الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 257 الرجوع إلى "الثقافة"

أدب النهضة ...

Share

كان الأسبوع الماضي عيداً من أعياد مصر الحديثة ، شاركنها في الاحتفال طائفة من أمم الشرق والغرب جميعا ؛ وكان "العيد الفضي" للنهضة فرصة سعيدة لتوازن  مصر بين ماضيها وحاضرها ، لنتخذ من ذكريات ذلك الماضي وحقيقة هذا الحاضر عدة للغد المأمول ...

وقد قرأت وسمعت وشهدت أكثر ما جري من احتفالات الهيئات والطوائف بهذا العيد ؛ وقد تناول حديث خطبائها وكتابها كل مظهر من مظاهر هذه النهضة ، وكل أثر من آثارها في حياة مصر الراهنة ؛ حتى ليمكن أن يقال إن حديث الخطباء والكتاب في هذه المناسبة بعد في جملته أعظم سجل تاريخي لهذه الحقبة من تاريخ مصر ؛ ولكن شأنا هاما من شئوننا كان لنهضة فيه أثر أي أثر ، ثم يعرض له كاتب واحد ولا خطيب واحد من كتاب هذا العيد وخطبائه ؛ هو أثر النهضة في الأدب ، وما يتصل بذلك من ذكريات أدبية لعل مثلها كان حقيقاً بالتنوبه والتسجيل ، ليكون تحت يد مؤرخي الآداب في هذا الحيل مصدراً من مصادر البحث والاستنباط .

منذا يذكر أين حال الأدب المصري اليوم اليوم مما كان منذ ربع قرن ، ثم يذكر أثر النهضة السياسية في هذا التطور العميق الذي ناله جملة وتفصيلا ؟

أما أنا فلم أشهد فجر هذه النهضة بعينين مبصرتين ، وإن كان كثير من ذكرياتها لم يزل مائلا لعينى في صور غامضة تتذبذب وراء الظلالى من أحداث الطفولة ورسوم الماضي ؛ ولكني مع ذلك أطمع أن يكون معى من الحديث ما يغني عناء ما في هذا الباب ، ولكنه ليس كل ما يطلب أن يقال في هذا الباب

... لقد سمعت سعدا يخطب ، وسمعت أبا شادي ، والقايانى ، وفلانا ، وفلاناً من خطباء البهضة وقادة الجماهير ؛

وقرأت كثيراً من المساجلات السياسية في صحف ذلك العهد ، بين عبد القادر حمزة ، وحافظ عوض ، وأمين الرافعى ، وطه حسين ، ومحمود عزمي ، وتوفيق دياب ، والمازنى ، وهيكل ، والعقاد ؛ وطوفت في كثير من الرحلات الانتخابية بين طنطا ، وزفتي ، وكفر الشيخ ، والمحلة الكبرى ، ودسوق ، وغيرها ، واستمعت إلي إسماعيل صدقي يخطب منافسا نجيب الغرابلى ؛ ثم إلى عبد الحميد سعيد ينافسه فلان ؛ وشهدت في هذه المعارك الانتخابية مجلس نعمات الأعصر ، وندوة أحمد الشيخ ، وقرأت عشرات الآلاف من المنشورات الانتخابية والسياسية التي كانت تطبع وتوزع في النور أو في الظلام ؟ قرأت ذلك كله ، وسمعته ، وشهدته ، في هذه الفترة من تاريخ مصر الحديث ... فأين أثر ذلك كله في أدب الجيل ، وأين الكاتب أو المؤرخ الذي أنتهز هذه المناسبة في " عيد النهضة الفضي " ليروي لنا من ذكرياته ومن مشاهداته قصة الأدب المعاصر في هذا الصراع ، أو ليربط بين الأسباب والمسببات ، وبين المقدمات والنتائج في بحث يوازن فيه بين حالي الأدب فى حاضره وفى ماضيه ؟ ...

... إن طائفة من القراء ليرونني كاتباً ؛ فهل يعلمون أين بدأت ؟ ... إنني لأذكر ذلك ، وكنت يومئذ فتي لم يبلغ حد الشباب ؛ وكانت الشوارع في طنطا مقفرة إلا من الجند والجراب وحاصدات الأرواح منصوبة علي أفواه الطرق . . ولم تكن ثمة معاهد قائمة أو مدارس مفتوحة ، وقد حرم على أبي الشيخ أن أغادر الدار خشية على من أذى الطريق . . وكان بي شوق إلي أن أرمى  وأعرف ما وراء هذه الجدران الأربعة التي يحتجزني خلفها أبي ، وأن أشهد بعينى شيئاً من تلك الأحداث التي تجري تحت السماء وتبلغنا أضاؤها مقتضبة أو مزيدة من أفواه الضيوف الذين يقدون إلي الدار ...

وكان أشد ما يشوقني ، أن أعرف شيئاً من أخبار صديقي "أبى قورة " الذي استودعنى حقيبة كتبه ذات صباح وراح يصبح مع الصائحين في مظاهرة عنيفة ثم لم بعد إلى بعد وانقطعت عنى أخباره مند اليوم ، لأنى منذ اليوم لم أغادر الدار ... ...

أكانت لهفتى إلي لقائه حرصاً على أداء الأمانة التي استودعنى إياها في ذلك اليوم ، أم شوقاً إلى ما زراء الجدران من أخبار الدنيا ؟ . لست أدري ؛ وطال حبسي عن صديقى أسابيع ، كنت أسمع فيها ما أسمع ، وأتخيل  ما لا أسمع ، وأتوهم الممكن وغير الممكن ، وأقرأ شيئا من جرائد ذلك العهد ... ثم جاءني نبأ صديقي : لقد جندله الجندفي ذلك اليوم الذي كنت وكان ، فلم يهمس همة ولم يوص وصبة بما حملني من وديعته !

ورو عني النبأ وأنكره سمعى ، وضاقت نفسي وثقلت على الأمانة ، ولكني حرصت على كتمان أمرها حسني لا يتهمني أحد من أهلي بأنني كنت على صلة بشهيد من شهداء الثورة فيشتد حبسي والتضييق على .. وانتهزت  فرصة فتسلت في الظلام لا أبالي الأمر العسكري الذي يمنع التجوال في الليل ، ولا أمر أبي وأمي ... وكان تحت إبطي حقيبة ؛ ومضيت أتمسح بالجدران حتى بلغت دار  "أبي قورة" ووقفت برهة لا أجد في نفسى شيئاً من الشجاعة ؛ نبهنى مظهر الدار الحزينة إلي نفسي فعدت أدراجي لم يشعر بي أحد هنا ولا أحد هناك ؟ وكان يصحبنى علي الطريق المظلم شبح لا ثراء العين ، يتحدث إلي وأتحدث إليه وأسأله عن أمره ويجيبتى ، فكأنما  شهدت بعينى مصرع صديقى ... فعدت وفي نفسي ثورة . . أي ثورة كانت ... !

ولما هدأ الصوت ونام كل من في الدار ، مضيت اتلمس الخطأ إلي غرقة بعيدة عن التوأم لأوقد مصباحي

وأبسط بين يدي ورقات أصنع فيها شعراً في رثاء صديقي ، و... وأحاول أن أشعل ثورة لأنتقم له ... ورأيتنى منذ ذلك اليوم شاعراً يخيل إليه أنه مستطيع أن يقود بشعره أمة إلي مخاضة الموت ... ...

فلما أسفر الصبح كنت على الطريق إلي "المسجد الأحمدي" حيث كان يعقد في كل يوم اجتماع عام ، وحيث يتبارى  الخطباء والشعراء من الشيوخ والصبيان ... ... وكانت أمنيتى أن يتاح لي أن أخطب ثمة وأنشد الجمهور من شعري ؛ فقد كنت على يقين أننى أستطيع أن أثير به من عواطف السامعين ثورة ثم يبلغ مثلها من نفوسهم  خطيب أو شاعر قط ؛ وكيف تظن بهم حين يسمعون قولي :

" يا أبا قورة ! يا أبا قورة !

في ذمة الله يا صديقى الشهيد ! "

إلي آخر ما هنالك من لغو وتخليط !

وقضيت نهاري في المسجد أنتظر احتشاد الناس ليستمعوا إلى ؛ وكان موعد الاجتماع في كل يوم قبيل المساء ، ونلت أمنيتى ، وأتيح لي أن أصعد المنبر في جلبابي القصير والأبصار شاخصة إلي ، وكان هذا منظراً مألوفا ، فكثيرا ما كان يتاح للأطفال ثمة أن يصعدوا هذا المنبر ليقولوا كلاماً أعده لهم آباؤهم ... وهتفت أول ما صعدت المنبر : " يا أبا قولة ! ... " وإذا يد قوية  تجتذبنى من كتفى لترد إلى فمى الصوت وصداء ؛ كانت يد رجل من أهلى الذين تفرقوا في كل وجه من المدينة يبحثون عني ...، ولم يسمع الجمهور شعري ، ولكن ذلك لم يمنعنى أن أكون شاعراً منذ ذلك اليوم . ولما سمعت الغرابلى يخطب بعد أشهر من ذلك اليوم ، أو لعله بعد سنين ، حبب إلي ان أكون خطيباً ، فكنته ، أو هكذا خبل إلي ؛ ثم صرت كاتباً بعد ، أكتب المنشورات المثيرة ليطبعها زملائى الطلاب الكبار سرا فيذيعوها في الناس ، ومضت سنوات وأنا لا أكاد أجد

في عملا في الأدب إلا كتابة المنشورات ، حتى صار لي في ذلك شهرة بلغت انباؤها آذان الكارفر كتبوا إلى ...

... ولما سمعت لأول مرة نشيد "اسلمي يا مصر إنني الفدا ... " انصرفت حيناً عن تعبير المنشورات وتحضير الخطب إلي محاولة الأناشيد ...

وكان كل خطباء الثورة في ذلك الوقت وما تلاه يرتجلون ، فما تري منهم أحداً تحت عينيه ورقة وهو يخطب ، وإنه ليظل في موقفه ساعة أو ساعات لا يتوقف ولا يتلعثم ولا يعود إلى معني سبق . . فلما تطورت النهضة من ثورة دامية إلى تدبير وسياسة ، قل المرتجلون  من الخطباء قلة ظاهرة ، وألف الناس أن يروا الخطيب وفي يديه ورقاته ، وكانت هذه من قبل عيباً يعاب وسبة  تشين ... ثم تواري المرتجلون فلم يبق إلا الخطباء  المقالات المكتوبة ...

هذه ذكريات من ذكريات النهضة ، لا أحصى بها كل ما كان ، ولأ كل ما أعرف ؛ ولكنها أمثلة لبعض المؤثرات السياسية التي تابعت النهضة ، في أدب هذا الحبل ؛ فمن ذا أشار إليها أو تناولها راويا أو باحثاً لمناسبة هذا العبد ؟

من ذا الذي قرأ مساجلات كتاب السياسة ، والبلاغ ، والأخبار ، والأهالي ، والمحروسة ، والأفكار ، ومالا أكاد أذكر من الصحف والمجلات - من ذا الذي قرأ مساجلات هؤلاء الكتاب السياسية والحزبية وحلل آثارها في أساليب النقد الأدبي وطبق ما فيها من ألوان العنف واللين ، والصراحة والمداورة ، والفحش والعفة ، والتهمة بالمروق أو بالغفلة - علي ألوان النقد في المعارك الأدبية التي شارك فيها طه حسين ، والعقاد ، والرافعى ، وعبدالله عفيفي ، وزكى مبارك ، وسلامة موسي ، وغيرهم من النقدة والكتاب ؟

ومن ذا الذي تتبع أثر المجادلات السياسية في مرافعات المحامين بالمحاكم ، وفي محاضرات الأساتذة بالجامعة ، وفي أساليب البحث العلمي في المجامع ، وفي

مؤلفات المؤلفين ، وفي رسائل الإخوان بعضهم إلي بعض وفي مناقشات العامة في القهوات وهي المصاطب ؟

ومن ذا الذي تتبع أثر هذه النهضة في الأدب الشعبي : من الرجل ، والمواليا ، والمحاورات المسرحية ؟

ومن الذي أحصى خطباء الثورة وكتابها ، ثم خطباء الانتخابات ، ثم خطباء البرلمان ، فعرف بهم وكشف عن خصائصهم وفنهم وأثرهم في فتق الألسنة وتفصبح الجهال ؟

ثم من الذي تتبع تاريخ الأحياء من أدبائنا المعاصرين فرد آثارهم إلى مصادرها ، وحاول أن يكشف عن العوامل التي أنشأتهم في الأدب ، وعن الظروف السياسية أو الحربية التي ارتفعت ببعضهم فوق قدره ، ونزلت ببعضهم دون قدره ، ومكانتهم الحقيقية من التاريخ الادبي بالقياس إلي مكانتهم من الجماهير ؟

وكم خطيباً من خطباء اليوم أنشأته الثورة فلولاها لم يكن ، وكم كاتباً ، وكم أدبيا ، وكم مؤلفا ، وكم كتابا ... ؟

لم يعرض أحد لشيء من ذلك حين عرضوا لكل مظاهر النهضة وآثارها ، وذكرياتها وأمانيها ؛ فهل يكون ذلك لأن الأدب في تاريخ هذه الأمة على هامش الحياة ، أو لأن أدباءها ومؤرخها على هامش الأحياء ... ؟

اشترك في نشرتنا البريدية