]مهداة إلى شاعر العروبة أحمد محرم[
توطئة :
من أبرز ميزات الأدب الحى تعبيره الصحيح عن أفكار الأديب الشخصية وخوالجه النفسية ، فهو مرآة صادقة فى كمال تعبيرها ، وزهرة نشم منها رائحته الخاصة ، إلا أن الأديب يحتاج إلى الخيال ليزيد القراء معرفة بطيب عبيرها . والمرآة تبرز الملامح والمظاهر ، والأدب يزيد عنها فى أنه يصور خواطر النفس كما يسجل اختلاجات الحس ، وقد يتعدى هذا المحيط الضيق ، فيكون الأدب مرجعا لصدى حالة خاصة تعترى المجتمع ، وهو فى كل معبر عن أفكاره وآرائه ، وإن كان تعبيره جاء ضمنيا عن
المجتمع الذى يتأثر ببئته ؛ ويكون التعبير صحيحا إذا كان الأديب يجارى تيارات المجتمع الفكرية ، وإذا كان المجتمع يجاريه . . ومن هنا يأتى الفرق بينه وبين آخر نصب يوفا لحزب أو فكرة ، وهو لا يؤمن برسالة تلك السياسة أو صواب تلك الفكرة ، فيخرج أدبه بثوب كالكفن ، قد يكون مبهرجا فيغر ، ولكنا لا يمكننا أن ننسى أنه مهرج يضل ، لا أديب يفتن ، وأن تلك الألفاظ قد خرجت من قبر قبرت فيه معانيها قبل أن يسطرها ، كصفاف المطبعة يصف حروفا من حديد ، فهى وإن أدركت مبانيها ولكنها هى فى معانيها ميتة .
وقد لا تقف على ناحية كان لها تأثير واضح ، مثل ما كان للحرب على فنون الأدب ، وتعلل ذلك بسببين :
أن الحرب تبعث المشاعر الانسانية الكامنة فى الانسان من رغبة ورهبة ، وأمل ويأس ، وسرور وألم ، وشجاعة وجبن ، وأنين وحنين ، وأوهام وأحلام ؛ إلى غير ذلك من المشاعر والخواطر التى يبعثها تعاقب صور الحوادث فى الحروب على مسرح فكره ، ومؤثراتها على بوتقة حسه ، تعاقب شريط سينمائى فيه مشاهد من الآمال والآلام مضطربة بين الوضوح والابهام . . .
والسبب فيها تقع عليه من أدب حى كان صدى للحروب أن الأديب فى الغالب ينحو فى كتابته المنحى الواقعى ، لأنه يكون أبلغ فى النفس أثرا ؛ فبساطة التعبير والدقة فى سرد الحوادث التى لا تحتاج إلى إبهام الرمزية لها سيطرة على مناحى المشاعر التى لا يحتاج فى حفزها إلى كثير من السيطرة على مناحى البيان ؛ فقصة "كل شىء هادئ فى الميدان الغربى " ، وما أحدثت من ضجة فى الأوساط الأدبية والسياسية العالمية ، وما كان لها من ذيوع لم تسبق إليه قصة أو مؤلف عن الحرب أو غيرها ، حتى قيل إنه طبع منها أكثر مما طبع من الإنجيل من يوم طبعه ، قد ترك فيها مؤلفها الحوادث تتكلم فاستحالت سطورها خنادق تتحرك بالأجسام والبنادق . .
وقد نتساءل عن مدى تأثير ذلك اللون من الأدب المسمى بأدب الحرب فى الشعوب والشخصيات ، ولم نجعل الشخصيات مجارية للشعوب التى تعيش فيها لأنها قد تستقل بذلك التوجيه عنها ، ومن ثم تعمل هى على توجيهها بمقدرتها الخاصة التى يمكن لعامة الشعب أن يتذوقها ؛ ونقع على هذا النوع من أبطال التاريخ البارزين " اسكندر الأكبر " وهو ما نعرف بطولة وقيادة أما أى لون من الأدب كان له التأثير الأكبر على ذلك الكمى الفتى فهو أدب إلياذة هوميروس ، فقد كتب
له أستاذه أرسطوطاليس نسخة منها ، وشعر الالياذة شعر حرب وقوة ، فتمثل بأبطالها وحفظ أشعارها وترنم بها خصوصا ذلك البيت الذى يصف فيه أغامنون : مليك بأحوال السياسة عارف عزوم بصماء المعامع جبار
ومما يؤثر عنه أنه قال وهو واقف إلى قبر أخيل بطل الالياذة : " طوباك فقد أونيت منتهى السعادة بقيام شاعر كهوميروس يخلد ذكراك " (١). كما لا يمكننا أن ننسى أن من أهم الكتب التى كان لها التقدير النافذ لمصير الكثير من الشعوب كما كان لها التأثير المباشر على كثير من الشخصيات التاريخية المهمة .
القرآن الكريم - ترى فيه الكثير من أدب الحرب فهو يتحدث عن الغروات فى مواضع كثيرة مثل سورة الأنفال والتوبة والفتح عدا ما اثبث من الآيات فى كثير غيرها ، وسورة الأنفال حربية بحتة سجلت أهم غزوات الرسول (صلوات الله عليه) غزوة بدر وما يتعلق بها من غنائم وسبابا وأحكام ؛ فمنها : "ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار . ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير" ، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم . الله يعلمهم . وما تنفقوا من شىء فى سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون" ، ومنها أيضا : " يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال . إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين . وإن يكن منكم مائة بغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون" الخ .
ومن الذين خلفت الحرب فى أدبهم أثرا الكاتب
الروسى الكبير الكونت ليون تولستوى ، فقد التحق بجيش القوفاز بفرقة المدفعية ، وألف خلال تلك الفترة عام ١٨٥٢ م رواية الطفولية وهى أولى رواياته ، ومع ذلك نالت شهرة فائقة وعدها كتاب الروس من أنفس المؤلفات ، ثم كتب روايتى (القوفاز) و (الفاتحين) وفى عام ١٨٥٣ م سعرت نار حرب القرم فتطوع لها منضما إلى جيش الطونة تحت قيادة البرنس غورتشاكوف ، ثم نقل إلى حامية سيفاستبول قائدا لفرقة مدفعية ، وظل يحارب بكل شجاعة وثبات غير مبال بما يحيطه من أهوال ، حتى اضطر هو وفرقته إلى التقهقر تبعا للجيش الروسى ، وكان أثناء تلك المعارك الدامية يشجع الجنود ويحثهم على القتال والثبات . وفى أثناء حصاره مع جنده ألف رواية (سيفاستبول) وطبعت عام ١٨٥٤ فنال بها شهرة عظيمة ، حتى إن القيصر نيقولا حباه بعطفه فأصدر أوامره بابعاده عن مواطن الخطر خوفا على حياة هذا الكاتب العظيم ؛ وقد علق أحد النقاد الذين اعتنوا بدراسة أدبه على أثر تلك الموقعة فى نفسه بقوله : " إن الأيام التى قضاها تولستوى فى سيفاستبول أفادته تجربة وعلما ؛ إنه شاهد لأول مرة فى حياته الحروب وفواجعها ، ورأى جيشا يبلغ اثنين وعشرين ألفا يبيد تحت نيران المدافع المهلكة ، وسمع تأوهات الجرحى وأناتهم وقت إجراء العمليات الجراحية فى المستشفيات من غير استعمال الكلوروفورم ، وعلم أن الذى جنى عليهم هذه الجنايات الفظيعة وأوقعهم فى المخاطر والمهالك ، إنما هى الوطنية الكاذبة التى تلقنها لهم الحكومات بقصد التوغل فى الفتح والاستعمار وترف الأقلية الحاكمة ؛ لذلك ما كادت تضع الحرب أوزارها حتى استقال من الجيش مشمئزا ورجع إلى بطرسبرج ، وهناك قوبل بحفاوة تلائم مكانته الأدبية التى نالها بما كتبه أخيرا عن الحرب .
كذلك من أهم رواياته فى هذا اللون من الأدب
" الحرب والسلم " وكذلك نجده فى كتابه " الآفات الاجتماعية وعلاجها " يسرد أمثلة من أقوال المحاربين يصفون فيها فظائع الحروب ، فيقول على لسان ألمانى :
" شهدت غزوتين مع الحرس البروسى فى عامى ١٨٧٠،١٨٦٦ فمقت الحرب من صميم فؤادى لأنها كانت سببا فى تعسى وسوء حالى . إننا معشر الجرحى لا تحصل إلا على مكافأة حقيرة ، حتى ليستحى الواحد منا أن يذكر أنه كان وطنيا يوما ما ، فإنى مثلا أتقاضى تسعة بنسات فى اليوم نظير ما أصابنى فى ذراعى اليمنى فى موقعة سانت يريفا فى ٨ أغسطس ١٨٧٠ ، مع أن كلاب الصيد ينالهم أكثر من هذا الأجر ، وقد تألمت عدة سنوات من ذراعى التى جرحت مرتين ، وفى عام ١٨٦٦ م اشتركت فى الحرب ضد النمسا ، وقاتلت فى تروتينو وكوبنجرائز ، فرأيت من المخاوف والأهوال ما رأيت ، ثم استدعيت مرة أخرى فى عام ١٩٧٠ فجرحت وأصبت فى ذراعي اليمنى مرتين بالطول ، فاضطررت إلى ترك عملى فى أحد معامل الجعة ثم لم استطع الاشتغال فيه ثانيا ، إذ كنت قد عجزت عن المشي على قدمى ، فزالت سكرة الوطنية ولم يبق لذلك المجروح شىء فى الدنيا سوى المحافظة على حياتى والمعيشة عيشة المتسول الذى يستحق الشفقة والإحسان سدا لرمقه . لست أبالى فى هذه الدنيا التى يتسابق الناس فيها كالحيوانات المروضة طلبا للغنى ، أن يقال عنى أننى أحرف الكلم عن مواضعه . إننى أحب السلام الذى عبر عنه المسيح أبلغ تعبير فى موعظته على الجبل ، وأعتقد اعتقادا جازما بأن الحرب تجارة واسعة النطاق ، تجارة تبذل فيها سعادة الناس من أجل الطمع والقوة . أى أهوال لم نتكبدها من الحرب ؟ إننى لن أنسى تلك التأوهات الشديدة المؤلة التى سمعتها - الناس فى الحرب يفترس بعضهم بعضا كالحيوانات المتوحشة بلا ضغن قديم وعداء سابق ، ويدعون الله كى يشد (البقية علي الصفحة التالية)
أزرهم كأنه حليف لهم في فعالهم " .
ولا يمكننا أن ننسى ما كان لتولستوى من التأثير الكبير على أفكار الشعب الروسى ، حتى يمكننا أن نقول إنه وضع الخميرة الأولى للثورة الروسية بذلك اللون من الأدب .
هذا أحد خصوم الحروب ، ولا يضارعه فى قوة ذلك اللون الأدبى غير فولتير وفكتور هوجو ؛ وسنتكلم عنهما وعن غيرهما من الفريق الثانى - أنصار الحرب - فى العدد القادم إن شاء الله . (دمنهور)

