الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 677 الرجوع إلى "الثقافة"

أدب المهجر، بعد الرابطة القلمية

Share

فى مدينة " نيويورك " حيث تجور المادة على الروح ويتسابق الناس فى شئ كثير من الأنانية للبحث عن الدولار . فى هذه المدينة التي وصفها المرحوم نسيب عريضة بقوله : هذه كعبة يحج إليها                 كل يوم وليس فيها محرم إن أصبت النجاح كاد لك الغير    وإن خبت لم تجد من يرحم  

وعلى مذيح اللقاءات ينسى

شرع موسى وشرع عيسى بن مريم

أجل فى هذه المدينة الغارقة فى صخب المادة ، التأم شمل فئة من أبناء العروبة الذين وهبهم الله مواهب فكرية وروحية متباينة فى القوة ولكنها متحدة فى الهدف ، فولدت " الرابطة القلمية " فى ليلة العشرين من نيسان عام ١٩٢٠ وانتخب المرحوم جبران خليل جبران عميداً لها وميخائيل نعيمه مستشاراً والمرحوم وليم كاشفليس خارناً . وأما الأعضاء الآخرون فهم المرحوم نسيب عريضة والمرحوم رشيد أيوب والمرحوم قدرة حداد والمرحوم إلياس عطا الله والمرحوم وديع أحوط ، وإيليا أبو ماضى وعبد المسيح حداد وقد وقفت الرابطة القلمية - على قصر عمرها - توفيقاً منقطع النظير فى مجال إيجاد مقاييس ومفاهيم جديدة للأدب ، فلقد ندد أعضاؤها بالجمود الذى أصاب الأدب العربى ، إن فى الفترة المظلمة أوفى بداية عصر الانبعاث ،

وقد أعارت الناشئة آذانًا صاغية لصرخاتهم المدوية ، ولقد أثر عميدها المرحوم جيران على الأساليب البيانية فى العالم العربى فحذا حذوه الكثير من الشبان وهاموا بصوره الشعرية وبموسيقى ألفاظه هياماً غريباً .

ولقد شق مستشار الرابطة الطريق للذين كرهوا الجمود والتقليد الأعمى - بكتابه " الغربال " الذى يعد بحثا فى طليعة الكتب التى عالجت النقد الأدبى فى الربع الأول من

القرن العشرين ، ويطول بى البحث إذا ما أردت أن أعدد المزايا التى امتازت بها هذه الرابطة المباركة ، وحسب المرء أن يقرأ ديوان " الأرواح الحائرة " لنسيب عريضة و " الجدول " لأبى ماضى و " أغانى الدرويش " لرشيد أيوب وغير هذه الدواوين ليدرك أى أدب حى هو أدب الرابطة القلمية .

وقد ظلت الرابطة القلمية حية بأعضائها العشرة نحو إحدى عشرة سنة أى إلى عام ١٩٣١ حيث توفى عميدها جبران عليه الرحمة ، فتشتت شملها ، لاسيما بعد عودة مخخائيل نعميمة إلى مستقط رأسه في لبنان عام ١٩٣٢ ، وكم كانت خارة الأدب العربي فارحة بوفاة رشيد أيوب ونسب عريضة وغيرهما من أعضاء هذه الرابطة المباركه .

لقد تشتت شمل الرابطة ولكن بعد أن أدت رسالتها كاملة غير منقوصة ، ويقينى أنه ستذكرها الأجيال بكثير من التقدير والإكبار .

وخير من يمثل الرابطة الآن من الأحياء القلائل : ميخائيل نعيمه - فى سكتنا لبنان . وإيليا أبو ماضى - فى نيويورك الولايات المتحدة .

ولقد أسس نفر من إخواننا العرب فى البرازيل بعد تشتت الرابطة . جمعية أدبية أطلقوا عليها اسم " العصبة الأندلسية " التى سلخت إلى الآن عشر سنوات من الزمان وهي تكافح فى سبيل العروبة وفى سبيل إيجاد ادب عربى حى يقوى على السير فى موكب الأدب العالى .

وإذا كانت الرابطة القلمية قد حظيت بعميد عبقرى شديد الغيرة على الأدب الجديد وعلى الرابطة التى يترأسها ، فقد من الله على " العصبة الأندلسية " بعميد عبقرى بكل معنى الكلمة ، لا نفتر له همسة فى مجال خدمة أدبنا الحديث ، هو الأستاذ الشاعر شفيق المعاوف صاحب ديوان " عبقر " الذى هو ثمرة يانعة من ثمرات مخيلة خصية استلهمت الأساطير

الأولى وخرافات الأجيال وجملتها أنغاماً فيها من العذوبة والعمق ما يحمل كل ناقد منصف على أن يهتف من أعماق قلبه أن عبقر ديوان فريد تمخض عن عبقرية تعاون فى تكوينها فكر غنى بالثقافة . وقلب غنى بالإحساس العميق والخيال الطليق ؛ ولشفيق دواوون شعرية عديدة تحت الطبع منها " لكل زهرة عبير " و " مجامر الصندل " و " نداء المجاذيف " و " شموع فى الضباب " وكلها زاخرة بأحاسيس تلك الروح المحلقة التى تنظر من عل إلى أرواح الشعراء المتزاحمة فوق السفوح !!

ومن ذا الذى يجهل مكانة الشاعرى رشيد سليم الخورى الملقب بالشاعر القروى ، بين شعرائنا المعاصرين . بل حتى بين المجاهدين المخلصين ، فلقد نذر القروى نفسه وشعره لوطنه وعروبته وقد وهب ربع مجموعته الشعرية " اللاميات الثلاث " لمساعدة إخوانه المنكوبين فى فلسطين . ومن الجدير بالذكر أن وطنيات " القروى " ليست مجرد فخر أجوف واعتزاز باطل مما عودنا عليه شعراء الفترة المظلمة وبقاياهم فى عصر الانبعاث ، وإنما هو عاطفة مشوبة تحرق نباط القلوب ، وتلهب مكامن الأفكار ، فتجعل من حياة العربى يقظة سخية بعد السبات الشحيح وحسبك أن تقرأ له " الأعاصير " لتدرك أى قلب جريح يناجيك من ضباب الغربة ويستحثك للنضال فى سبيل طرد المستعمر الجائر ، وتحطيم السدود والحدود التى أقامها بينك وبين الحرية والسعادة الحقة ، وإذ ذاك تتوطد أركان السلم العالمى ، فهو القائل :

لا سلم حتى تستريح الأرض من

شعب بإرهاق الشعوب موكل

فى نفسه عطش وجوع للأذى

لا يستطيب العيش إن لم يقتل

أعدى على أمل السلام ذريرة

لم تبق منه ذريرة لمؤمل

ومن أعضاء العصبة البارزين الأستاذ الأديب حبيب مسعود رئيس تحرير مجلة " العصبة " لسان حال العصبة الأندلسية ومؤلف كتاب " جبران حياً وميتاً " الذى يعد

بحق تحفة فنية وأدبية نادرة فى عالم الأدب العربى الحديث . وهو اليوم يتابع كتابة سلسلة مقالاته النفيسة " ما أجملك بالبنان " فى مجلة العصبة . وهي مقالات يصف فيها كاتبها طبيعة لبنان وآثاره القديمة وحياته الاجتماعية بلغة خالية من التعقيد ، معصومة من الركاكة ، يصبها فى قوالب عربية متينة . قلب ألف إبداع النشابيه المبتكرة والاستعارات الساحرة ، فيصف لك أوراق الارز الدقيقة القصيرة قائلاً : " كأنها النغم خارجاً من الأوتار " ثم يصف غاية الارز قائلاً كأنها " ختم الزمان على جبين الأرض " .

وفى العصبة أعضاء منتجون منهم الأديب المفكر يوسف أسعد غانم الذى لا يبخل على مجلة العصبة بتأملاته الفلسفية ومقالاته النقدية التى تدل دلالة واضحة على عمق ثقافته العربية والغربية ، وعمق إدراكه ودقة إحساسه ...

و " اسكندر كرباج " القاص البحاثة الذى ترجم فى مجلة العصبة حياة بعض كبار أدباء الغرب ترجمة تشهد له بطول باعه فى تفهم أدب الغرب .

وفى العصبة شعراء مبدعون أذكر منهم المرحوم حسنى غراب الذى سطا عليه الموت مؤخراً ، وقيصر سليم الخورى اللقب بالشاعر المدنى الذى يذكرنا شعره بجزالة شعرنا العربي وقوة سكه .

وبالرغم من أن العصبة تحمل الآن على كاهلها حاضر الأدب العربى فى المهجر فهناك شعراء آخرون ممن يفردون على غير أيكة العصبة ، فى المهجر الجنوبى ، وقد تركت أغانيهم أثراً عميقاً فى قلوب أبناء الشرق العربي ، منهم إلياس فرحات ، صاحب التأملات الشعرية الفلسفية . والنفثات الوجدانية الملتهبة التي تهدف إلى إيقاظ العرب .

ومن هؤلاء الشعراء نعمة الحاج صاحب الشعر التأملى الرفيق العميق ، وشعراء آخرون من الشبان العرب الذين نبغوا فى العالم الجديد .

وقصارى القول أن الأدب العربى فى المهجر الجنوبى ينمو فى ازدهار يبعث الأمل فى قلوب قراء العربية الذين يعشقون الأدب الحى المجنح والحكم الخالدة العميقة .

( بغداد )

اشترك في نشرتنا البريدية