إن الأساوة أو ( العلاج ) قديم قدم البشرية نفسها ، فقد كشفت جماجم عثر عليها لأجيال من الناس كانوا يعيشون منذ نصف مليون عام ، عن آثار لا تدع مجالا للشك في أنها كانت محاولات الجراحين البدائيين لتخليص ذويها من عبث الأرواح الشريرة ( أو الأسياد كما يسميهم العامة ) . وسجلات المدنيات القديمة في بابل ومصر والهند والصين ملاي بوصف فنون العلاج وطرقه حسب ما كان يفهم منها أهل تلك الأزمان الغابرة .
وما تاريخ الطب إلا قصة رجاله العظام وأقطابه ؛ فمثلا كان sushruta رجل الهند العظيم وجراحها من اربعة آلاف عام ، يستعين على مزاولة مهنته بما لا يقل عن خمس وعشرين ومائة اداة جراحية . كما انه كان يعلم تلاميذه استعمال المشرط بتدريبهم على تشريح اشلاء الحيوانات وسيقان النيولوفر ومختلف أنواع الفاكهة . والحق أن طريقته في تكوين أنوف جديدة من عضلات الخدود هي اليوم الأساس الذي يقوم عليه فن الجراحة الترقيعية .
على ان الطب لم يتقدم كعلم إلا على أيدي اليونان ، فلقد كان طبيبهم العظيم hippoerates يجمع كل ما يحتاج إليه الطبيب من صفات ؛ فكان حكيما رحيما رزينا يعمل في تؤدة وحذر ، وكان على سعة علمه مستعدا لتعلم ما لم يعلم
ولم يحن القرن الثالث قبل الميلاد حتي كانت الإسكندرية مركزا مهما للعلوم الطبية ، وفيها اخذ اليونانيون يتلقون عن قدماء المصريين ما يعرفون من اسرار هذه العلوم ، فنبغ منهم Heroplulus و Erasistratus أما Hirophilus فكان أول من شرح الجسم البشري وأول من أقر بأن المخ مركز السيطرة على جميع الأعضاء . وأما
Erasistraius فكان أول من عد النبض مستعينا على ذلك بساعة مائية
ولم يهي لنا عهد الامبراطورية الرومانية أحدا ذا أهمية في هذا الميدان ميدان الطب بالمعنى الصحيح . غير انه في عام ١٣١ بعد الميلاد ولدت بمدينة pergumos في آسيا الصغري شخصية قدر لذكرها البقاء عدة أجيال شخصية جادة كثيرة الجدل جبارة النشاط ، تلك هي شخصية Galen العظيم ، تعلم Galen فن الجراحة على أجسام مصارعي الرومان . والحق انه استطاع ان يصور لنا عضلات جسم الانسان تصويرا دقيقا ، كما حبر قائمة كبيرة تحتوي على كثير من اسماء العقاقير الطبية ، والف ما لا يقل عن خمسمائة رسالة .
فإذا اعتبر Hippocratcs أبا الطب وجب اعتبار Galen دكتاتوره الأكبر . ولم يؤسس Galen مدرسة خاصة بطريقته ، ولا شجع الأنصار والأتباع على الالتفاف حوله واقتفاء خطواته ، فقد كان Galen وبحسبه ذلك معرفة . والواقع أنه اقتصر على تعاليم Galen في ميدان الطب اكتفاء مها عن كل جديد قرابة خمسة عشر قرنا . تعد الفترة المظلمة في تاريخ الطب ، طوي خلالها فن التشريح وانعدم العلم بوظائف الأعضاء ، واصبح الطب مجموعة قواعد نظرية لا أكثر ولا أقل ، وإن تجدت وخرجت إلي حيز الوجود العملى احيانا . على ان شعاعا من النور شعاعا واحدا اشرق خلال هذه الفترة ، فترة الانخطاط الطويلة ، أنقذ الطب من الاندثار والانعدام الكلى . فقد حدث أن نقى من الإسكندرية بعد موت Galen بأربعمائة سنة البطريرق Ncstorius منهما بالالحاد ، فلجأ مع أتباعه وانصاره إلى العراق حيث أقبلوا على ترجمة المؤلفات اليونانية
إلي اللغة السريانية . ولم يكد يشرق ضحي القرن السابع حتى اكتسح الإسلام دولتي الفرس والامبراطورية الرومانية الشرقية ، وشيد علي انقاضهما عاصمة الامبراطورية الاسلامية المتحدة العظيمة في بغداد . وما هي إلا عشية أو ضحاها حتى ترجمت المؤلفات السريانية في الطب إلي اللغة العربية ، فبدأ بذلك فاتحة عهد جديد للطب كان حامل لوائه وفارس ميدانه محمد ابو بكر الرازي البصري وابن سينا الفارسي . وللرازي يرجع الفضل في تعريف العالم علي داء الحصبة وتشخيص عوارضها وشرح أطوارها . كما كان أول من استعمل الخيوط المصنوعة من المصارين في خياطة الجراح ، فضلا عن أنه كان خبيرا ثقة بمرض الحصى في المثانة والكلي . وأما ابن سينا - وكان صاحب لهو وطرب - فقد خلف لنا مالا يقل عن تسعة وتسعين مؤلفا في العلوم الطبية ، فضلا عن انه كان أول من استعمل الملقط في حالات الولادة . ولم يكن ابن سينا أول من كشف عن أسرار حركات العين فحسب ، بل وهن بالحجة والدليل القاطع على معرفته التامة بنظرية الإبصار الحديثة والمرئيات
وللتراجم اللاتينية المنقولة عن المؤلفات العربية الصميمة وعن المؤلفات العربية المنقولة عن النصوص اليونانية ورجع الفضل في إيقاظ اوربا من سباتها العقلى مدة خمسة عشر قرنا
شهدت القرون الثلاثة : الخامس عشر والسادوس عشر والسابع عشر ، تشييد دعائم العلوم الطبية من جديد . فتجرا leonardo de vieci وكان يجمع بين العلم والأدب على الشك في صحة تعاليم الفيلسوف العظيم مدللا على اخطائه بطائفة من التجارب العملية قام بها في مسائل تتعلق بوظيفة الرئتين والقلب ، وما يؤديه كل منهما من عمل . وضجر vesalius وتسرب إليه الملل من طول سماع استاذه يتلو عليه الفقرات المطولة من مؤلفات Galen فعمد إلي الجنة البشرية فشرحها بنفسه استغناء بالعمليات عن النظريات ،
ولكن بينما تمخض الاقبال على التشريح الدقيق عن تقدم فن الجراحة ، ظل علم الطب الباطني يتخبط في الظلام ،
ولم تنقشع عنه الغيوم ويبعث من مرقده حتى طلع Harvey على العالم يا كتشافه نظرية الحركة الدموية ، وحتي طبع Sydenham مؤلفه العظيم عن الحميات وطرق علاجها . ثم أخذ التقدم يضاعف خطواته في مستهل القرن السابع عشر . وإذ بديء باستعمال الميكروسكوب الذي كان ابتكره جاليليو قبل هذا العهد بمائة عام لتعرف التفاصيل الدقيقة في تكوين جسم الانسان ، انتشرت الروح العلمية بين الناس وعظم سلطانها في نفوس الباحثين ، وجاءت نتائج البحوث العلمية تتري ، الواحدة تلو الآخرى بخطي حثيثة ، حتى كان من العسير هضمها جميعا بمثل هذه السرعة.
وقد كانت المائة عام الأخيرة عهد الطب العلم العلمي حقا . وهو عهد حافل بالنوابغ والعباقرة الافذاذ من الرجال امثال باستور pasteur وكوخ koch ولستر lister وارلخ Ebrlich ومانسون patreik manson اوروس ronald ross ورونتجن rontgen وكوري ciene curie وزوجه مدام كوري marie curie
وللمجد طرق شتى ، وكثيرا ما يكون الاكتشاف جديرا بالعظمة ومرتبة النبوغ ، واكتشاف هارفي harvey للدورة الدموية في هذه المرتبة . واحيانا لا يكون النبوغ في الاكتشاف نفسه ، ولكن في تفهم وتقدير اكتشاف مغفل لانسان آخر . فمثلا لاحظ العلامة الفرنسي بكريل becquerel أن معدنا معينا أطلق شيئا من قبيل الشعاع غير المرئي أو شبيها به ولكن مدام كوري هي التي اقامت الحجة على ان شيئا دخيلا على هذا المعدن هو سبب هذا الشعاع ، وان هذا الشعاع هو الراديوم واحيانا يكون النبوغ في إقامة البرهان على صحة نظرية شخص اخر فمثلا كان مانسون أول من اتهم البعوض بنقل جراثيم حمى الملاريا من إنسان إلي إنسان ، ولكن
. . هو الذي شرح بالضبط كيفية نقل البعوض لهذه الجراثيم من جسم إلي جسم . وأحيانا يكون النبوغ في تطبيق ! اكتشاف الآخرين عمليا ، فقد برهن باستور
وكوخ على ان الجراثيم والمكروبات تسبب الامراض ولكن لستر هو الذي ابتكر كيفية إبادة الحراثيم في صالة العمليات الجراحية
والزمن من العوامل المهمة في الاكتشافات ، ولا بد من نضجه واستعداده للاكتشاف ، وإلا أغفل أمره ومر عليه اهل عصر مر الكرام فالاكسوجين مثلا اكتشفه أحد العلماء قبل بريستلي priestley بمائة عام ، ولكنه جاء سابقا لعصره . وقد كاد ان يفوت على مندل mandel فضل بحوثه في نظرية الوراثة . ولعل خير مثال يستشهد به على ضرورة نضج الزمن واستعداده لاستقبال الجديد المبتكر اكتشاف سمبسون simpson للكاوروفورم . فقد كان الناس منذ أربعة آلاف سنة يعلمون خواص المواد المسكنة للالام ، ولكن اكتشف قوة الكلوروفورم المخدرة في نفس الوقت الذي طلع فيه
لستر على العالم بطريقة التعقيم والتطهير . ففتح بذلك ميدانا جديدا في فن الجراحة ، إذ كان الوقت ناضجا مهيأ لاكتشافه . وغني عن القول ان تقدم الطب يتصل بالتقدم في ميادين العلوم الأخرى . وهو حينا بطيء متأخر كما كانت الحال في فن التشريح خلال القرون العديدة التي كان يعتبر فيها تشريح الجثة انتهاكا لحرمة مقدسة ؛ وحينا سريع كما كانت الحال في ميدان علم الكيمياء وما كان من تطوره الصناعي ومكافحته للامراض والجراثيم واستعمال الفحم ، مما أدي - كما سنبرهن على ذلك في الأحاديث المقبلة - إلي استنباط أهم العقاقير المستعملة اليوم من مستحضراته الفرعية .
لقد نهض الطب في السنوات المائة الأخيرة على اكتاف عدد كبير من اقطابه هم دعائم هيكله ، وعمد بنيانه ، وأركان صرحه .
