الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 332 الرجوع إلى "الثقافة"

أدب الفيل "ايضا"

Share

نشرت الثقافة الغراء بعددها ٣١٨ مقالا للأستاذ الجليل أحمد أمين بك بالعنوان المتقدم . ولما كان هذا المقال قد قدم له بالعبارات التالية " ما أحوج الأدب العربي أن يعنى فيه بدراسة نواح غير الناحية الرتبية المألوفة التي تكررت حتى ملها الناس " فقد وجدت ما يشجعنى ويأخذ بيدى لألقى بدلوى بين الدلاء وإن كنت أدرك تمام الادراك أن معالجتى للموضوع بجانب معالجة الأستاذ لن تكون - حتى إن أجدت - إلا كالقطرة من البحر أو كالذرة من الجبل ، وحسبى من هذا أن نفسى قد رضيت به ، فهي على كل حال - فى نظرى - محاولة . ولن أجد إلا جهدى :

يقول الأستاذ : ظهر فى آخر العصر الأموى شاعر اسمه هارون بن موسى الأزدى بالولاء ، كان شاعرا

وكان يحارب مع المسلمين بالمولتان من ارض الهند مارس الفيلة فى الحروب فعالجها فى الشعر وقال فى صفات الفيل أشعار كثيرة . وقد حكوا عن هارون هذا أنه اكتشف سرا خطيرا وهو أن الفيل يخاف من الهر ، فجاء الموقعة ومعه هر خبأه فى ملابسه ، فلما دنا من الفيل رمى الهر فى وجهه ففزع الفيل وولى هاربا ، وهربت الفيلة على أثره وتساقط الأعداء من فوقها فكان ذلك سبب الهزيمة . واترك تحقيق ذلك لعلماء الحيوان .

وهذا هو ما حدا بى إلى تسطير هذا المقال ، فقد كنت فى منطقة أعالى النيل بالجزء المعروف لرجال الرى المصرى باسم بحر الجبل الجنوبى ، وهي منطقة تكثر فيها الأفيال الضخمة وتسكن هناك بصفة - اقول - مستديمة ، وتتوالد لا سيما فى منطقة " جنفلى " المشهورة بالفيلة العظيمة الأسنان ، وقد تمتعت بمشاهدة هذه المخلوقات العجيبة زرافات ووحداتا آمنة فى أسرابها مطمئة فى أوطانها يتبعها صغارها وهى ترعى فى فلواتها أو تسبح فى نهر النيل العظيم أو تستحم أو تلعب وذلك مرات ومرات ، كما قد سمعت عنها من سكان المنطقة الشئ الكثير بل والكثير جدا . فقد علمت فيما علمت أسرارا كالسر الذى اكتشفه الشاعر هارون ابن موسى ؛فمنها أن الفيل يخشى الدجاج نعم الدجاج الدجاج - الفراخ . . . ! . . .نعم خشية كحشية قط هارون أو أشد خشية .  . . . فقد تكون الأفيال أسرابا وقطعانا وفى القطيع ثلاثون فيلا إلى مائة ، فيمر بالطريق السكان وهم يحملون دجاجا من مكان إلى مكان فيصيح بعض ذلك الدجاج عفوا . . فما يكون من الأفيال إلا أن تولى من ذعرها الأدبار . . . ثم لا تنظر . . . وكذلك فان الفيلة تكره الصفير ، فلو أن مسافرا كان أعزل من السلاح ولم يكن له إلا أن يسلك طريقا واحدا ورأى ذلك الطريق وقد أوصد بالأفيال فليس عليه إلا أن يصفر تصفيرة واحدة بقوة بفمه المجرد أو بصفارة إن كانت معه صفارة ، فانه

سرعان ما يجد الطريق أمامه خاليا من كل عظيم . ومثل الصغير عند الفيلة أيضا الصراخ ، فان صر خ صارخ بعنف ومباغتة فان الفيلة تجلو توا ، والويل كل الويل لمن يستمع إلى صراخ الفيل حين ذعره فانه يصم الآذان ، ويحتاج الرجل لجلد ليستمع اليه وهو هادىء الأعصاب عديم الاضطراب .

وجماعة الفيلة فى أسرابها أقل شرا وخطرا من الفيل الواحد المنفرد . ولأن الفيل إذا انفرد فإنما ينفرد لعوامل " نفسية " شديدة وتوتر فى الأعصاب فيكون أدنى إلى الشر مسارعا اليه ، اوقل إن انفراده علامة لطلب ( المبارزة ) . ولا ينفرد وحده إلا الفيل الذكر الفحل ، ويكون ذلك فى الأغلب الأعم يتألب ذكور القطيع عليه " حسدا " فيكون " اجماعهم " على اخراجه " عنوة " فيخضع مكرها " وفى النفس أشياء" ، وكذلك الجاموس البرى حتى تيس غزال " التيتل " فهذا حالها أجمع .

على أن للفيلة غرائب وعجائب وإن ما أورده الأستاذ الكبير اقتباسا عن الحاحظ لفيه الكفاية وفوق الكفاية . ومن ذلك القبيل هانه المسألة التى سأروى لكم . ذلك أن الأفيال كثيراما ترد النيل وفيه من التماسيح ما فيه ، والتمساح لا يتهيب شيئا حماقة حتى إن كان فيلا . ولذا فانه (أى التمساح ) كثيرا ما يعرض نفسه للتهلكة ، فيحاول اختطاف عظام الأفيال ، على أنه فى أحوال قليلة جدا ونادرة قد يفوز بصغارها ، وكثيرا ما يتلقى درسا ، بل ودرسا بليغا ، وبليغا جدا . فالتمساح فى محاولته الفاشلة قد يمسك بخرطوم الفيل فى محاولة يائسة غير مجدية فما يكون من ذلك الفيل او من قيل سواء مما معه إلا ان يختطف ذلك التمساح فينتشله من النهر ويعم به شطر أكبر شجرة فيتناولها من أكبر فروعها فينفلق جذع تلك الشجرة شطرين ويلقى بذلك التمساح المخطىء بين شدقى الجذع المجتمع بقوة وقسوة على ذلك التمساح الآحمق المتهالك ،

فيكون جزاء وفاقا لمن لم يكن ليرجو حسابا .

وقد يقوم فيل برعاية قطيع من الفيلة ويكون فى القطيع فيل يهوى التخلف عن مسايرة الركب لحاجة فى نفس يعقوب ، فما يكون من الفيل الراعى إلا أن يسوق المتخلف قسرا ، حتى إن اضطره الحال إلى استعمال العصا فسيتناول

شجرة متوسطة أو فرعا              يضرب به الراعى المتخلف

ضربا مبرحا حتى يساير الجماعة .

وأمثال هذا كثير يضيق المقام عن الاسترسال فيه . وقد نعود لهذا أو لما يشبهه مستقبلا .

والحكاية التالية تبرهن على أن الفيل يمقت الكلاب وبهاجمها بقسوة . فقد خرج أحد أصدقائنا من هواة الصيد يطلب فيلا ، وذلك بناحية ( ابو نج ) على نهر السوباط واتفق أن كانت شخصية عظيمة فكهة تعمل فى تلك الناحية فالتقيا فى منطقة الصيد ، وللعظيم الفكه علم قد بهذا الفن ، فكان الأول يسترشد بآراء الأخير ، وكاد الصائد يوفق لولا أن ألم بالركب جماعة من السكان ومعهم كلابهم ولم يفطن الخبير البصير إلى الهفوة . . . . وأظنها مما لم يكن يعلمه قبلا . على أن الوطنيين اعتادوا فى حال اصطياداتهم الفيلة أن يخرجوا فى جلبة وضوضاء وفى جماعة ، وطريقتهم مع الفيلة هى طريقة الكر والفر والمطاولة ، وهى لا تكون إلا بالحراب - بخلاف هذه المسألة ، فإن الصائد صائد عصرى ، ومن أهم ما يجب له الا بتعاد عن الضوضاء والجماعة والكلاب ! ! ! ! .

وسرعان ما أدركت الفيلة وجود كلاب فى الغابة وصارت الكلاب تنبح الأفيال ، فهبت الأفيال من أطراف الغابة فى جماعات تهاجم الجماعة والكلاب وقد كادت كارثة لولا بسالة نادرة وصبر وجلد ولولا لطف الله العظيم .

النهود - سودان

اشترك في نشرتنا البريدية