الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 342الرجوع إلى "الثقافة"

أدب القصة، فى خدمة التاريخ

Share

أصدر الأستاذ الأديب طاهر الطناحى كتابا عن حياة بنى العباس فى عصرهم الذهبى بعنوان (( على ضفاف دجلة والفرات )) . وقد نهج فيه منهجا جديدا فى كتابة التاريخ الإسلامى ، إذ عرض الحقائق التاريخية فى ذلك العصر عرضا قصصيا جذابا وصاغها صياغة أدبية شائقة . ولقد لفتت هذه الطريقة الأستاذ الكبير محمد العشماوى بك فبعث بهذا الخطاب إلى المؤلف :

عزيزي الأستاذ طاهر الطناحى

طالما تاقت نفسى ( وعلى الأخص عند ما كنت اتولى شئون الثقافة العامة ) إلى أن أرى فى متناول الشباب المثقف من فتيات وفتيان مؤلفات تعرض لهم تاريخهم الماضى الحى فى يسر وجمال أسلوب وروعة أدب وقوة بيان يحببهم فى القراءة ، ويحملهم على متابعتها بشوق وشغف ، حتى تتهيأ لهم الفرصة لتقليب صفحات هذا الماضى الذى يحمل فى طياته حضارة من طراز خاص وسعت كل شئ - ووجهت العالم وجهات متباينة متعارضة ، وكشفت عن كثير من أسرار الحياة ومزالقها ، تضل الخطأ فيها ساعة ، ثم تسدد ساعات ، ليكون فى ذلك لهم متعة روحية وأدبية ، ولتبقى هذه الحضارة بخيرها وشرها أو بمزيجها من الخير والشر ماثلة أمام أعينهم فيها هدى ، وفيها عبرة ، وفيها مزيج من الهدى والاعتبار . وكنت أتابع كل الانتاج الأدبى والقصصى والتاريخى الذى ظفرت به البلاد فى حقبتها الأخيرة لأتبين منه مدى ما يحقق رجائى ، وأدعو القائمين على النشر وتحويل هذه الحركة المباركة إلى أن يترسموا فى الإنتاج الأدبى هذه الخطة ولو إلى حد ، حتى ظفرت بمؤلفك الأخير (( على ضفاف دجلة والفرات )) وقرأته متصفحا ، ثم متمعنا ، فاطمأنت نفسى إلى الظفر بناحية رائعة مما تاقت إليه ، ورأيتك تعالج

التاريخ بأسلوب قصصى يحفظ الحقائق سليمة بقدر ماتواترت بها الرواية ، أو حققتها المراجع ، وتضفى عليها جمال القصص الروائى وأدب الأديب ، فيظنها القارىء من نسج الخيال ، وما هى إلا الحقيقة سافرة لا تزييف فيها ولا تزوير ، فجاء كتابك يحمل صدق القول بأن فى الحقيقة ما هو أغرب من الخيال ، ويعطينا صورة من الحياة فى الحقبة التى عالجتها من جميع نواحيها السياسية والاجتماعية والأدبية بما تحوى من خطوط هذه الصورة ودقائقها من دقة ، وما تنطوى عليه من عقلة وما تحمله من عبرة ، وما يكتنفها من نور العقيدة أو ظلام الزندقة ، أو مرارة الجد ، أو حلاوة الهزل ، وما يغمرها من الكيد والدس ، وما تتكشف عنه من نزوات النفس ونزعات القلب .

وقد كان لكتابك الأثر الذى يحدثه هذا النوع القوى من القصص التاريخى والأدب فى نفس القارىء وإحساسه وتفكيره ، فكنت أقف طويلا عند نهاية كل فصل يحوي حادثا أو يحلل شخصية أو يمثل سياسة أو يرسم مؤامرة ، أو يبرز كرما ، أو يصور لؤما ، فترة أسبح خلالها فى ماض بدأ وضاء ناصع البراءة يدفع به إلى إعطاء المثل العليا إيمان قوى وعدل شامل ، ثم أخذت النفوس بدر كها الخور ، وتطغى عليها موجات الحقد وحب السلطان ، وغمرات الدنيا ، فتدنيها من البغى والعدوان وتبعدها عن جمال الإسلام فى ماضى روعته ، وصفاء جوهره . ثم أقف وقفة اخرى ساهما أحلق فى الأفق القريت أو البعيد تهجس فى نفسى هواجس وتتحرك آمال :

(( هل نستطيع أن نعيد للاسلام قوته ، وللحضارة الاسلامية طابعها ومزاجها ، وأن نجمل هذا الدين القويم فى كلياته ومبادئه السامية النبيلة دستور العالم فى طريق السلامة ؟ )) .

ثم أعود إلى الكتاب لأتاع القراءة . . فهنيئا لك التوفيق ، وشكرا لك على هذا الجهد الذى بذلته ، والذى ستبذله فى خدمة التاريخ والحقيقة والقصص والأدب .

اشترك في نشرتنا البريدية