الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 268الرجوع إلى "الثقافة"

أدب الأسبوع ...، " هذا رأيى وعلي تبعثه وحدي ... ... "، علامات الزمن!-اقتراح شيخ !-!، بعض السادة !- أجر الوظيفة ؛

Share

علامات الزمن . .

يقول الاستاذ العقاد في مقاله العدد ٥٥٣ من الرسالة : "للزمن علامات في اقوال الشعراء والأدباء ، ولأقوال  الشعراء والأدباء علامات في الزمن ؛ ولكن العلامات التي تصدق في دلالتها ويقل خطؤها في إشارتها ، هي على الأهم الأرجح علامات الصناعة دون علامات الطبيعة  . . "

ويمضى الأستاذ العفاد في تفصيل هذا المذهب والاحتجاج له ، ليخلص منه إلى مناقشة الرأي فيما نسب إلى عروة بن الزبير من شعر في كتانه : " الصديقة بنت الصديق " ذلك الشعر الذي قلت عنه في عدد منفي : " إنه نسح مهاهل ضعيف لا يقع في نفس أحد أنه من لغة العصر الأول أو مما يجري به لسان شاعر من شعرائه . . . ".

ولست على خلاف في الرأي مع الأستاذ العقاد فيما يسميه علامات الزمن في اقوال الشعراء والأدباء ، أو علامات الشعر والأدب في الزمن . . .

ولست معه على خلاف فيما يسميه علامات الصناعة وعلامات الطبيعة ؛ بل إني لاحتج بكل ذلك واستند إليه فيها رأيت من رأى نفيت به هذين البيتين من شعر عروة ؛ ولا أعيد هنا ما قلت ثمة فليرجع إليه من شاء ، ليعرف من يريد أن يعرف أنني نفيت ما نفيت لأن ذلك الشعر في جملته ومعناه - دع عنك ركاكته وسخفه - ليس مما يتأتي لشاعر في العصر الأول أن " يصنعه " . .

. . . ولكن ماذا يعني الأستاذ العقاد بعلامات "الصناعة "؟ ايعني فنون البديع دون ما عداها من "صناعة" الزمان والمكان والبيئة ؟ . . . وماذا يعني بعلامات " الطبيعة " ؟ ايعني النطرة الأزلية التي كانت

منذ كان الناس وستبقي ما بقي الناس ، أم هو يري العادة نوعا من الطبيعة فليس لها في شعر الشعراء وأدت الكتاب دلالة على الزمن ؟ ...

وكيف يري ( الصناعة) أو (الطبيعة ) في قول الناظم :

فلو سمعوا في مصر أو صاب خده    لما يذلوا فى سوم يوسف من نقد

لواحى زليخا لو رأين جبينه              لا تزن بالقطع القلوب على الأيدى

ألا يري شيئا ثمة من صناعة البديع ، ومن صناعة الزمان والمكان والبيئة ، ومن ارد العادته التي تختلف على الزمان وإن بدت لأهل ذلك الزمان نوعا من " الطبيعة " ؟

اقتراح شيخ !

قرأت في صحف الأسبوع أن الشيخ المحترم " فلانا " تقدم في مجلس الشيوخ باقنراح إلي الحكومة : ان تسمح لموظفيها بالسفر مجانا في قطر السكة الحديدية ، أسوة بموظفى تلك المصلحة !

ولا انكر أنني شعرت بشيء من الفرح حين قرأت ذلك الإقتراح الطريف ؛ فإنني رجل مبعثر ، قد فرقت الأيام بيني وبين أهلي ، وباعدت بين عملي وداري ، فأنا أبدأ على سفر ، ولكل سفر أجرة . . .

وقلت لصاحبي : أيمكن أن يكون هذا ؟ وقال لي صاحبي ؛ ولماذا لا يكون ؟ . . . ألست تري كل يوم في غدوك من دارك إلى العمل ، وفي رواحك من عملك إلى الدار ، هؤلاء العشرات من عمال سكة الحديد بزحمونك ببذلاتهم الزرق ، أو السود ، على الكعد الضيق ، لم يدفعوا له اجرة ولا اشتروا "تذكرة"؟ فإنك مثلهم من عمال الدولة ، وإن لك على الدولة مثل حقهم قلت : فأنت تري الشيخ المحترم قد اقترح ما اقترح بحق المساواة الواجبة ؟ قال : نعم

قلت : فلماذا لا يتساوي أبناء الأمة جميعا في هذا الحق ، فيركب كل من شاء من الناس إلى حيث يشاء ، لا يدفع أجرة ولا يتسني بمسألة ؟ أليست سكة الحديد

مرفقا من مرافق الدولة العامة ؟

وسكت صاحبي برهة لا يرد جواباً ، ثم عاد يسألني : فماذا تري أنت ؟ . . .

قلت : لست أري شيئا ، وما حسبت الشيخ المحترم قد عني ذلك حين اقترح ما اقترح ، وإنما أراد أن يسأل مستنكرا : لماذا يؤذن لموظفي سكة الحديد أن يسافروا حيث يشاءون مجانًا دون غيرهم من موظفي الدولة ؟ ولكنه كان شيخا أريبا ، قد خشى غضبة ناخب من ناخبيه ، ، فجعل "السؤال " اقتراحاً " . . . وكما يسمي في البلاغة " الاستفهام الإنكاري " يسعي في السياسة "الاقتراح التعجيزي"وهو لفظ مرادف في لغة هذا العصر ! وضحكت وضحك صاحبي ، وخلفته عدوا لأدرك القطار وفي يدي أجرته !

وركبت القطار ، وكان آخر قطار يغادر " طنطا " مساء الجمعة إلى القاهرة . ولم أجد في الزحام مقعداً واحداً أستند إليه بيدي ، فلم يكن لي مطمع في الجلوس ؛ وكان معى سلة ، وما بد ان يكون معي سلة كلما عدت من طنطا إلي القاهرة ؛ فما تهدأ أمي ولا تقر لها عين إلا أن تزودني كلما زرتها بسلة فيها شيء . .  .شئ ما ، وإن لم يكن لي به حاجة ، وإن كان مثله في القاهرة كثيرا ، وقد تعودت أن أطيعها فآخذ كل ما تعطيني وإن لم ينسني منه إلا عناء الحمل . وثقلت السلة في يدي ، وخشيت أن يضيق بي وبها الطريق في العربة المزدحمة بالركاب ،

فتخيرت لها مكانا على الرف ، وكان تحت الرف سيد ، سيد ذو امر ، لو شاء لخلالي بجانبه مكان ، فإن المقعد ليتسع لأربعة وإن الجالسين لثلاثة ، ولكنه لم يشأ ،

ولم أشأ أن أرجوه ؛ ونظر إلي مستنكرا وأنا أضع السلة في المكان الخالي من الرف ، وأغضبت كأنني لم أر ، وصاح  بى في لهجة آمر : أنت ! إحذر أن تسقط علينا السلة ! وسكت فلم أرد ووقفت مستندا إلى الباب ، ومرت لحظة ؛ وانحرفت عن الباب قليلا لأتحدث إلى أخي من النافذة حديثا قبل أن يمضي القطار ، وقام السيد فأغلق

دوني باب " الصالون " ، واستقر في بحبوحة مجلسه ، ومضي القطار ، وظللت واقفا حيث كنت إلي جانب النافدة ؛ وانفتح الباب ورائي ثانية بعنف ، وصاح بي السيد ! أنت ! إحذر أن يقطر من السلة شئ على ثيابي ! . . .

ولم يكن في السلة شيء مما يسيل أو يقطر ، وغاطي هذا التحدي و إنني لواقف لا تكاد تحملني رجلاي ، وإنه لجالس في المقعد الواسع الريح ، وقلت : إن قطر منها شئ فقم ! . . . وضحك راكب إلى جانبه وضحك راكب أمامه ، وسكت السيد المتأمر على غيظ ، وكنت في موقفي - والقطار ماض في سرعته يكاد يلمسني ويقذفني- أشد غيظها منه ، ومضى نصف ساعة ؛ وفجأة صاح السيد :

أنت ! شئ يقطر علي ثيابي من السلة وأجاب ثلاثة من الركاب ضاحكين : قم وضحكت في هذه المرة ، ودخل التذكري يدق الباب بمقراضه ، وقرض تذكرتي وتذاكر الركاب ، وسأل السيد المتأمر : تذكرتك : وأجابه في كبرياء : " مصلحة " ! ولم يقنع التذكري بهذا الجواب قبل أن يعرف اسمه وصفته في " المصلحة " ووقف السيد يصبح في وجهه غاضبا محتجا ، وخلا لي مقعد . . .   . . . وحلفت الرجلين يتلاحيان واقفين !

وتذكرت اقتراح الشيخ المحترم ، . . فمن أجل أنه موظف في المصلحة ؟. . .

بعض السادة !

وقرأت من حوادث الأسبوع أن خادما ذهبت إلي الشرطة تشكو ، لأن مخدومها سطا على "مالها " وفر . . وكنا نسمع عن شكوي المخدومين من سرقات الخدم ، فانقلب الحال وصار السيد السارق !

أتراها كذبة تكيد بها الخادم لسيدها أم حقيقة ؟ وماذا يمنع أن تكون حقيقة ؟ . . . إن كثيرا من الخدم اليوم ليملكون من المال أكثر مما يملك كثير من السادة ! وإن كثيرا من الخادمات . ...

بل إنها حقيقة ، إن لم تكن هذه الحادثة نفسها فإن

ثمة أشباها لها ونظائر ، إنني أعرف سيداً كريماً قد افرضته خادمة بضع عشرات من الجنيهات ولم يزل حتي اليوم عاجزا عن الوفاء بدينه خادمه ؛ فأي فرق بين الحادثتين إلا أن أحد السيدين كان سارقا وكان الآخر مدينا ، والدلالة المعنوية واحدة .

أهو تطور في الخلق وأم أو جديد من مؤثرات الحرب ؟ إن لهذه الحوادث الصغيرة من الدلالات المعنوية ما يوجب الدرس والنظر ؛ إنها عناوين صغير المشكلات الكبيرة التي تتربص بنا بعد الحرب .

إنهم يذكرون مشكلة العمال المتعطلين حين يذكرون مشاكل ما بعد الحرب ؛ أتراهم أعدوا العدة لمشكلة المتعطلات من غواني الحرب ، من هؤلاء الخادمات اللاتي كن فيصرن ... ...

هذه واحدة منهن قد اجتمع لها ما اجتمع من المال ، ولكنها ظلت في بيت مخدومها حتى سرقها وفر . . . وتلك أخري قد أفرضت سيدها مما اجتمع لها . . .

لا ضرر من هاتين ، ولكن هناك ثمانية وتسعين من كل مائة قد آثرن أن يخرجن إلى شوارع المدينة الزاخرة يبعن ويشترين  . . . وغدا او بعد غد تنفض هذه السوق ... فماذا أعدوا لهن من عمل ؟ هذه هي المشكلة .

أجر الوظيفة

قرر وزير المالية فيما قرر لتحسين حال الموظفين : أن يمنح الموظف المتزوج وذو الأولاد علاوة اجتماعية لا يتمتع بمثلها العزب .

وقرأت في إحدي المجلات أن أحد الرؤساء في وزارة الأوقاف قد رفع إلى وزيرها تقريرا يطلب فيه فصل أحد الموظفين لأنه في ارتباك مالي دائم ربما دفعه إلي ما لا تحمد عقباه ، فلم يوافق الوزير على فصله ، وأصدر أمره بمنحه علاوة تنقذه من ذلك الارتباك .

وكان من المقترحات لتعديل ( كادر ) الموظفين أن يوضع نظام خاص بالنساء الموظفات تكون مدى درجاته أصغر

من مدى الدرجات المخصصة للرجال لأن تكاليف الحياة على الرجال أكثر منها على السيدات .

وتحدث وزير المعارف في تقريره عن اصلاح التعليم وتعميم المجانية ، عن واجب الدولة في اقامه التوازن الاجتماعي بإعانة الأسر الكثيرة الولد علي احتمال أعباء العيش ، وتخفيف ما تلقي من الشقاء والحرمان بسبب ذلك .

وقرأت في جريدة الإهرام منذ قريب كلمة للأستاذ زكن عبد القادر يتحدث فيها عن مرتبات الموظفين ويعيب على الحكومة عدم التسوية في المرتب بين موظفين يعملان عملا واحدا في مصلحة واحدة لاختلاف المؤهلات العلمية أو لاختلاف الأقدمية .

وقرأت في العدد ٥٠٤ من مجلة الاثنين : " يقول دولة زبور باشا إن عضوية الشركات يجب أن تقتصر على الذين يمكنهم إفادة الشركات بخبرتهم وتجاربهم ، والمحتاجين لمكافآت العضوية ليمكنهم الظهور بالمظهر اللائق بالمناصب التي سبق لها أن تولوها " .

قرأت ذلك كله ، ثم سألت نفسى : ما هو المعني الحقيقي للمرتب الذي أقبضه في كل شهر ، وبقبضه مثلي آلاف الموظفين في الدولة : اهو حق الوظيفة أم حق الموظف ؟ أعني : أهو حق العمل الذي أعمل أم حق الحياة التي ينبغي أن أحيا ؟

إن لكل موظف على الدولة حقين : حق الموظف في أجر العمل الذي يعمله ، وهو حق خاص ؛ وحق المواطن في تأمين الحياة وتيسير العيش ، وهو حق عام : أنجمع بين الحقين أو نفرق بينهما ؟

إنهما مذهبان في الاجتماع بينهما من الفرق بون بعيد ، وإنه لفرض علينا في هذه الحقبة من تاريخنا الاجتماعي أن نعرف ما تأخذ منهما وما تدع ، ليعرف كل فرد واجبه على الدولة وتعرف الدولة واجبها . إننا اليوم في فترة من التاريخ توجب علينا أن يكون لنا مذهب اجتماعي ثابت الأساس محدود للغاية ، لتمضي فيما نعالج من شئون الإصلاح

على نور وبصيرة ؛ وإن أهم مشاكلنا الاجتماعية اليوم هو الفقر ؛ ولا سبيل إلى علاج هذه المشكلة قبل أن نعرف المذهب الاجتماعي الذي نذهب ؛ فإذا اتفقنا على الأساس فلن يضرنا شيئا أن نختلف على الوسائل .

"قاف"

اشترك في نشرتنا البريدية