الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 278الرجوع إلى "الثقافة"

أدب الأسبوع، " هذا رأيي وعلي تبعته وحدي . ......".

Share

رأي الموظف

أنا موظف . . نعم ، وعامل من عمال الدولة ، فرضت الدولة على خازنها أن يدفع لي كذا وكذا في كل شهر أجرة عملي ، هو لي بحق العمل الذي أعمل ، أو بحق العقد الذي بين الحكومة وبيني . وإني لأعمل ، أعمل كل ما تكلفني الحكومة عمله ، أو ما تكلفني نفسى ، وللحكومة أمر وسلطان يتناول وظيفتي فيما يتناول ، ولها رأي ومذهب . .

وأنا إنسان ، نعم ، إنسان يملك بحق الإنسانية أن يكون له فيما يعمل رأي ومذهب ، فإنه ليكلف العمل يوافق رأيه ومذهبه أو لا يوافق ؛ فأين حد الإنسانية في هذا الوضع من حد الوظيفة ؟ هل لي وأنا الموظف ، العامل المأجور ، أن أقول في بعض ما أكلف من العمل ، أو ما يكلفه غيري من الموظفين : هذا العمل يوافق رأيي ومذهبي ، وهذا لا يوافق ؟ ....

لست أسأل أهل القانون ، فإن رأي القانون صريح في هذا الشأن ، وإنما أسأل نفسى ، وما سألت نفسى قط هذا السؤال قبل اليوم ولا دار في خاطري ، ولو قد دار في خاطري يوما لما استطعت أن اكون هذا الكاتب الذي يعرفه القراء منذ بضع عشرة سنة ، أو لما بقيت ذلك الموظف . فإن القانون المصري يحرم على الموظف أن يكون من أهل الرأي ، وأن يكتب في الصحف ، وأن يتحدث إلي الناس في الشئون العامة... وإنني لأزعم أنني من أهل الرأي ، ولست أستطيع أن أعطل قلمي عن الكتابة ، أو أعطل لساني عن الحديث إلي الناس في الشئون العامة ، ولكنني موظف ....!

أتري القراء في مصر وفي غير مصر من بلاد العربية يعرفون هذه الحقيقة أو ينكرونها ؟ . . وهل يعرفها طه حسين ، وأحمد أمين ، وأحمد زكي ، والكرداني ، والقباني ، وخلاف ، وفريد أبو حديد ، وزكى مبارك ،

ومن لا أذكر من أصحاب الرأي وأهل الأدب في هذا البلد ؟ . وهل تعرف الحكومة المصرية أن هؤلاء الموظفين الذين ذكرت أسماءهم قبل وعشرات ، بل مئات غيرهم ، يزعمون أنهم من أهل الرأي ، ويكتبون في الصحف ، ويتحدثون إلي الناس في الشئون العامة لا يقيمون وزنا لذلك القانون الذي فرض على الموظفين في مصر أن يكتموا الرأي ويعطلوا الأقلام ويعقلوا الألسنة عن الحديث في أي شأن من الشئون العامة!

وكيف تكون الحال لو تنبهت الحكومة إلي واجبها في هذا الشأن - بعد طول الصمت - فعمدت إلي تطبيق ذلك القانون وحاولت أن تعطل تلك الأقلام وتعقل تلك الألسنة وتكم هذه الأفواه؟

ذلك قانون وضعه واضعه منذ . منذ كم؟...  فإنه ليخيل إلي أن هذا التاريخ المرقوم في ديباجة ذلك القانون العتيق لم يبرز لعيني اليوم إلا ليكون سخرية منا ، نحن الذين نزعم أننا في عصر قد بلغنا فيه من فهم معنى الحرية والدعوة إليها مبلغا يحملنا في كثير من الأحيان على المباهاة ، والفخر ، و...التبجح!

أين نحن اليوم من ذلك العصر الذي وضع فيه ذلك القانون ؟ وأين دستورنا السياسي من ذلك الدستور الذي كان ؟ وأين حكامنا من أولئك الحكام ؟ . . ولكن ذلك القانون لم يزل ، ولم تنتبه حكومة من الحكومات المتعاقبة في مصر منذ عشرات السنين إلي إبطاله ، ولعل بعضها ينتبه إلي تطبيقه !!

قال لي قائل : ذلك قانون نسخة الزمن ، ولعلك حين تذكره اليوم ألا يكون في مصر من يذكره غيرك ؛ فقد

بطل حكمه وإن بقي رسمه ، فما حديثك عنه وقد تعطل معناه ؟

قلت : ولكنها كرامة مصر ؛ ومن يدري ؟ فلعلك تسمع غدا أن " نائبا محترما " قد وقف يستجوب الحكومة في البرلمان لأنها سمحت لطه حسين الموظف في وزارة المعارف أن يكتب في الصحف مقالات ذات صدي في معني "العدالة الاجتماعية" أو يخطب في المحافل العامة عن التعليم والحرية!

قال : ولكن هذا من حديث السياسة ! قلت : وأين الحد الفاصل بين ما هو من حديث السياسة وما ليس من حديثها ؟ ومتى يباح للموظف أن يتحدث ومتى يحرم عليه ؟ وأين تسمع الرأي الحر في شأن من الشئون العامة إن حرمت الرأي علي أهل المعرفة ، وأين تجد الأحرار من أهل الرأي والمعرفة إن كان أهل الرأي في مصر لا يجدون سببا إلي العيش - على الأغلب الأعم - إلا في وظائف الحكومة ؟

نعم أنا موظف ، عامل مأجور من عمال الدولة ، ولكنني إنسان ، أملك بحق الانسانية أن يكون لي رأيى ومذهبى،وأنا وطنى،أملك بحق الوطنية أن يكون لى في شئون بلادى العامة قول صريح . ذلك حقى الذي فرضته لي قوانين الطبيعة ، فليس يملك أن يحرمني إياه قانون الإنسان !...

نعم أنا موظف ، أعمل للحكومة برأيها في حدود الوظيفة وواجباتها ، ولكن لي فوق ذلك رأي الإنسان الحر ، والمواطن الحر ؛ فإذا اقتضتني واجبات الوظيفة يوما أن أعمل عملا لا يوافق رأيي ومذهبي ؟ فإن على يومئذ أن أختار بين الوظيفة وبين الحرية ؛ بين لقمة العيش ، وكرامة الإنسان الحر !

جريمة موظف

وفي الحكومة قانون يحرم على الموظف أن يشتغل

بالتجارة . قالوا : ويدخل في معني التجارة أن يبيع للحكومة كتابا من تأليفه . . فلو أن عميد كلية الآداب - مثلا _ قد وضع كتابا في التاريخ ، أو الجغرافيا ، أو الاقتصاد السياسي . . ورأت وزارة المعارف أن تشتري منه ألف نسخة لتودعها مكتبات المدارس ينتفع بها المعلمون والتلاميذ ، لما جاز أن تشتريها من عميد كلية الآداب ، صاحب الكتاب ومؤلفه ،

وإنما تكتب إليه تسأله : أين يباع هذا الكتاب ؟ ... ويحتال المؤلف لإتمام الصفقة ، فيتفق على وجه ما مع ناشر من الناشرين فيدفع له النسخ المطلوبة ، ليبيعها باسمه للحكومة ويقبض عنه ثمنها فيدفعه إليه وله جعل . .

فإذا لم يفعل المؤلف ذلك لم تتم الصفقة - إلا علي وجه الاستثناء_ لأن الموظف يحرم عليه أن يشتغل بالتجارة !! وضحكت حين عرفت ، ولم أملك حين سمعت هذا الحديث إلا أن أضحك فهذه الحكومة التي حرمت على الموظف أن يبيع لها كتابا من تأليفه ، لأن ذلك نوع من التجارة ، تعرف معرفة اليقين أن هذا الكتاب الذي تشتريه هو من تأليف فلان الموظف ، فإن كانت التجارة المحرمة هي البيع والشراء ، فلعلها تعرف معرفة اليقين كذلك أن هذا المؤلف الموظف إن لم يكن هو الذي باع لها الكتاب ، فإن الناشر الذي باعه قد اشتراء من ذلك المؤلف ، الموظف ، فقد كان ثمة بيع وشراء على أي حال ،

وكانت تجارة ؛ أفما كان حق القانون الذي التزمته في هذه الصفقة يلزمها أن تعاقب ذلك الموظف لأنه ألف كتابا فباعه في السوق؟ . . بلي ، وما كان أحري أن يقدم إلي المحاكمة التأديبية طه حسين ، وأحمد أمين ، وفلان ،

وفلان ، وفلانون ، من أهل التأليف والتحقيق الذين تملأ مؤلفاتهم خزائن المكتبات وقماطر التلاميذ في مختلف المدارس ؛ وتكون تهمتهم أنهم باعوا كتبا ، أو بتعبير آخر : تكون تهمتهم أنهم مؤلفون . . وتكون

وزارة المعارف هي شاهد الإثبات في الدعوى . .!! أم ترى الحكومة تظن أن المؤلف حين يؤلف كتابا إنما يهبه للناشر حسبة لله فلا يقتضيه ثمنا ولا يأخذ منه مليما فليس ثمة بيع ولا شراء ولا جريمة ؟ .

فهذا أيضا قانون ، قانون مسطور نافذ ثم يبطل حكمه ولم يتعطل معناه . أجد ذلك أم هزل ؟

لعل ذلك الشارع الحكيم الذي شرع ذلك القانون منذ أزمان كان يرمي بحكمته إلى معني يغيب عن فطنتنا حين حرم على الموظف التجارة ؛ وأين هذا من التجارة ؟

ألم يكف المؤلف المصري ما يلقي من طماعية الناشرين في مصر حتى ليكاد يكون لهم كل المنفعة فيما يبذل المؤلف المصري من جهد ولا يناله منه شيء إلا الشهرة بتكاليفها ، وللشهرة تكاليف مادية تغري بإنكار الذات في غير فضيلة !

ألم يكف المؤلف المصري أن يكون ذلك حظه فتضع الحكومة القوانين لتزيد الناشرين سلطانا عليه حتى لا يكاد يفلت من أيديهم ؟

وهل يكون ذلك لونا من الاعتراف بالأدب الذي نريد أن يؤكد لمصر زعامتها في البلاد العربية ويمكن لها ؟ وليكن هذا لونا من التجارة ؛ فلماذا يحرم على الموظف أن يتاجر ؟ يخشون أن يستغل سلطان الوظيفة في التجارة ؟ فهل أمنوا أن يستغل ذلك السلطان لأخيه وأبيه وعمه ، وللناطور الذي يتاجر باسمه إن كان يريد التجارة ويخشى سطوة القانون ؟

تلك أمور لا يعصم منها إلا الخلق ، وليس القانون منها إلا لغوا أو مغالطة أو سخرية ، أو تعبيرا عن معنى من سوء الظن يصور خلق الموظف المصري تصويرا لا يشرف مصر حين تذكر أخلاق الشعوب

اشترك في نشرتنا البريدية