اقرأ ...
أتمت سلسلة " اقرأ " التي تصدرها مكتبة المعارف ، سنة من عمرها المديد إن شاء الله ، أصدرت فيها اثنتي عشر كتابا لأني عشر كاتبا من حيرة كتابنا واذ تبعهم شهرة وأدناهم إلي قلوب القراء وانفذهم أثرا في قلوبهم وعقولهم ؛ وإنه لحق علينا في هذه المناسبة أن تحسي هذه " المجلة " الفاشئة ونرجو لها اطراد التقدم على النهج الذي أرادته ورسمه لها القائمون عليها من أهل الفن والأدب الرفيع ، فهي على أي أحوالها ثروة أدبية مريحة ، ما دام الغرض الأول من نشرها تجيب الكتاب إلي قارئه ، واجتذاب طائفة من أهل الفراغ والبطالة إلي أن يشغلوا فراغهم بالقراءة التي تراوج بين المنفعة والنسلية ومحاولة إزجاء الفراغ ، ثم تقريب طائفة من حقائق العلم والفن الخالصة إلي طائفة من القراء ليس لهم فيها تخصص يعينهم على الرجوع إليها في مصادرها الأولى من مراجع البحث ومطولات العلوم والفنون . وإذ كان هذا هو الغرض الأول من نشر هذه السلسلة ، فليس من حق - في هذه المناسبة - أن أعرض لتفصيل الرأي فيما أخرجته لقرائها في ذلك العام المنصرم ، فإن أول ما نشكو منه في هذا البلد هو انصراف المتعلمين عن القراءة النافعة ، فأيهما كاتب أو ناشر عمل عملا لا جنئات هذه العلة فهو مشكور على ما عمل في جملته ، لا سبيل للناقد عليه إلا فيما يقول من قول أو يري من رأي أو يدعو من دعوة تتناول الأمة في دينها أو في كرامتها الوطنية أو في أخلاقها العامة .
الحصان والجوكي !
ودعت سلسلة " اقرأ " جمهور قرائها - وكتابها -
إلي استفتاء عام - لمناسبة دخولها في سنتها الثانية - وسبقت بينهم جائزة ؛ أما الاستفتاء فهو : أي الكتب التي أصدرتها في السنة الماضية - ما عدا الكتب الثلاثة الأولى وهي من وضع أعضاء اللجنة - ينال رضا الأ كثرية من القراء ؟ وأما الجائزة فهي ٧٠ جنيها لمؤلف الكتاب الفائز ، و ٣٠ للقارئ الذي يفوز الإقتراع من بين القراء الذين اختاروا ذلك الكتاب ! ..
. . وتمنيت حين قرأت هذا الاستفتاء الطريف لو كنت - في السنة الماضية - كاتبا من كتاب هذه السلسلة ، إذن لكان لي اليوم مطمع في أن أربح سبعين جنيها ، وإنها لعال!
قال لي صاحبي : إن لم تكن كاتبا يفوز بالسبعين فإنك لاتستطيع أن تكون القارئ الذي يطمع في الثلاثين . وإنك تملك ان تري وتحكم فلا تعدو الحق فيما تحكم ! . .
قلت : هيهات ! ليس من ذلك عجبى وما اتمنى ، وإنما عجبى من الجانب السلبي والجانب الإيجابي في هذا الاستفتاء ؛ فذلك مؤلف قد فرغ مما كان عليه من واجب ، قد كتب ما كتب ثم عليه وذاع منذ أشهر ، فإنه الجالس إلي مكتبه في داره لا يفكر في شئ مما كان حين يدق عليه ساعي البريد بابه في غفلته ليدفع إليه سبعين جنيها هي جائزة قرائه ...
وهؤلاء آلاف من القراء يضطرعون على الرأي في الكتاب الأول ، وإن لكل منهم مطمعا في الثلاثين قد يحمله على أن يكون له تسعة آراء لارأي واحد ، فيري كل كتاب من التسعة خير كتاب ، ليضمن أن يكون اسمه في كل اقتراع ؛ ثم تكون نتيجة ذلك كله أن يحصل على الثلاثين قارئ واحد من بين هذه الآلاف ..
أرأيتهم في هذه المباراة قد سبقوا بين المؤلفين أو بين القراء ؟
وضحك صاحبى وقال أرأيت " الجوكي " على فرسه في حلبة السباق قد لوي معرفة الحصان على كفه وإن الموت ليتربص " به كل عثرة وفي كل حفرة وعلى كل
منحدر وثنية ، وإن أنفاسه المبهورة لتتكاتف عرقا على جياشة وتتلهب دما في فخذيه ،وما يزال الحصان يعدو به حتى يبلغ غايته فينزل عنه . . وأرايت هذا "الجوكى " مرة في حلبة السباق على ما وصفت لك من حاله ؛ كم يناله من ريح هذا السباق وكم ينال المارة وكانوا على كراسهم هادئين يرقبون بعيونهم ولا يكادون يتحر كون ؟ . .
قلت : فأنت تري القارئ في هذا الاستفتاء هو " الجوكي " : عليه أن يبذل الجهد ولغيره الجائزة ؟
قال : لا ، ليس الفرس والجون إلا المؤلف وقارئه ، وإنما الريح للآخرين ، ليس للنظارة وإنما هو لباعة التذاكر على باب السباق !!
قلت : لم أفهم بعد ! قال : هو ذاك ، ولو قد فهمت اسألت نفسك سؤالا آخر . . .
ديمقراطية الأدب !
. وسالت نفسي وقد مضي صاحبي لوجهه وخلفي في حيرة : ما تسفع هذا الاستفنا المؤلف ، والقارىء وللأدب العام ؟ . . وما نسفع السباني للفرص ، وللجوكي ، وللآخرين والأخريات ؟ . .
أما الناشر فإنه ليدري ، إنه ليعرف كم طبيع من كل كتاب وكم باع ، وإن له " عداده " الذي يعرف به علي التحديد أو على التقريب أي الكتب التي أصدرها قد نال رضا الأكثرية من القراء ؟
وأما المؤلف والقاري فلست أدري ماذا يعنيهما من جواب هذا الاستفتاء إن كان الذي يعنيهما غير الربح والجائرة ! .
. . إني لأحشي أن ننتهي من أمثال هذه المباريات في الأدب - إن كان المقصود منها شيئا غير الإعلان - إلي نتيجة لا يرتفع معها قدره ؛ فلم يكن ميزان الأدب في جيل من الناس هو حكم الرأي العام ؛ فإنا حقيقة الأدب الرفيع أن يكون إلهاما روحيا خالصا تنتزل به الحكمة
على الطبقة الممتازة من أهل الفكر والبيان لتوحي بهم وتعلم ويرفع الشعب فوق قدره وتسمو بوجدانه ونفسه ؟ فإخضاعه لحكم العامة وأشياء العامة من القراء بأمثال هذه المباريات ، نزول به عن موضعه ونزول بأهله عن مكانتهم . بل لعل أرفع الأدب مكانا وأعلاه موضعها فى أبعد عن رضا العامة ؛ فلو قد جعلنا حمكم القراء هو النزان وهو الحكم لكان ذلك حريا بأن يحمل طائفة من أصحاب الأفلام علي التماس أسباب النجاح بما يزدلفون إلى العامة من فنون القول التي تطرب لها نفوسهم ويجدون لها روساء فى أفئدتهم ونشاطا في ابدائهم وقوة في دمهم ، وتقود الجماهير الأدباء وكان حق الأدباء أن تكون لهم القيادة . .
. . . وعاد صاحبي بعد فترة ، فسألته وسبقت إلي الجواب ، وعادت إليه ابتسامته عريضة منبسطة وهو يقول : ما أسرع ما انتقلت باصدفي من رأي إلي رأي ثم أسألك هذا السؤال وإني لأعرف جوابه ولا اشك أنك تعرفه مثلي وتتيقنه ، ولكني أردت ان اسأل : أيكون ذلك لونا من الديقراطية التي نصطنع أساليبها في كل ما نعالج من فنون الحياة فنحن نريد الأدب ديقراطيا يخضع للرأي العام وبتكيف كيفه ويوافق هواه ؟ ...
قلت : ومتى ! أهذه ديمقراطية الأدب فيما نحسب ؟ . . لا إن أساس الدغقراطية هو أن تحاول ابدأ ان ترفع الشعب لا أن تنزل به فليس الأدب الديمقراطي هو ما تزنه العامة ، ولكنه هو ما بنشئه الأديب ليسمو بعامة الشعب إلي حقيقة الإنسانية العالية ويرتفع بهم إلي أعلى حد من الكمال الممكن .
المختار :
وأصدرت سلسلة " المختار " من مجلة ويدرز وايجست " أربعة اجزاء ، منذ أصدرت طبعتها العربية ، وإنه لفرض علينا وقد تحدثنا عن سلسلة "أقرأ " أن نتحدث عن " المختار " لا نتحدث عما يتناوله من موضوعات العلم
والفن ، ولكنا نتحدث عن أثر ذلك النوع من " المطالعات " في أدب الجيل .
وإنما ربطنا بين الحديث عن " اقرأ " و " المختار " لأن ثمة تشأبها ما في الشكل العام وفي الآثر والنتيجة يقتضي هذا الربط على بعد ما بينهما في الموضوع والوحدة . . فكلاهما نوع جديد من المطالعات الدورية ليس من الكتاب ولا من المجلة وإن كان ادنس منها إليهما . وقد أقبل القراء على هذا النوع إقبالا يدعو الباحث إلى تعرف أسبابه وما قد يكون له من أثر ونتيجة ؛ أما السبب فيما أرى فهو مستمد من روح العصر الذي هون على الناس أفرادا واسرا أن يهجروا الجلوس إلي المائدة في البيت المهيأ ليتتناولوا طعامهم ماشين أو را كبين أو واقفين يقضمون " الشطائر " وهم يتبادلون الرأي في شئون العلم أو في شئون المال ، وكذلك هان عليهم أن يهجروا الكتاب والمجلة إلي هذه المطالعات يرودون منها يما تراهم ماشين أو راكبين أو واقفين في انتظار الترام !
ذلك هو السبب ؛ فما نتيجته واثره ؟ أما أثره فل المربض الممدود من أهل المدينة عن سبب علته ، تعرف السبب والنتيجة معا ، لقد فسدت مبعدات الناس في المدينة وساء هضمهم واختل نظامهم العصبى من أكل الشطائر ماشين أو راكبين أو اقفين حيث كانوا ؛ فما بد أن نفسد " مبعداتهم الأدبية " إن اقتصر القراء على هذا النوع الواحد من الغذاء الأدبى يتناولونه في القطار أوفى السيارة أو في الترام فلا يجلسون إلي كتاب في مكان هادي إلا متأعبين لامتحان أو لإنشاء بحث ؛ كما لا يجلسون إلي مائدتهم يوما في الدار للطعام إلا داعين أو مدعوين أو محتفلين بعيد !
ولو أن الأمر مضي علي هذا الوجه لجاء اليوم القريب الذي يختفي فيه الكتاب من سوق الأدب فلا تبقى إلا هذه " الشطائر السوفية " متعددة الألوان مختلفة المذاق متنوعة الفنون يعرضها العارضون على كل عين وراء الزجاج ، تتناولها الابصار والأيدي ، وما فيها غذا ، ولا دسم ولاشبع
من جوع ! ويؤلف المؤلف العظيم - كما يذبح الديك الرومي - فلا يقرؤه إلا قارئ واحد ليلخصه في بضع صفحات من مجلة بقرؤها مئات الألوف واقفين أو ماشين أو راكبين ، كما يوزع بياع الشطائر لحم الديك الرومي في بضعة أيام على الآلوف من الآكلين يقول كل واحد منهم : لقد أكلات الديك الرومي ؛ وما أكل إلا شطيرة !
ويعود الكيتاب ذكري ، ويصبح الأدب مسلاة ، ويصير الأدباء أجراء عند باعة الشطائر !
خطبة !
قرأت في جريدة الأهرام : " في حفل بهيج تمت خطبة فلان بكلية العلوم لزميلته الآنسة المهدية فلانة كريمة فلان بك ...."
وهو إعلان مأجور - كما هو واضح - دفع عنه ناشره ، أو ناشرته ، الآجرة المقررة وكتب كما أراد ان يكتب لم يزد فيه أحد حرفا غير ما أراد ان ينشر ؛ ولكن أي شئ في هذا ؟ ..
. . فيه أن طالبا بكلية العلوم خطب " زميلته " . وأي شيء في هذا أيضا ؟
. . لا شئ ؛ فإنه لما يسر ويهج حقا أن يكون هذا مصير الزملاء وزميلاتهم في كل كلية من كليات الجامعة ، وإنه ليقطع السنة ما تزال تتطاول . . ولكن الذي أسأل عنه : أي الاثنين ناشر هذا الإعلان ؟ وأبهما خطب " لزميله " ؟ ولن نشر هذا الإعلان : ألهما وحدهما ؟ أم لسائر الرملاء والزميلات ؟ أم للآهل والأقارب وفلان بك والداتا خطيبة الزميلة ؟
وحاولت أن أعرف الجواب فما بلغت ، ولكني إلي ذلك مسرور ، مسرور جدا ، وكان أتم لسروري لو أن هذا الإعلان البهيج كان على الصورة الآتية :
" يعلن فلان الطالب بكلية العلوم إلي زملائه وزميلانه بالكلية ، أن زميلته فلانة قد صارت منذ اليوم خطيبته ، فلا يتعقبهما أحد منفرد بن أو مجتمعين في ظلال الشجر ، ولا يجعلهما أحد بعد اليوم موضع الحديث والسمر ! ! "

