ؛ فكم يكلف الدولة هذا الواجب إن كان هؤلاء اللاعون يعترفون بحق كل مواطن على الدولة في أن تيسر له اسباب عيشه ؟
فليحسبوا حسبتهم ، ثم لينظروا اي التقديرين انفع لخزانة الدولة لو سميت الأشياء بأسمائها ، أم تراهم لا يعترفون بحق هؤلاء الأحياء في الحياة
توزيع الثروة :
ويقولون : أوليس في البلد فقراء معدمون من حقهم على الدولة ان يعيشوا ، غير أسرات الموظفين ومن يكفلون من الآباء والأمهات والإخوة والأخوات ؟
بل ، في البلد غير هؤلاء ، ملايين لا يبلغها الإحصاء ، من الفلاحين والأجراء والعمال والمنقطعين من اسباب الرزق - من حقهم على الدولة كذلك ان يعيشوا ، وان يستشعروا طعم الحياة ، وان يخلعوا عن اعناقهم اصار الذل والعبودية لعشرات ، عشرات من اصحاب الملايين لا يعرفون هم أنفسهم قيم يجمعون هذه الملايين ولا يفكرون في وجه من اوجه الانتفاع بها !
ولكن هؤلاء الملايين الذين لا يكفلهم موظفون في الدولة ، ولا ينالهم تثير ولا قليل من " باب الأجور والمرتبات " - هؤلاء الملايين من المحرومين لا يصح ان يكون وجودهم وكثرتهم سبيلا إلى حرمان غيرهم ؟ وإنما. ينبغي ان تفكر الدولة فيهم كذلك ، وان تقوم منهم مقام الأب من بنيه ؛ اتري من حقي أن أقول : ينبغي أن تقوم الدولة منهم مقام الموظف من أسرته ؟ !
وإنما هي سبيل واحدة ، سبيل واحدة تتحقق بها العدالة الاجتماعية بين الطبقات ، أعني بين طبقتي الشعب : الطبقة التي تملك ولا تنفق ، والطبقة التي لا تجد ما تنفق ؛ الطبقة التي تملك كل مرافق الدولة ولا يزيد افرادها على ٣ % ، والطبقة التى تعدادها ٩٧ % ولا تملك شيئا من اسباب الحياة . .
هذه السبيل هي ان تضع الدولة نظاما لجباية الضرائب غير نظامها ، نظاما بجعل من حقها ان تحاسب كل ذي مال عن غلته ، وعن حاجته ، وعما يفيض ؛ نظاما لا يفرض الضريبة على الرأس ، ولا علي الفدان ، ولكن على مقدار الغلة ، وعلى ما فوق الحاجة ؟ ليستشعر كل ذي مال أن غناه غني لأمته ويستشعر كل زي خلة أن له حقا على أمته ؟ فلا يسره ، الغني ويتأله ويأخذه سعار المال فينسي الحلال والحرام ؛ ولا يذل الفقير ويستخدي ويتعبد لمن لا يستحق السيادة !
مركب الفقر
ورأيت موظفا عند مهدان السباق ، في بزة الأمير ، وهيئة السيد المتأمر ، وانافة الوجيه الوارث ؛ وقال لي صاحبي الذي كنت اقص عليه من حديثي : فهذا موظف ، أتراك تزعم أن من حق مثله على الدولة أن تغدق عليه ، وان تبذل له ، وأن ترصد له ثلث ميزانية الدولة ؟
قلت : فهذا واحد ! قال : ولكني أعرف مئات مثله ، كلهم خفيف الظهر ، ليس وراءه ما يعنيه او يحمل همه ، لا تلزمه نفقة أم ولا أب ولا زوجة ولا ولد ؛ بل إن منهم ذا الأب والآم ، أو ذا الزوجة والولد ، لا يلزم نفسه معولتهم وانهم لفي حاجة ؛ وإنما ينفق ما ينفق مما تمنحه الدولة لشهوته وهواه ، أو للأناقة والمظهر ؛ أفمن أجل هذا دفاعك ؟
. . نعم وسيجد اللائمون بابا إلي القول في مرتبات الموظفين حين يذكرون المئات من امثال هذا الموظف السفيه ، وإنما صنع هذا الموظف وزين له السفه والإسراف أولئك اللائمون انفسهم ، إن هؤلاء المبذخين من اصحاب الثروات الذين يغشون كل ناد ، ويستعمون بكل منعم ، ويبذلون حيث كان ينبغي الإمساك ، ويمسكون حيث كان ينبغي البذل هؤلاء ، المبذخين الذين يلومون هذا الموظف وامثاله على ما يصنعون ، ويلومون الدولة على ما تعطيهم ، هم الذين زينوا له هذا السبيل بالقدوة ، وبالإغراء ؛ لا نقول إنهم دعوه فأجاب ؟ ولكني أقول إنه رأي مذهبهم فذهب ، وكان به نوع من " مركب النقص " أو مركب الفقر " فأسرف ؛ ولو رأي لهم سبيلا إلى الجاه والسيادة غير التأنق في اللباس والإسراف في الزينة ، والتأمر في السوق ، والتعالي علي الفقر ، لرأوا منه غير ما رأوا . .
ألا ليت هؤلاء اللائمين المسرفين في الملامة ، رضوا أن يعيشوا أسبوعا من كل عام عيشة الموظف . إذن لكان لهم يومئذ رأي غير ما يرون اليوم . يا ليت ! قاف

