الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 400 الرجوع إلى "الثقافة"

أزمة بين روسيا وتركيا

Share

عادت مسألة المضايق التركية وعلائق روسيا و تركيا   تثير من جديد سحباً فى الأفق الدولى ؛ وقد عكفت موسكو   منذ نحو عام على إثارة هذه المسألة من   وقت  إلى   آخر .   فقدمت  مذكرتــها  عقب  انــهــــــاء  الحرب إلى  تركيا  تطلب   استرداد  مقاطعتى  قارص و أردهان ، ووضع المضايق التركية   ( البوسفور والدردنيل ) تحت  نظام  إشراف  جديد  يسمح   لروسيا  بالاشتراك  مع  تركيا  فى  الدفاع  عنها  وفى الحصول   على  قواعد  استراتيجية  فيها ؛  وقد  ردت  تركيـــــــــا  يؤمئذ   برفض  المطالب  الروسية  ،  وصرحت  بأنـهــــــا لن  تقبل  أى   مطلب  يمس  استقلالها  ،  وأنـها سوف  تدافع  عن  كيانـهــــــا   ووحدة أراضها بكل ما وسـمت ،  وان  مسألة  المضايق  قد   نظمتها معاهدة  دولية  هى  معاهدة  مونيرو  ،  فالســـــــبيل إلى   تعديلها لا يكون إلا  بتعديل هذه  المعاهدة  باتفاق   الدول   الموقعة عليها .

والواقع  أن  نظام  المضايق  التركية  قد  تقرر  باتفاق  مونتر والمعقود فى سنة ١٩٣٦ ،  وكانت  روسيا  من موقعيه  إلى  جانب  بريطانيا  وفرنســـا  وتركيا  ورومانيا  واليونان  ،  وهو  ينص  على حق  تركيا  فى  تحسين  المضابق  ، وتنظيم  الملاحــــة فيهــــا، وإغلاقها  أثناء  الحرب أو  خطر الحرب فى وجه  السفن  من أى نوع  وبالنســـــبة  لسائر  الدول إلا فى                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                             أحوال  استثنائية  نص عليها . ولما كان نظام المضايق يعتبر   على هذا النحو نظاماً دولياً محضاً ، فإن وجهة النظر التركية                                                                                                                         هو أنه  ليس لروســــــــيا  حق  الانفراد  بإدارته  أو تسويقه ، ولابد لتغييره من عقد اتفاق دولى جديد تشترك فيه الدول                                                                                                                                                            ذات  الشأن إلي جانب تركيا وروسيا .

وأما  روسيا  السوفيتية  فترى  من  جانبها  أن  مسألة المضايق لا تعنى أولا سوى الدول الواقعة على البحر الأسود وهى   روسيا   وتركيا   ورومانيا  وبلغاريا  ،  وأن  الظروف

الدولية  قد  تغيرت  ولم  يبق نظام  مونترو  صالحاً  لتحقيق الغاية  منه ، وقد  ألقت  تجارب  الحرب  الماضية  فى  هذه المنطقة على روسيا دروساً أليمة ، تتلخص فى حصرأسطولها والحيلولة  دون  إبحارها بحرا من حلفائها ، وذلك من جراء موقف  تركيا ونظام  معاهدة  مونترو ، فهى لا تستطيع بعد أن تبقى بمعزل عن الاشتراك فى الإشراف على هذه المضايق التى  تعتبر بالنسبة لها مخرجاً طبيعياً  يتعلق  الإشراف عليه بسلامتها ومستقبل تجارتها فى البحار الجنوبية .

ولهذا فان روسيا السوفيتية تعود اليوم فتوجه إلى حكومة   أنقره  مذكرة  جديدة  تطلب  فيها  إعادة  النظر  فى اتفاق   مونترو  ووضع  نظام  جديد يسمح لها بالاشتراك فى الدفاع   عن المضايق  والإشراف  عليها  ؛ وتعود تركيا  من  جانبها   فتقابل  المذكرة  الروسية  بالرفض المطبق ، ويزيد على ذلك   رئيس  الوزارة  التركية  فيصرح  بأن  الجيش التركى  سيبقى   مدى حين  دون  تسريح ، وأن وجود  الحبش  التركى على   قدم  الأهبة  هو  الذى منع  الروس  أثناء  أزمة  أذربيجان   من الزحف على تركيا واحتلال الدردنيل .

ويجب أن نلاحظ أن تركيا تستند فى موقفها إلى تأييد   بريطانيا العقابى وأمريكا ، وأنـها تعمل معهما فى تفاهم تام .   وبريطانيا  هى  إحدى  الدول الموقعة على معاهدة مونترو ؛   وفضلا عن ذلك فهى ترتبط  حتى  الآن  مع  تركيا  بميثاق   دفاعى ينص على أن تقوم بريطانيا بمساعدة تركيا إذا هاجمتها   دولة أوربية . أما  أمريكا  فهى  ثانية  الدولتين  الديمقراطيتين   الغربيتين  المتين  تكونان  معا  جبهة  سياسية  موحدة  قبل   الجبهة   التى  تمثلها   روسيا  السوفيتية  فى  أوربا   الشرقية   والوسطى؟ ولهذا قيل لنا إن كلا من حكومتى لندن وواشنطون   سوف  تقدم  إلى  روسيا  فى  شأن  مسألة  المضايق   مذكرة   تؤيد  فيها  وجهة  النظر  التركية   يرفض   المطالب  الروسية   وتقترح  تعديل  معاهدة  مونترو  فى  مؤتمر  دولى  خاص .

على أنه يحق لنا أن نتساءل عن مدى استعداد بريطانيا

وأمريكا لتأييد تركيا ومقاومة السياسة الروسية . ومن   المحقق بادي ذي  بدء  أن تركيا مهما كان من  عزمها   وضخامة جيشها لاتستطيع حقا أن تغامر بالدخول فى   حرب مع روسيا السوفيتية ، ولا يمكن أن يعتقد إنسان   أنـها تستطيع وحدها مقاومة الجيش الأحمر وهو الذى لم   نفوعلى صده جيوش " الريتخ " المتيدة .والظاهرمن جهة   أخرى أن روسيا السوفيتية تزمع العمل على تنفيذ خطط   السياسية القيصرية القديمة  فى محاولة الخروج  إلى  البحار   الجنوبية والاندفاع نحو الشرق الأوسط ؛ وقد كان تصرف   السوفيت في أذربيجان مظهراً  من مظاهر هذا الاندفاع  ،   وما زالت موسكو تسعى إلى الحصول على قاعدة  فى  بحر   إيجة أو فى طرابلس ، وسعبها إلى فتح البوسفور والدردنيل   والإشتراك فى  الإشراف  عليهما ، كل  ذلك  من مظاهر   سياستها  الطموحة إلى  التوسع وإحراز النفوذ فى  مناطق   جديدة  بصورة  تتفق  مع ما هيأته لها انتصاراتها فى الحرب   العالمية الثانية من مركز ممتاز  .

ولا ريب فى أن بريطانيا العظمى وأمريكا لا تنظران   إلى  هذا  الاندفاع  الروسى  نحو  الجنوب  بعين  الارتياح ،   وليست مسألة المضايق التى تثيرها روسيا اليوم على خطورتها   إلا جزءاً من الشكلة الروسية العامة  التى  تواجهها  الدولتان   الغربيتان  وتعملان  على  تذليلها  كل  ما  وســمتا من حزم   وبراعة ومما بلغت النظر أن أمريكا بالرغم من كونـها ليست من   الدول  الموقعة  على  معاهدة  مونترو ، وليس  لها مركز خاص   فى   البحر   الأبيض   المتوسط   ، ليست  أقل  من  بريطانيا   معارضة   للسيطرة   الروسية  على   الدردنيل ،  وقد  أكدت   واشنطون   هذه   المعارضة  فى   مذكرتـها  التى  وجهتها  أخيرا   إلى  موسكو  ؟  وتصر  تركيا  من  جهة  أخرى  على أن تكون   امريكا  إحدى  الدول   المشتركة  فى  تعديل  معاهدة  مونترو ،   بينما تنـــــــكر روسيا على أمريكا  هذا  التدخل وتصر من جانبها   على  أن  يقتصر  بحث  مسألة المضايق على دول البحر الأسود .

وهكذا تغدو مسألة المضايق ، فضلا عن كونـها نزاعا   روسيا تركيا ، نزاعا دوليا خطيرا بين روسيا السوفيتية   وبين بريطانيا وأمريكا ، وإذا كانت تركيا تبدى إصرارا   وحزما في مقاومة المطالب الروسية ، فلأنـها تعتمد كل   الاعتماد على تأييد الجبهة الإنجليزية الأمريكية . بيد أننا   لا نعتقد على أى حال أنه يمكن أن يقع فى المستقبل القريب   أى نزاع مسلح بين روسيا السوفيتية والدولتين الغربيتين   مهما تفاقم النزاع الدبلوماسى بينهما ؛ ولسنا نعتقد أيهما   يمكن أن تخوضا من أجل تركيا حربا مع روسيا ، كما أننا   لا نعتقد أن روسيا يمكن أن تندفع فى سياستها إلى حد   إثارة النزاع المسلح فى الوقت الحاضر . وأغلب الظن أن   مسألة المضايق سنبحث مع باقى المسائل التى تتعلق بالتنافس   على السيطرة ، واحتلال النقط الاستراتيجية فى الشرق   الأوسط ؛ وستكون المسائل مجتمعة موضع التبادل   والمساومة ؛ ونحن نعرف أنه من المسلم به بين روسيا   وبريطانيا وأمريكا منذ مؤتمر بالتا أن تركيا تقع فى منطقة   السلامة الروسية ، وانه فيما عدا اليونان فإن البلقان يعتبر   كله منطقة نفوذ روسى ، وإذأ فقد يغدو من الممكن أن   تحل مسألة الدردنيل حلا يرضى روسيا ، إذا أبدت روسيا   تساهلا فى بعض المسائل الأخرى ، وإذا اطمأنت بريطانيا   إلى سلامة مركزها فى شرق البحر الأبيض ، وسلامة   مواصلاتـها الامبراطورية عبر العراق وإيران ، وإذا نزلت   روسيا بالأخص عن منازعة انجلترا في احتلال شواطئ   برقة وطرابلس .

ومما يتصل بمسألة المضايق بصورة مباشرة سعى بلغاريا   إلى الحصول على مخرج بحرى على بحر إيجه ، وهو ســــــعى   تؤيده روسيا لدي مؤتمر الصلح  فإذا ذكرنا أن بلغاريا   تقع فعلاتحت الحماية الروسية ، فإن حصول بلغارياعلى مثل   هذا المخرج إلى بحر إيجه يمكن روسيا من أن تطل على   هذا البحر بواسطة بلغاريا .

والظاهر أيضا أن تشدد الدكتاتورية العسكرية التى   تسيطر على مصاير تركيا إزاء المطالب الروسية ، على هذا   النحو القاطع ، لا يروق لفريق كبير من الرأى العام   التركى .  ويرى هذا الفريق أن تركيا يجب أن تسوى   علائقها مع جارتـها التاريخية على أسس التفاهم والصداقة ،   ولو اقتضى ذلك بذل بعض التضحيات المعقولة ؛ ويذكر   هذا الفريق ما أخذته روسيا من المعاونة الصادقة للحركة   الـــكمالية وللجمهورية التركية الناشئة ، وقد ظهر التصدع   فى صرح الدكتاتورية العسكرية الكمالية فى الانتخابات   التركية الأخيرة ، حيث استطاعت الجبهة الديمقراطية   المعارضة أن تحتل ، بالرغم من وسائل الضغط   التي لجأت إليها الحكومة ، نحو سبعين كرسيا فى المجلس   الوطنى الجديد ، وهى ظاهرة لم تعرفها تركيا الكمالية منذ   عشرين عاما ، إذ كان حزب الشعب ، وهو حزب الدكتاتورية   العسكرية ، هو الحزب الوحيد فى تركيا ، وهو المستتأثر بكل   رأى وتوجيه ؛ ونحن تذكر أن روسيا قدمت ضمن مطالبها              فى العام الماضي إلى حكومة أنقره ، أن تقوم فى تركيا   حكومة ديموقراطية صديقة مكان الحكومة الدكتاتورية   الحاضرة ، وكان ملحوظا فى المعركة الانتخابية الأخيرة   هذا الخلاف فى الرأى بالنسبة لمسألة العلائق التركية الروسية ؛   ولكن الدكتاتورية استطاعت بوسائلها الخاصة أن تكسب   المعركة مرة أخرى .

والخلاصة أن مسألة المضايق ليست مسألة مستقلة   بذاتـها ، وليست مسألة تركية روسية فقط ، بل هى جزء   من كل ، وهى أحد عناصر هذا المترك الدويى الجديد   الذى يضطرم بين روسيا السوفيية وبين الدولتين الغربيتين   الكبيرتين ، والذى ينتظر تسوية عامة شاملة تتداول شئون   شرقى البحر الأبيض ، وشئون الشرق الأوسط كلها . فإذا   وقف الفريقان إلى تحقيق هذه التسوية العامة . فإن مسألة   المضايق سوف تلقى الحل الذى ترتضيه روسيا وترتضيه تركيا

اشترك في نشرتنا البريدية