الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 271الرجوع إلى "الثقافة"

أدب القاضي الفاضل

Share

رأينا في المقال السابق كيف سلمت للقاضي الفاضل زعامات ثلاثة هي : الزعامة السياسية ، والزعامة الإجتماعية ، والزعامة الأدبية . والناس منذ القدم لا يستطيعون أن ينظروا إلى الأدب دون أن ينظروا في الوقت نفسه إلى صاحب هذا الأدب ، أي أن أدب العظيم لابد أن يكون عظيما وأدب رجل أقل منه عظمة لابد أن يكون كذلك وهكذا

ومعنى ذلك أن شخصية الأديب تنعكس على أدبه فتصفي عليه ما شاء من صفات العظمة . والحق أنه ما دام الأدب لسان العواطف وأداة لنقل الشعور ، فالناس معذورون دائما في أن ينظروا إلى الأدباء هذه النظرة غير المنصفة ، وليسوا مخطئين كل الخطأ فيها . والشهرة الأدبية نفسها بعض رزق الرجل ، ومن الناس من وسع الله له في رزقه ومنهم من قدر عليه . فلا نسأل إذن كيف راجت طريقة الفاضل الأدبية في عصره وتكيفت أذواق الناس بذوقه فلا غرابة في ذلك - إذ لو أن زعماء الأدب في عصرنا هذا قد أريد بهم فاختاروا لأنفسهم طريقة أدبية غير الطريقة التى نألفها منهم لوجدنا أنفسنا بعد وقت قصير نتذوق طرائقهم وننفر ما عداها من الطرق

قامت الطريقة الفاضلية في الكتابة على السجع والجناس ، وعلى المقابلة والطباق ، وعلى تشخيص المعاني وتجسيم الجماد ، وعلى غير ذلك من المحسنات اللفظية التي سنشرحها والتي يعرفها الناس إلى عصر هذا الأديب البارع

والألوان كثيرة وقريبة في متناول كل رسام ، يستطيع تأليفها وتركيبها ، ويستطيع في الوقت نفسه أن يحصل على ريشة يرسم بها ما أراد . ولكن ريشة الفنان الماهر هي وحدها التى تستطيع أن تخرج من هذه الألوان لوحة فنية ناطقة ، أو هي وحدها التي تستطيع أن تشخص لك المعاني تشخيصا يخيل إليك فيه أنها أناس تتحدث إليها وتتحدث إليك ، وتحرك مشاعرها وتحرك مشاعرك ، وتضطرب فيها وتضطرب فيك ، وتخلق بينكما هذه الحياة الشعورية التي تنعم بها وتود إلا تفارفك . ومعنى ذلك كله أن الفنان رجل موهوب وأن سر عظمته ليس في صندوق ألوانه وأصباغه ، وإنما هو في قدرته على الاستفادة من هذه الألوان والأصباغ . وذلك إذن سبب آخر من أسباب عظمة الفاضل الأدبية كما سنرى بعد أمثلة منها .

وما دمنا نتحدث عن الفن ، وننظر إلى الأدب على أنه فن ، فلندرك شيئا آخر يغيب عن أذهاننا أحيانا ، وهو أن بيننا وبين القرون الوسطى فروقا من حيث الحياة ، وفروقا من حيث المزاج وفروقا من حيث الحضارة ، ولابد لهذه الفروق كلها من أن تترك أثرها في الأدب . فأما فرق ما بيننا وبين القرون الوسطى من حيث الحياة فيتلخص كله في أن حياتنا قائمة على السرعة ، وأن حياتهم قامت على الأناة ، فنحن الآن في عصر الآلة ، والآلة هي التي تصنع لنا الحذاء الذي نلبسه ، والعامل الذي يديرها لا يشعر باللذة التى كان يشعر بها صانع الأحذية في تلك الأزمان .

ومن ثم أصبحت الآلة سببا في حرمان هذا العامل الحديث حرمانا قاسيا منز تلك اللذة الفنية التى كانت تملأ نفس الصانع القديم بهجة ، فيتعوض بهذه البهجة عن نقص الأجر الذي كان يأخذه وعظم الجهد الذي يبذله .

وليس شك في أن الآلة التى منى بها الأدب في العصر

الحديث هي " المطبعة نفذ ظهورها والأدباء يحاولون الإسراع في الإنتاج ، ولكن هذا الإسراع نفسه كان لصالح الثقافة وضرر الفن . فلقد كان من نتيجة ذلك ان قدم الأدباء للجمهور أدبا لا حظ له من الدقة والأناقة ولا نصيب له من الأناة والإبطاء ، فأقبل الجمهور على هؤلاء كما يقبل الناس في إيطاليا في عصرنا هذا على آلة تصنع لهم ( المكرونا ) يسقطون في بعض خروقها فروشا فتسقط الآله في حلوقهم طعاما ، تشتغل في ازدراءه أفواههم ، وهم وقوف أمام الآلة حتى تسكت هذه عن عملها ، فتسكت الأفواه عن مضغها ، وهكذا ينتهي القوم من وجبتهم ليعودوا سراعا إلى مصنعهم أو مكتبهم ليقضوا فيه بقية اليوم .

فأن هذا كله من تلك المائدة التى يتمتع بها أصحاب الدور او القصور وهي مزدانة بكثير من الورود أو الزهور ، وعليها ألوان كثيرة من أطعمة لذيذة وضعت في آنية الذهب أو الفضة ؟

ذلك إذن هو فرق ما بين حياتنا نحن وحياة الناس في العصور الوسطي حياتنا كما قلت قائمة علي العجلة ، وحياتهم قائمة على اللذة ، وعملنا آلي دائما ، وعملهم فني في أكثره . . وكان من نتيجة ذلك أن كل ذي مهنة في عصرنا أصبح ضائقا بها غير مستريح لها ، يتمنى اليوم الذي فيه يتركها ويجرب حظه في مهنة أخرى . أما العصور الوسطى فكل ذى عمل فيها غارق في هذا العمل ، مستمتع به لأنه إنما يعالجه معالجة فنية ثورث صاحبها هذه المدة التي نتحدث عنها والمقارنة بين آثارنا والآثار الأدبية التي خلفها لنا الفاضل وأمثاله توضح لنا هذه الفروق كلها بجلاء لا يقبل الشك .

أما الحضارة - كأمر من الأمور التي ينبغي أن نلاحظها عندما تدرس أثرا مصريا أو شرقيا من آثار القرون الوسطى فنحن نعلم أن القاضي الفاضل ولد له مذهبه هذا وهو بمصر الفاطمية . وفي العصر الفاطمي بلغت مصر من الحضارة المادية شأوا لا سبيل هنا إلى وصفه أو تلخيصه بحال ما

تلك الأبواب المزدانة بأنواع القصب ، وتلك الأستار المزركشة بشتي الصور أو المذهب ، وتلك الجدران التي تزدحم فيها النقوش ، وتلك الأرض المرصوفة بالفسيفساء ، وتلك التماثيل الرائعة من الرخام أو البللور وغيرهما من كرائم الأحجار ، كل أولئك كان له أثر واضح في الأدب الرسمي الذي صدر عن كتاب ذلك العهد ووزرائه حين امتلأت أعينهم وعقولهم بجماله ومهجته وروائه .

والخلاصة أنك من أدب الفاضل دائما أمام غادة حضرية صقلتها الحضارة وجلاها النعيم ، قد وقفت أمام مرآتها أكثر يومها تقص شعرها وتصفه على الجبين بطريقة تغري الناظرين . فإذا فرغت من رأسها التفتت بعد إلى وجهها فصبغته بأصباغ تتحول به إلى مخلوق جديد : فمن حاجب لها توشك أن تمسحه من وجهها لترسمه بقلمها من جديد ، ومن في تضع عليه صبغا يأخذ به الفم حجما وشكلا كما تشتهي الغادة أو تريد ، ولو قد استطاعت هذه الغادة أن تعبث أيضا بحجم أنفها وشكله الخارجي لفعلت ، ولكنها تعجز عن ذلك وتنتقل منه الى صدرها وجيدها فتزينهما بما تحب من أنواع الحلي والعقود ، ثم من ذلك تنتقل إلى اختيار الثوب الذي يتفق وكل هذه الفتنة !

والغريب أن هذه الغادة التي يبدعها لنا فلم القاضي الفاضل تأبي أن تخرج من خدرها مستهترة أو كالمستهترة التى تطمع فيها من ينظر إليها من المارة في الطريق ، وإنما تطلع عليهم بهذه البزة الحسنة والهيئة المستحسنة ، وهي مع هذا كله أدنى إلى الجد وأنأى عن الطيش ، فيزداد الناس فتنة بها وإجلالا لها ، وتتحسر عيونهم عنها وهي ممعنة في إعجابها بنفسها إمعانا يخفيه ما تتكلفه من جد وتحاوله من عقل

( وبعد ) فلما نتحدث عن هذا الأدب الفاضلي نفسه ، أو نعرض شيئا ولو بسيطا من نماذجه ، ولا تحدثنا كذلك عن شئ من مصادره وثقافة صاحبه ، فليغفر لنا القراء هذه القدمات الطويلة ، وموعدهم فيما يريدونه الأسبوع الآتي بمشيئة الله تعالى .

اشترك في نشرتنا البريدية