الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 267 الرجوع إلى "الثقافة"

أدب القاضى الفاضل

Share

ولد عبد الرحيم بن علي بن الحسن اللخمي البيساني - الذي عرف فيما بعد بالقاضي الفاضل في إقليم بيسان من اعمال فلسطين ، وكان أبوه قاضيا علي هذا الإقليم حتى حدثت جفوة بينه وبين الوالي ، فصرفه هذا عن منصبه وصادر ثروته ، ففر القاضي وابنه إلى مصر ، وكان ذلك في أواخر العصر الفاطمي

وفي مصر فكر الأب الشيخ في عمل يرتزق منه ابنه الشاب ، فاستخار الله وبعث به إلى ديوان الإنشاء . . وهناك التقي الشاب برئيس الديوان وكان اسمه ( ابن الخلال ) فسأله هذا : ما الذي اعددت الفن الكتابة ؟ قال الشاب : كتاب الله وديوان الحماسة : قال ابن الخلال : في هذا بلاغ . ثم أراد ابن الخلال ان يمتحن مقدرة الشاب الكتابية فطلب إليه أن ينثر له شيئا من ديوان الحماسة ، ففعل الشاب ذلك واطلع الرئيس على إنشائه فاقتنع به وأمره بملازمته .

ثم أتي صلاح الدين إلي مصر ، ووصل فيها إلى منصب الوزارة من يد العاضد الفاطمي ، واحتاج الوزير الجديد إلي كاتب من كتاب الديوان ، ففكر هؤلاء ، يومئذ في ان يبعثوا له بالقاضي الفاضل ، وكان قد ظهر تفوقه على زملائه ، فرأوا إبعاده عنهم وبعثوا به إلي صلاح الدين وقالوا لعل هذا الوزير يقتل كما قتل الذين وزروا للدولة من قبله فيقتل عبد الرحيم معه ونتخلص منه

غير أن القدر الذي كتب الظفر لصلاح الدين قدره على إزالة الدولة الفاطمية وسخره لإقامة الدعوة العباسية ونظر التاريخ فإذا صلاح الدين سلطان على مصر ، وإذا كاتبه عبد الرحيم وزيره ومشيره وصنم لذلك العصر

والحق أن الذين يعرفون شيئا من أخبار الدولة التي اقامها بمصر صلاح الدين ، يستطيعون ان يعرفوا كيف سلمت لكاتبه العظيم زعامات أربع ، لا تكاد نعرف انها

سلمت كلها لرجل مثله في عصر من عصور التاريخ المصري الإسلامي ، وهي الزعامة السياسية ، والزعامة الاجتماعية ، والزعامة العلمية ، والزعامة الأدبية . وبذلك اصبح الفاضل قطب الرحي من الحياة الأيوبية كلها ، حوله تدور هذه الحياة ، وبه تمضي دائما في حركة تطحن بها الحوادث المحيطة بها ، أو تطحنها هذه الحوادث المحيطة بها .

فأما زعامة الفاضل السياسية فيكفي في تصويرها قول صلاح الدين : " ما ملكت البلاد بسيوفكم ولا وما حكم ولكن بقلم القاضي الفاضل

وأما زعامة الفاضل الاجتماعية فيكفي في تصويرها ان تعلم إن شعراء عصره مدعوه جميعا بدون استثناء ، وكان قصاري أحدهم في حياته أن ينال شرف مدحه ومدح سلطانه وإذا ذهبت تحصي الأشعار التي قيلت في مدح الفاضل وجدتها آلافا من الآبيات موزعة على الشعراء توزيعا يتفق ومقدار الصداقة التي بين الفاضل وبين كل شاعر منهم على حدة . وبحسبي ان احيل القارئ هنا إلي ديوان القاضي السعيد هبة الله بن سناء الملك ) ففيه من المدائح التي قيلت في الفاضل ما يربو على جميع المدائح التي نظمها الشاعر في غيره . وفي هذا ومثله ما ينهض دليلا على عظم مكانة الفاضل الاجتماعية

وأما زعامة الفاضل العلمية فتظهر من أنه كان هو القائم على تنفيذ هذه الخطة الذهبية ؛ وهي الخطة التي جاء بها صلاح الدين إلي الديار المصرية . وهي تتلخص في إنشاء المدارس العلمية التي تحارب بها الدولة الايوبية عقائد الدولة الفاطمية . ولقد نجح السلطان ووزيره في تنفيذ هذه الخطة التي رسماها نجاحا لا نعرف مثله . ثم لم يكتف الفاضل بذلك حتى كان يشرف بنفسه على سير الحركة العلمية كذلك . فكان يشجع العلماء على الإنتاج والتأليف ؛ وكثيرا ما كان يشير هؤلاء في صدور مؤلفاتهم إلي انهم إنما وضعوها بوحي من الفاضل ومشورته ، بل بتشجيعه ومعونته، فيكون في هذا وأمثاله إعلان عن عظمة الرجل العلمية . وعلى أنها لم تكن بأقل من عظمته في ميدان السياسة .

وإلى جانب هذا وذاك كان القاضي الفاضل مجدودا من حيث المادة . وذلك أنه كان يشتغل بالتجارة - وإن كانت تجارته هذه لم تستغرق جزءا كبيرا من وقته ، لان وقته أضيق من ان يتسع لها . غير ان العجيب ان هذا الرجل الذي كان سعيدا موفقا في حياته السياسية ، كما كان سعيدا موفقا في حياته الاجتماعية وحياته العلمية ، كان كذلك سعيدا موفقا في حياته المادية . فقد أراد الله لهذا الرجل ان يكون وفير الحظ من المال ، يشتري بجرء منه بستانا ، ويزرع فيه الفاكهة الوانا ، وتباع الفا كهة باسمه في اسواق القاهرة ، فتدر عليه تجارة الفاكهة إدرارات هائلة ، وهذا كله عدا ما يكسبه الرجل لنفسه من عمله بحكم مناصبه . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم

أما عظمته الأدبية فهي بيت القصيد من هذا المقال . والغريب ان الناس نسوا او كادوا ينسون للفاضل الزعامتين السياسية والاجتماعية ، ولكن الزعامة الأدبية بقيت حية في اذهانهم ، كأنما الأدب من بين مذاهب الحياة كلها هو الذي يستأثر دونها بالخلود ، أو كأنما الإنسان نفسه لم يكن يهتدي إلي طريق ابقى له من طريق الشعر والكتابة ، فإذا اتصف بهما ضمنا له هذا الخلود والحق أن الفاضل كان عظيما من نواح شتي ، أو كان كما يقول الفرنسيون في وصف الرجل المستنير : اشبه شئ بالمنشور الهندسي ذي الأضلاع الكثيرة ، إذا أضأته من داخله اضاءت لك جميع جوانبه

( وبعد ) فهل تحتاج دليلا علي زعامة الفاضل الأدبية ونحن نعلم انه صاحب طريقة فنية عرفت باسمه ، ومذهب كتابي أخذ به وكان له تأثير واضح على أجيال ادبية متعاقبة اصطنعت هذا المذهب وطال اصطناعها له ، واعتصرت هذه الطريقة حتى تركتها لنا في النهاية قشورا جافة لاحظ لها من الماء ، ولا هي تصلح أن تكون لنا نوعا

من الغذاء ؟ لفسد وصف العماد الأصفهاني طريقة صاحبه واستاذه القاضي الفاضل بقوله : " إنها كالشريعة المحمدية التي نسخت ما قبلها من الشرائع ؟ .

ولسنا نعلم قولا هو ابلغ في مدح هذه الطريقة وشدة تعلق الناس بها في العصور الوسطى من هذا القول.

أم هل نحتاج دليلا علي قدرة الفاضل الكتابية وابن خلكان - وهو أحد مؤرخى مصر في العصر الأيوبي - يقول علي لسان احد الفضلاء الثقات : " إن مسودات الرسائل التي كتبها الفاضل إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد ، وهو مجيد في أكثرها ) " .

الحق لقد كان الفاضل أمة وجده في الكتابة والترسل وان كانت طريقته في الكتابة قد اصبحت لا تلائم اذواق الكثيرين منا في العصر الحديث ؛ ولذلك اسباب كثيرية يتصل أكثرها بالفروق الواضحة بين نوع الحياة التي كان يحياها الناس في العصور الوسطي وبين نوع الحياة التي اصبحنا نحياها نحن الآن ، كما تتصل هذه الأسباب كذلك بإختلافنا عنهم في المزاج وفي الثقافة وفي التمدن والحضارة ، وفي غير ذلك من الأمور التي من شأنها ان تخفي عنا معالم الفن الفاضل ، أو من شأنها ان تدفع بالكثيرين من الباحثين إلى الغض من هذا المذهب الفنى ،يفعلون ذلك ظلما وعدوانا وتحنيا وإسرافا منهم على الحق والتاريخ

أما أنا فشديد الإيمان بعظمة هذا الفن الفاضل ، شديد الفتنة به ايضا . انظر إليه على انه صورة من الصور الخليقة باسم الأدب او الفن ، والأدب عند كثيرين من الناس وعندي نوع من المتاع الروحي لا يقل في شأنه عما يستمتع به الناس احيانا عند سماعهم الموسيقى بل عند اشتغالهم بها ، أوحين يرون اللوحات الفنية الجميلة ، بل عند ما يمارسونها : وتلك قضية أحب أن احدث القراء عنها إن شاء الله تعالى في فرصة مقبلة .

اشترك في نشرتنا البريدية