الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 317الرجوع إلى "الثقافة"

أدب الجهاد فى سبيل الله

Share

- 3 -

كان " عبد الله بن عباس " ( رضى الله عنه ) يسمى سورة الأنفال " سورة بدر " ( ١ ) ، ذلك لأنها - كما رأينا - نص فى موضوع تلك الوقعة التى كانت مفتاح الحروب بين المسلمين وخصومهم ، والتى أفاد المسلمون من انتصارهم فيها ثقة واطمئنانا كان لهما كبير الأثر فى المعارك التالية .

وسورة " آل عمران " - ولعلها السورة التى نزلت بعد الأنفال - تعالج موضوعين رئيسيين : أحدهما محاجة أما الكتاب ، والثاني غزوة أحد (٢) . وقد يبدو أن الموضوعين منفصلان . والقرآن من هذه الناحية أنماط : فمنه ما يعالج موضوعا واحدا لا يستطرد منه إلا يسيرا كسورة " الأنفال " و " براءة " ، ومنه ما يعالج أكثر من شأن كسورة " البقرة " غير أنه يبدو لي أن هناك جهة اتصال بين الموضوعين اللذين تعالجهما " آل عمران " ؛ فقد كان

أهل الكتاب - ولا سيما اليهود - الجبهة الثانية التى لم يكن للرسول مناص من أن يوليها عناية وحذرا . والمفسرون وكتاب السيرة بذكرون أن فريقا من اليهود قد بدأوا يلعبون ألاعبهم بعد وقعة بدر ، وينقضون الحلف الذى عقده الرسول معهم ، وأن الرسول قد جمعهم في سوق بنى قينقاع وحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش ، فقالوا : لا يغرنك أنك أصبت أغمارا لا علم لهم بالحروب ( ١ ) لئن قائلتنا لعلمت أنا نحن الناس ، فأنزل الله فى الرد عليهم والتهوين من شأنهم : " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد . قد كان لكم آية في فئتين التقتا ( يوم بدر ) فئة تقائل في سبيل الله ، وأخرى كافرة ، يرونهم مثليهم رأى العين ، والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار " ؛ ثم أكد الله المؤمنين قلة خطر أهل الكتاب فى القتال ، وحذرهم مغبة الركون إليهم ، فقال : " لن يضروكم إلا أذى ، وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار

ثم لا ينصرون . ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ، وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون " . " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ، ودوا ما عنتم ، قد بدت البغضاء من أفواههم ، وما تخفي صدورهم أكبر .... ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ، وتؤمنون بالكتاب كله ، وإذا لقوكم قالوا آمنا ، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ... إن تمسكم حسنة تسؤهم ، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ، إن الله بما يعملون محيط " .

ولعل هذه السيئة التى فرح بها الشامتون المقنعون إنما كانت هزيمة المسلمين يوم أحد ، وهي الموضوع الذى تنتقل إليه السورة بعد ما سبق مباشرة . والآيات هنا تعرض من فن القرآن ما يروع بتصوير وبروق مجاله ؛ وتثبت ما قصدنا إلى إبرازه فى هذه السلسلة من المقالات ، وهو جلال القرآن فى تسجيل أحداث الدعوة الإسلامية ، وبلوغ أسلوبه فى الروعة والتأثير حدا بقصر دونه التطاول . والواقع أن نظم القرآن يسير وهذه الأحداث سيرا فنيا بارعا مطردا ، يصور دقائق شئونها ، واختلاف حظوظها ، ويستخرج من

كل هزيمة فيها او انتصار فر صصة لتثقيف المسلمين وتوجيههم إلى معالى الامور . فهذا " محمد " يوم أحد - وقد غدا من أهله يبوىء المؤمنين مقاعد للقتال ، وهذه رحى المعركة تدور ، وسهم طائفتان من المؤمنين أن تفشلا - والله وليهما ! ولو توكل الجميع على الله لكفاهم ، أليس قد نصرهم ببدر وهم أذلة ، وأمدهم بالملائكة مسومين ، ليكون ذلك بشرى المسلمين ولتطمئن به قلوبهم !.

ثم يشج الرسول وتكسر رباعيته ، فيمسح الدم عن وجهه ، ويهم بالدعاء على أعدائه ، فيخاطبه الله أن ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو بعذبهم ، فإن له ما فى السموات وما فى الأرض . ويحزن المسلمون لما أصابهم ، وتنخلع قلوبهم لما ارجف به المرجفون من موت الرسول . ويكاد فريق منهم ينقلب على عقبيه فينزل عليهم عزاء الله وتثبيته ، وتتكشف لهم بعض حكمه فيما يصبب ( عباده من محن وتمحيص ، ويتحول الموقف من هزيمة مادية عارضة إلى نصر معنوى خالد .

اقرأ آيات القرآن في هذا الموضوع تركيب تتقنن فى تصوير ما حل بالمسلمين ، مترفقة فى تصوها ، مبينة أسباب الهزيمة ، مداوبة جراحانها ببلسم العفو والأمنة ، معالية حينا ، وملتمسة المعذرة للمسلمين حينا آخر ؟ كاشفة القناع عن خداع المنافقين ؛ مبرزة رفق الرسول ولطف قلبه ، ولينه

مع صحبه ، ناصحة له أن يعفو عنهم ، ويستغفر لهم وبشاورهم فى الأمر ؛ مبينة جلال الصبر والاحتمال عند المسلمين الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ، فخرجوا فى طلب المشركين ، ولم يبالوا بما جمع لهم الناس ، بل زادهم ذلك إيمانا ، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل .

أرأيت كيف نجىء العبارة أسلوبا ولفظا وموسيقى وجرسا على قدر الموقف ووفق مقتضياته ؛ أرأيت إلى العزاء المطمئن للنفوس المثير لروح العزة فى " ولا تهنوا ولا يحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " ثم إلى تقرير قاموس الحياة فى " إن يمسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ، وتلك الأيام تداولهما بين الناس " ؛ وإلى النقد الساخر فى " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون " ! وإلي تعليم المسلمين كيف ينظرون إلى الرسالة وصاحبها فى نظام الوجود الأكبر فى " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " !.

استمع إلي العزة والجلال يتكلمان فى " ولقد نصركم الله يبدر وأنتم أذلة " . " وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم " . . ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم " .. " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا " .. " قل لو

كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " . " ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون " ... " قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين " .

تأمل فى غضب اللطيف ورحمة الجبار وتأديب الكريم فى قوله " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه . حتى إذا فشلت وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ، ولقد عفا عنكم ، والله ذو فضل على المؤمنين . إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ، والرسول يدعوكم في أخراكم ، فأثابكم غما بغم ، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ، والله خبير بما تعملون " الآيات إلى آخر السورة .

هذا التصوير الأدبى - كما يرى القارئ - تصور شامل يتناول خفايا النفوس كما يتناول ظواهر الأمور . وبصف المسلمين ثابتين ومنهزمين . كما يصف المنافقين قاعدين ومعوقين ؛ يؤنب ويصفح ؛ ويعتب ويؤدب ؛ كل كل ذلك فى صياغة فريدة ، لا نهاية لنواحى الروعة والجمال فيها ، تمتع العقل والحس معا ، وتشبع الذوق أيما إشباع . ومن المفيد والطريف معا أن نضع بجانب هذا التصوير قصص السيرة وشعرها فى مثل هذه الموضوعات ، لنرى مقدار ما أشرت إليه فى أول

هذه السلسلة من التفاوت البين بين القرآن وغيره من فنون الأدب ، ثم لنرى كيف تؤلف ثلاثة الفنون مجتمعة مصادر وحى وإلهام لأدب عربى تمثيلى من الطراز الأول . وإن كتابا يقوم على هذه النواحى ، ويحاول مع ذلك أن يتناول بالتحقيق والنقد ما أوردت كتب السيرة من شعر ( ١ ) ، لخليق أن يضيف ناحية طريقة إلى دراسات السيرة ، وبابا جديدا من أبواب البحث القرآنى ، تتصل فيه سلسلة الدراسات التى قام بها العلماء فى مختلف الأعصار الإسلامية على أمثال القرآن ، وأقسامه ، وجدله ، ومبهماته ، وقصصه ، وما إلى ذلك من جهائه التى لا ينضب معينها .

ولقد كان مما يسهل تحقيق هذه الفكرة أن توجد لدينا مراجع تعين على ترتيب القرآن حسب نزوله ( ٢ ) ، أو حسب موضوعاته . فأما وذلك غير موفور ، فالطريق - إذا - دراسة القرآن نفسه دراسة فاحصة ، ثم التنقيب فى كتب السيرة وفى التفاسير والصحاح ، والاستعانة بكل ذلك على

جمع النصوص القرآنية فى هذا الموضوع متتابعة متسلسلة ، حتى تتحقق الفائدة الأدبية والتربية التي نتشدها . ولعل من أوائل الصعوبات فى هذا أن أغراض القرآن كثيرا ما تكون متداخلة مترابطة ، وليس من الميسور فى كل حالة تحديد النصوص الخاصة بهذه أو تلك من الغزوات . ثم هناك من السور ما يتناول مسألة القتال تناولا عاما ( 1 )

فلا يشير إلى حوادث بذاتها يمكن من طريقها ربط السورة بفترة محددة أو موضوع معين من مواضيع الجهاد .

( للبحث بقية )

محمد خلف الله

اشترك في نشرتنا البريدية