الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الثقافة"

أدب الطبيعة :, بركة البحترى وبحيرة " لامارتين "

Share

أنس أبو عبادة البحتري بكل منظر من مناظر الطبيعة ، فتغني بالربيع وهو يتمم وشي حلتها الخضراء ، وبالخرريف وهو ينسج لها حليتها الصفراء ، واستوفت عينه حظها من رباها وقد صبغها الليل بلونه الأسود ، ومن أفاقها وقد اختضبت بالصباح الورد ، وعلت اذنه قسمها من هديل حمامها ، وحفيف ورقها ، وضجيج بحرها ، وزجل رعدها ، واخذ انفه نصيبه من ترجسها ووردها وآمنها وطلحها وشيحها وقيصومها وزعفرانها واقحوانها ، فقد ملأ نفسه من كل جزء من اجزائها ، من ذهب شمسها وفضة مائها ، ومن ركام تلجها على الجبال ، واندفاق عيشها في غداة مخضلة ، أو عشي مبتل .

فقد صقلت خياله نواح كثيرة في هذه الطبيعة فما فتح عينيه في مياه حتى رأي بلدته منيج ، فتمتع من طيب هوائها ، وعذوبة مائها ، ورقة نسيمها ، وصحة تربتها ، وما نشأ وترعرع حتى سرح في اهاضيب لبنان ، وغوطة دمشق ، وبساتين حلب ، وجنات الساجور ، وتخيل العراق ، وعكف علي قصور بني العباس كالجعفري والصبيح والمليح ، فتكامل خياله في افياء حيطان من زجاج ، وسقوف من ذهب وبرك من رخام ، فنشات عن هذا كله بيته وبين الطبيعة صلة محكمة ، فقد فهم لغتها والحانها ، وعرف وجوهها وألوانها ، فكانت روحه قطعة من هذه الطبيعة

كان يلجأ إلى الطبيعة في كل حال يفتش فيها عن صورة من صور أحبته ، فلا يستلهمها لونا من الألوان

إلا الهمته إياه ، ولا يستوجبها إلا أوحت إليه ، فكان لا يرى ضحك الأفاعي إلا رأي وراء هذا الضحك رضايا يرودا ، وكان لا يري جنوح الشمس للآصيل إلا رأي في أضعافها جنوح حبيبته لوشك بعد أو لفراق ، وكان لا يري تعطف أماود البان إلا رأي في ظلاله ميل هذه الحبيبة إلي العناق ، وما كان يبدو له سجن العراق ، وتكشف له سجوف الدجي عن ماء العراق وعن تخيله ، ويهدل الحمام في جنباته ، إلا ذكرته هذه المشاهد كلها أحبابه .

لقد غمره حب الطبيعة ، لأنها تشتمل علي صور ، ترضي عينه وأنفه وأذنه فلولا هذا التناسق بينه وبين الطبيعة لما وجد لها معني من المعاني ، فأي معني لتنفس الروض في جنح بارد من الليل لو لم يذكره ، هذا الروض . انفاس احبته واي معني لترفرق الندي فوق الشقائق لو لم تحمل هذه الشقائق دموع التصابي في خدود الأحبة ؟ وأي معني للمعان البرق لو لم يكن هذا اللمعان ابتسامة من الابتسامات ؟

على أنه كان ينفصل في بعض الأحايين عن نفسه ، فلا يريد أن يري في الطبيعة صورا تهز هذه النفس ، وإنما كان يريد ان يري لها حياة مستقلة ومزاجا منفردا . فإذا رأي الربيع رأي له وجها يضحك ولسانا ينطق ، وإذا رأي النور في مجلس الدجي ، رأي وردا نائما يشبهه هذا النوروز ، وإذا رأي برد الندى رأي وراءه صدرا ضيقا يحمل الحديث ، فلا يلبث ان بنت هذا الحديث المكتم .

غير انه سرعان ما يعود إلى عادته من الاتصال بالطبيعة

فينكر عليها الاستقلال بالحياة ، ولا يري فيها إلا صور أحبته ، فلا تتعطف أشجار قصر من قصور الخليفة إلا كان هذا التعطف صورة مشي العذاري في عشية من العشايا

ولم يقتصر علي التعلق بالطبيعة لأن في كل جزء من أجزائها صورة أحبته ، وإنما اتصل بها لأنها تمثل له اشكالا يفتقر إليها فنه ، فكما اشبعت هذه الطبيعة مجامع حواسه فقد اروت طائفة من فنه . فكان لا يري حيطانا من الزجاج في قصر من قصور بني العباس إلا مثلت له هذه الحيطان لجج البحر وهي تموج على الساحل ، وكان لا يري تفويف الرخام في هذا القصر إلا رأي في هذا التفويف حبك الغمام وقد وصفن بين ألوان متفاوتة وأشكال متبابينة ، وكان لا يري الذهب الصقيل الذي لبسه السقوف إلا رأي نورا يضيء على الظلام ، فكانت الطبيعة مادة حسه ومادة فنه ، فألهمت هذا الحس ضروب الاهتزازات والابتسامات والتعطفات ، وألقت على هذا الفن حذبها وحللها ووشها وديباجها .

ولكن الطبيعة أفسح مئ أن تكون مستودعا لا يري فيه الشاعر إلا صورة اعتدال الغد ، واهتزاز الخصر ، وابتسام الثغر ، او صورة سقوف من ذهب او حيطان من زجاج ، فلم يصل البحتري شعوره بالطبيعة ، وإنما وصل بها حواسه ، فاتصل بها من ناحية المادة ، وانفصل عنها من ناحية الروح ، وإذا تداعي الحمام للنوح في بعض الاحايين وبعث هذا الحمام في قلبه كمين الأسى ، وصل البحتري دمعه ينوح الحمام ، ولكن قلبه يبقى محجوبا عن الطبيعة . وقد يزيد الغمام حينا في شوقه ، وبهيجه زحل الرواعد تحت الليل ، ولكنه كان لا يناجي هذا الغمام ، ولا ينافي هذه الرواعد ، فلم يقاسم الطبيعة همومها ، ولم تقاسمه همومه ، ولم يشركها في أفراحها ، ولم تشركه في أفراحه . وإذا اردنا ان نعرف كيف تألف الطبيعة وكيف يألفها الأفرنجية ،

وجب علينا أن نقارن بين يسير من نظرتنا ونظراتهم إليها .

وقف البحتري علي بركة الجعفري قرب " سر" من رأي" قعد هذه البركة واحدة ، وعد البحر  ثانيها في العظمة . فماذا رأي على احفة هذه البركة رأي دجلة في جوانبها ، وهي غيري ، تنافسها في الحسن طورا وتباعيها أحيانا ، ورأي جن سليمان قد ابدعوها وادقوا في معانيها ورأي ماءها وكانه الفضة البيضاء تسيل من سبائكها ، ورأي الصبا خلوها فتبدي لها حبكا مثل الجواشن قد صقلت حواشيها ، ورأي الشمس تضاحكها والغيث يباكيها ، ورأي سماء ركبت فيها من النجوم ، ورباضا تحيط بها كانها ريش الطواويس ؟

كل هذا حسن ، وكل هذا يلهي العين والأذن ولكن أفلا نجد علي صفحات الماء إلا صورا مادية ؟ أفلا يكون للقلب نصيب واف من فيض شعوره على هذا الماء ؟

وقف البحتري وقفته هذه ، ووقف بعض شعراء الإفرنجة على البحيرات ، فهل تشبه وقفة " لامارتين " على بحيرته ، وقفة البحتري علي بركته ؟ إني لا احفظ إلا قليلا من شعر لامارتين ، في بحيرته ، ولكن هذا القليل كاف على ما اعتقد في بيان مبلغ فهمنا للطبيعة وفهم الإفرنجة لها

ما الذي يهم " لامارتين " في نزهته على بحيرة " بورجه " مع حبيبته " إلفير " ؟ إن الذي يهمه أن تذكر هذه البحيرة ان " لامارتين "كان يجدف امواجها مع هذه الحبيبة في شئ من الصمت والهدوء ، وان الأذان كانت لا تسمع على وجه الماء وتحت السماء إلي جلبة المجاديف التي كانت تصدم متناسق الأمواج . ماذا كان يسمع " لامارتين على هذه البحيرة ؟ كان يسمع اصواتا تجهلها الأرض ، تأتي من ساحل البحيرة ، فتشق الأصداء كان يسمع أصواتا يصغى إليها الموج كل الأصفاء .

ماذا في هذه الأصوات ؟ فيها خطاب للازمان وللساعات ، فكانها تطلب إليها ان يخفف سيرها ، وان تفسح للإمارتين في التمكن من ذوق الذات السريعة التي تحملها ايامه الحسنة . ماذا كان يري " لامارتين " على هذه البحيرة ؟ كان يري صخرات خرسا ، وغابة مظلمة ، فكان يطلب إلي هذه البحيرة ، وإلي هذه الصخرات ، وإلى هذه الشجرات التي يبقي عليها الزمان ، أو يجدد لها شبابها ، كان يطلب إليها وإلي الطبيعة الحسنة ان تحتفظ بذكري هذا اليوم الحسن الذي قضاه مع حبيبه على وجه الماء !

نفخ " لامارتين " روحا في الطبيعة من عنده ، وأشركها في ألامه واحلامه ، فوصل بها كل ناحية من نواحي قلبه . كان يجد في هذه الطبيعة معبدا ، يسمع فيه على عزلته وعلى هدوئه اصواتا تعلمه بما عند الله ، فالذي يجده في الطبيعة إنما هو الرفق والهدوء والتناسق ، أي كل ما يبسط القلب ، ويرفقه ، وكل ما يحمل النفس علي طول التأمل والأحلام . أما البحتري فلم يجد في الطبيعة إلا ما يسر الأذن والعين والآنف ؛

على أي شيء يشتمل شعر " التاملات ؟ لقد شغلت المرأة التي أحبها " لامارتين " قلبه في كل هذا الشعر فإذا طلع القمر فكان لا يجد في ضوء هذا القمر إلا أرواح الموتى التي انحدرت إليه بأحاديثها . وإذا نزل الوادي الذي قضي في ظلاله ميعة صباه ، فكان لا ينزله إلا ليريح نفسه الأئمة التي لم يبق فيها إلا الحب وحده . وإذا تنزه على بحيرة بورجه " مع حبيبته التي فقدها ، طلب إلي هذه البحيرة ان تحتفظ بذكري سعادته السريعة . وإذا طلع عليه الخريف ، واضاءت هذا الخريف شمس ممتسقمة عاد " لامارتين " إلي التلهف علي الحياة وقد استعد للموت . وهكذا شأنه في بقية اشعاره التي مزج فيها روحه بالطبيعة . ففي شعر النجوم ، اعار هذه النجوم روحا من عنده ، وعد

نفسه نجما يلهم الناس الخير ، ويعزمهم : ايتها الشموس  ايتها العوالم التائهة حيث نتية قول لنا إذا قال لك شيئا : إلي اين نحن ذاهبون ؟ . وفي شعر نبع الغابات ، فإن خرير الماء قد ولد في ذهنه أفكارا تشيع فيها التقوي والماليخولياء!

فالفرق بيننا وبين الإفرنجة ، أنهم اتصلوا بالطبيعة بأرواحهم وحواسهم ، فخلقوا لها قلبا يشعر شعورهم ، وعينا تبكي بكاءهم ، وصدرا يفرح فرحهم ، فشاطروها آلامها ، وشاطرتهم آلامهم . وإذا كان في بعض شعرنا شئ من اشباه هذه النزعات ، إذا دعا بعض شعرائنا الحمام إليهم ليقاسموها الهموم ، أو عاتبوا شجر الخابور لأنه مورق لم يجزع على ابن طريف ، إذا كان في بعض شعرنا شئ من هذا كله فهذا شيء قليل ، وأقل من القليل . لقد كانت الطبيعة في شعرنا لذة العين ولذة الأذن ، ولكنها لم تكن لذة الروح ، فلم يتضافر ضياء الشمس ، وورق الشجر ، وهديل الطير ، وهبات النسسيم علي تعويدنا لذة الروح ، وإذا الهمتنا الطبيعة  بعض صور مادية ، فإن شعورنا وعواطفنا لا تزال جامدة أمام هذه الطبيعة

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية