أصدر الأستاذ الأديب طاهر الطناحى كتابا عن حياة بنى العباس فى عصرهم الذهبى بعنوان (( على ضفاف دجلة والفرات )) . وقد نهج فيه منهجا جديدا فى كتابة التاريخ الإسلامى ، إذ عرض الحقائق التاريخية فى ذلك العصر عرضا قصصيا جذابا وصاغها صياغة أدبية شائقة . ولقد لفتت هذه الطريقة الأستاذ الكبير محمد العشماوى بك فبعث بهذا الخطاب إلى المؤلف :
عزيزي الأستاذ طاهر الطناحى
طالما تاقت نفسى ( وعلى الأخص عند ما كنت اتولى شئون الثقافة العامة ) إلى أن أرى فى متناول الشباب المثقف من فتيات وفتيان مؤلفات تعرض لهم تاريخهم الماضى الحى فى يسر وجمال أسلوب وروعة أدب وقوة بيان يحببهم فى القراءة ، ويحملهم على متابعتها بشوق وشغف ، حتى تتهيأ لهم الفرصة لتقليب صفحات هذا الماضى الذى يحمل فى طياته حضارة من طراز خاص وسعت كل شئ - ووجهت العالم وجهات متباينة متعارضة ، وكشفت عن كثير من أسرار الحياة ومزالقها ، تضل الخطأ فيها ساعة ، ثم تسدد ساعات ، ليكون فى ذلك لهم متعة روحية وأدبية ، ولتبقى هذه الحضارة بخيرها وشرها أو بمزيجها من الخير والشر ماثلة أمام أعينهم فيها هدى ، وفيها عبرة ، وفيها مزيج من الهدى والاعتبار . وكنت أتابع كل الانتاج الأدبى والقصصى والتاريخى الذى ظفرت به البلاد فى حقبتها الأخيرة لأتبين منه مدى ما يحقق رجائى ، وأدعو القائمين على النشر وتحويل هذه الحركة المباركة إلى أن يترسموا فى الإنتاج الأدبى هذه الخطة ولو إلى حد ، حتى ظفرت بمؤلفك الأخير (( على ضفاف دجلة والفرات )) وقرأته متصفحا ، ثم متمعنا ، فاطمأنت نفسى إلى الظفر بناحية رائعة مما تاقت إليه ، ورأيتك تعالج
التاريخ بأسلوب قصصى يحفظ الحقائق سليمة بقدر ماتواترت بها الرواية ، أو حققتها المراجع ، وتضفى عليها جمال القصص الروائى وأدب الأديب ، فيظنها القارىء من نسج الخيال ، وما هى إلا الحقيقة سافرة لا تزييف فيها ولا تزوير ، فجاء كتابك يحمل صدق القول بأن فى الحقيقة ما هو أغرب من الخيال ، ويعطينا صورة من الحياة فى الحقبة التى عالجتها من جميع نواحيها السياسية والاجتماعية والأدبية بما تحوى من خطوط هذه الصورة ودقائقها من دقة ، وما تنطوى عليه من عقلة وما تحمله من عبرة ، وما يكتنفها من نور العقيدة أو ظلام الزندقة ، أو مرارة الجد ، أو حلاوة الهزل ، وما يغمرها من الكيد والدس ، وما تتكشف عنه من نزوات النفس ونزعات القلب .
وقد كان لكتابك الأثر الذى يحدثه هذا النوع القوى من القصص التاريخى والأدب فى نفس القارىء وإحساسه وتفكيره ، فكنت أقف طويلا عند نهاية كل فصل يحوي حادثا أو يحلل شخصية أو يمثل سياسة أو يرسم مؤامرة ، أو يبرز كرما ، أو يصور لؤما ، فترة أسبح خلالها فى ماض بدأ وضاء ناصع البراءة يدفع به إلى إعطاء المثل العليا إيمان قوى وعدل شامل ، ثم أخذت النفوس بدر كها الخور ، وتطغى عليها موجات الحقد وحب السلطان ، وغمرات الدنيا ، فتدنيها من البغى والعدوان وتبعدها عن جمال الإسلام فى ماضى روعته ، وصفاء جوهره . ثم أقف وقفة اخرى ساهما أحلق فى الأفق القريت أو البعيد تهجس فى نفسى هواجس وتتحرك آمال :
(( هل نستطيع أن نعيد للاسلام قوته ، وللحضارة الاسلامية طابعها ومزاجها ، وأن نجمل هذا الدين القويم فى كلياته ومبادئه السامية النبيلة دستور العالم فى طريق السلامة ؟ )) .
ثم أعود إلى الكتاب لأتاع القراءة . . فهنيئا لك التوفيق ، وشكرا لك على هذا الجهد الذى بذلته ، والذى ستبذله فى خدمة التاريخ والحقيقة والقصص والأدب .

