الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 274الرجوع إلى "الثقافة"

أدب الأسبوع...، " هذا رأيي وعلي تبعته وحدي . . "

Share

كلنا كده !

قال لي صاحبي وقد رآني على باب الحديقة في الطريق إلي مسرح الأزبكية ذات مساء : " أين تقصد ؟ " .

قلت : " أتراني غير خليق بأن اكون في هذا المكان ؟ "

قال : " ستجد جواب ما تسألني بعد ، ولعلي ان ألقاك عند باب الخروج !"

. واتخذت مكاني وتأهبت لأن أشهد " الكوميديا " الأخلاقية المصرية " كلنا كده " كما يسمونها وكما يصفون ، وتوقعت أن أجد علم ما لم أعلم ، وحقيقة ما لم ار ، وان أظفر باللذة والفائدة جميعا ، وماذا اتوقع ان اجد غير ذلك في تمثيلية عنوانها " كلنا كده " يشترك في تأليفها سليمان نجيب ، وتمثلها " الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقي "؟. .

وشهدت الرواية . . " كلنا كده  " : ليت شعري ما دلالة هذا العنوان في نفس قارئه وماذا يفهم منه ؟ .

أتراه يدل على شيء في نفسه غير أن ثمة " رواية " يحاول مؤلفها وممثلها أن يصور - على وجه ما - صورة من حياتنا التى نحيا ، ويشخص صفة من صفاتنا العامة التي تتسم بها ، ويبرز خصيصة من خصائصنا الذاتية لا تكاد تتخلف في فرد منا ؟ . . بلي ، هذه دلالة ذلك العنوان وهذا مفهومه ؛ لم افسره كما بدا لي وحدى ، ولكنهم على ذلك الوجه وحده يريدون ان يفهمه الجمهور ، وعلى ذلك الوجه وحده يتأدي معناه اللغوي ؛ فأين صورتنا الحية ، وصفتنا العامة ، وخصيصتنا الذاتية فيما شهدت

من حوادث هذه الرواية ؟ . .

زوج شاب تفاجئه زوجته الشابة بين ذراعي امرأة ، فتغضب وتثور وتزمع القطيعة ، والزوج الشاب لا يجد في فعلته ما يدعو إلي الغضب والثورة والقطيعة!

ويعلم الأب بما كان فلا يثور ولا يغضب ، ولكنه يضحك ملء فمه ساخرا من ولده ، لان امرأته " ضبطته متلبسا " ، ولو كان ابن أبيه لما ضبطته

ولم تكن الزوجة بريئة ، فقد كان لها - كزوجها - عشيق تمنحه بعض ما تمنح الزوج ؛ ويعلم حموها بذلك ويشهد شواهده ، فلا يثور ايضا ولا يغضب ، ولكنه يضحك في هذه المرة شامتا ، ويمضى يلتمس الاسباب إلي اللقاء بينها وبين عشيقها ، في داره ، ومحت سقف بيته ؛ ليرضى بذلك مزاجه الفني " في السخرية والشماتة ، أو ليخلق به فضيحة جديدة يجعلها سببا إلي الصلح بين ولده وزوجة ولده!

وحتى العمة العجوز وزوجها الكهل ، لم تكن حياتهما - على ما بينهما من أسباب الألفة واتحاد الهوى - بعيدة عن هذه الفضائح ؛ فللعمة العجوز ذكريات لا تجد حرجا في حكايتها لزوجها لتثير غيرته وتجدد حبه ، فلا يكاد زوجها المغفل يسمع ما تقص عليه حتى يهم بشيء. . ولكنها تلمح له ببعض ما تعرف من سيرته التي يحاول ان يخفى ، فيهدأ من غضب ويسكن من ثوران !

ديوثون وبغايا : هذه هي القصة ، وعنوانها كلنا كده . وكلما حاول محاول منهم او منهن ان يعتذر من خطيئته ، لم يجد عذرا يعتذر به إلا أن يقول : كلنا كده

أفكلنا كذلك حقا ، أم هو إيحاء لكل من يشاهد هذه القصة بأن يكون كذلك ؟ . . أم هو لهو ولعب لا يقصد به إلا إضحاك الناس ، ولا اهتمام بما يترك من أثر في أوهام الناس وفي أخلاقهم العامة ؟

يقول الأستاذ محمد حسن بك مدير الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقي في حديث له بالمصور مباهيا : لقد كان صافي أرباح الفرقة في ١٨ شهرا ١٨ ألف جنيه ! فهنيئا للفرقة المصرية هذا الثمن إن كان كل ما يعنيها من حساب الربح والخسارة هو أن تعمر خزائنها بالمال!

. . ولم ألق صديقي عند باب الخروج لأجيبه جوابي ، فلعله كان يعرفه!

الدنيا ماشية كده !

. . وكأنما نسيت ، كأنما نسيت ما سمعت وما شهدت ثمة ، فذهبت في المساء التالي إلى مسرح الريحاني لأشهد رواية " الدنيا ماشية كده ! " .

ولنجيب الريحاني فن ومذهب ، قالوا : وله فلسفة ونقد صارم في أسلوب من الفكاهة يجلو صدأ النفس ويزيل الوحشة . وصدقت ما قالوا !

والرواية من تأليف الزجال بديع خيري ، قالوا : وبديع خيري رجل مهذب ، وله ازجال تدعو إلى الفضيلة وتحض على البر ، وقد شهدت له روايات . وقلت لنفسي : لعلي اشهد في رواية " الدنيا ماشية كده " من ادب بديع خيري ومن فن نجيب الريحاني ما ينسبني بعض ما شهدت في مسرح الفرقة المصرية " الرسمية " ويصحح في مرأي العين وفي وعي النفس ، صورتنا الحية ، وصفتنا العامة وخصيصتنا الذاتية ، وأري الدنيا كيف تمشي . .

واتخذت مقعدي من الشرفة ، ورفعت الستارة معلم في مدرسة حرة ، مؤمن بالمثل الأعلى ، صادق النية على النفع العام ، قانع من رزقه بالقليل ، لا يرى له واجبا في الحياة إلا أن يعمل ، ولا حقا له على الناس إلا ان يعيش . .

ولكنه على براءة نفسه ، وطهارة ذمته ، لم تزل تتكاءده عقبات الحياة يرتطم بها عقبة بعد عقبة ، وهو ماض على نيته فقيرا من المال ولكنه غني بالفضائل . .

ولا تزال الحياة ماضية به على وجهه وهو يقاوم حتى ينفد جهده ، فإذا هو طريد شريد لا مال معه ولا عمل له ، ويذهب يلتمس اسباب الرزق الحلال ، لا يطمع إلا في قروش معدودة يقيم بها نفسه على الحياة . وينفتح أمامه باب فيلجه ، فاذا المال ، والجاه ، والحياة الرغدة ؛ ويقبل على كل أولئك جذلان مغتبطا لا يكاد يصدق انه يري بعينين ويسمع بأذنين ، ويغترف الغرفة الأولى من ذلك النهر الفياض ، فلا يكاد يدنيها من فمه حتى يشم لها ريحا خبيثا ، فينفض يده من ذلك كله ويولي ظهره معرضا عنه في إباء ؛ إنه لا يريد الغني ، ولا الجاه ، ولا السيادة ، إلا من الطريق الحلال ؛ إنه لا يريد ان يبيع شرفه بالمال ، تلك صفقة خاسرة ! ويقهقه الشيطان ساخرا ، ثم يقوده من يده مذعولا لا يكاد يعي ، فلم يزل يعرض عليه مفاتنه ، وينفث في أذنيه من سحره ، حتى يخضع ويستكين . .

وغش ، ونصب ، ودلس ، وصمت حين كان ينبغي أن يصمت ، وباع ضميره للشيطان ، واختبأ الشيطان خلف الستارة يحركه حيث أراد يمنة ويسرة ، فلم يخالفه في أمر ولا في إشارة . وأقبلت عليه الدنيا متبرجة في أحفل زينة تخطب وده!

ومضت بضعة أشهر بلغ فيها مبلغا لم يكن يحلم به ، فنسي ما كان ، وسعى إليه ممن كان يجفوه ، وتقرب إليه من كان يبرأ منه ، وترامى تحت قدميه من كان يشمخ عليه ، وسار العالم الأريب الوسيم بعد الجهل والغباء والدمامة ، ولم يبق له في الناس عدو ولم يكن له فيهم حبيب ، إلا شخصا واحدا : ذلك معلم آخر ، كان مثله مؤمنا بالمثل الأعلى ، صادق النية على النفع العام ، قانعا من رزقه بالقليل . وجاءه يسعي بين الساعين بالثناء والتكريم ، يلحاه وينكر عليه . ذلك رجل واحد !

وتعاقبت الصور على المسرح كما تتعاقب أحيانا في الحياة ، مقبلة ومدبرة ، وكان رأي الناس - بين إقبال الحياة

وإدبارها - مختلفا ، والمعلم الثابت على إيمانه يشهد، ويسمع ، ويري ؛ وامن إيمانا جديدا بما شهد وما سمع ورأي ، وأيقن أن هذه هي الحياة ، فكفر بما كان يؤمن ، وقال لصديقه الذي حاء يلحاه : هاك يدى ! وتمت الصفقة ، وصدق الشيطان علي المبايعة ، وانضم المجاهد الاخير إلي الحزب الغالب!

" الدنيا ماشية كده " : لا شرف ، ولا صدق ، ولا أمانة ، ولا إخلاص ، ولكن المنفعة حيث تكون وبأي وسيلة تكون: هذه هي القاعدة !

وقلت لنفسي وقد تخلصت من جو المسرح لاتنسم نسيم الحياة : اهذه هي الدنيا حقا ام هي الوان من الإيحاء بالمنكر والفاحشة ؟

ألا ليتني أدري!

ألوان من الايحاء

وجلست الليلة إلى مكتبي وبين يدي صحائف منشورة فيها صور وفيها كلام ، ورأيت وقرأت ، فلم أزدد إلا حيرة ، ولم أجد سؤال جوابي

ديوث وبغي : كلنا كذلك ؛ هكذا تصورنا الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقي

غش ، وتزوير ، وكذب : الحياة كذلك ؛ هكذا يقول الريحاني ويديع خيري

نساء بلا عفة ، ورجال بلا نخوة ؛ هذه هي الطبقة الراقية كما تصورها مجلاتنا وكما تصفها !

أهذا هو المجتمع المصري الذي نعيش فيه اليوم ، أم هو المجتمع الذي يتعاون هؤلاء السادة من اصحاب المجلات وأهل الفنون على أن يكون ؟

قد تكون هذه الصور كلها صحيحة صادقة التعبير عن رجل وامرأة وأسرة ومجتمع ؛ ولكنها ليست صورتنا جميعا ، ولا صورة الكثير منا ، ولا صورة القليل ؛ فلماذا يحرص هؤلاء السادة على التعميم في الوصف والإشارة ؟

إنهم مصرون جميعا ، صادقو الوطنية فيما أزعم؛ فماذا يحملهم على الإلحاح في التشهير بالمصريين على هذا الوجه الكريه ؟

أتراهم لا يفرقون بين الخير والشر ، ولا يقدرون نتيجة ما يصنعون ؟

أم تظنهم - كما يزعم قائل منهم - يريدون اصلاح الفساد بإبرازه في اقبح صوره تنفيرا منه ؟ فما اشبههم بمن يريد أن يزيل البقعة السوداء من الثوب الأبيض بتسويده جميعا!

إنه إيحاء ، إيحاء مقصود أو غير مقصود ، ليس له إلا نتيجة واحدة ، هي شيوع الفاحشة وتهوين الرذيلة ؟ وليس له إلا معنى واحد ، هو التشهير بالامة وتشوبه صورتها في أعين الأعداء والأصدقاء !

اشترك في نشرتنا البريدية