عزيزي الأستاذ دريني خشبة أخرجت للناس باكورة كتبك فكنت راويا لروايات إغريقية عاشت عصورا وهي أملوحة الآداب، ومجلبة الإطراب، وألهية الفكر، فقراؤك نظارة، وصفحاتك مشاهد، وفي آخر كل قصة من قصصك يسدل الستار.
وشئت أن تطرف ببراعة استهلال، فقدمت بين أيدي القراء أروع هاتيك القصص عن بسيشيه وإله الحب، فإذا بك تعرض فينوس أم هذا الإله الطفل في معارض الحسد الذي ما سلمت منه امرأة، وفي دواهي الكيد وهو الصق الصفات بالنساء. فينوس تنصب شباكها لبسيشيه، فهي تغار منها وتحسدها على عرش الجمال، فترسل إليها ابنها بقوسه ونشابه ليرميها في جحيم الهوى، وبسيشيه فتاة لعوب غريزة الدلال، اصدق حليتها السذاجة والتصديق. فؤادها ما شق شغافه ولا خفقت بالهوى سويداؤه. فهي تخاف من الحب، والخوف منه هو الوقوع فيه.
أما كوبيدون هذا الرب الصغير، فقد جاء الإغريق من قبلك عليه، فحملوا الشطط وركبوا به على غوارب الظلم وهو طفل ما شب عن الطوق، ولا أنشق له باب، ولا ترك التسلي واللعاب. فأنى له الحب وعذابه، والغرام ولظاه. وقد أبه لهذا الخطل في الفن مصورو القرون الأخيرة فكان دولاكروا اسبقهم إلى الصواب فصور كوبيدون في صورة شاب مراهق وهو يقبل بسيشيه من على الجبين. وأني لأعجب، كيف جاز في الشجون أن يهوى بسيشيه كوبيدون. فهل يحب نفسه الحب كما يجن الجنون.
وخلبتني بأسطورة نرجس وقد عشق جماله وهام على وجهه في حب محاسنه، فكان يطل على صفحة الينبوع وهو ظامئ، فيشغله الغرام عن الأوام فيهوى بفمه على فمه. ولكن يتكسر الماء دون الارتواء. ولمامات طلعت مكانه على ضفاف الغدير زهرة النرجس فهي تطل أبدا على صفحة الماء، تتمرى عليه، وتهفو إليه.
ونقلني النرجس من هيامه بحال، إلى هيام بجماليون بتمثاله. فيا لله إبداعك وأنت تصف بجماليون الحيران في مصنع تماثيله ينقش بمنقاشه تمثال غالاتيا، فيسكب عليه كل مفاتن فينوس. وكان قلمك كمنقاشه فجمعت كل حلاوات المرأة، ثم وزعتها واحدة فواحدة على جوارح غالاتيا وقسماتها الحسان.
وشغف تمثال الرخام حباً بجماليون فمر بيديه اللامستين على مرمره البارد المسنون، وما راعه إلا حرارة الحياة تدب فيه، فإذا هو من لحم ودم وإذا غالاتيا تناجيه فيه بصوت فينوس.
وقد أولع رواة الأساطير بهذه القصة فافتنوا في سردها الفنون حتى كلن يراعك فسلك هذا المهيع الجميل.
ولا آتي على أساطيرك كلها، فهي زهرات مغريات تكفي واحدة منها أن تملا شمي بعطورها القبرصية حينا من الدهر القي فيه عن كتفي عبء الهموم. والأساطير يا صديقي منحة أدب غال. قد ابتكرتها الأمم القديمة لترفع الإنسان الفاني من حمأة الأرض إلى ملكوت السماء. ولم يك الأولمب عند الإغريق إلا سلما علويا لأولئك الآلهة الذين احبوا وابغضوا، وناحوا وضحكوا، وسلاهم عن كآبة الفناء لن كتب لهم الخلود، فذاقوا الحب الذي هو أقوى من الموت كما تقول
التوراة. ولكنهم ما دنسوه بالمفاسد بل كان محور حياتهم: أنزع الحب منهم تفرغ الأساطير من الجمال، وتصبح صحراء سبسباً في لوافح الهجير. ونحن على الأرض منحنا حباً ولكن ما عرفنا حلاوته، ولا وعينا نبالته، ولقد دنسناه ثم دسناه.
كذلك رفعتي أساطيرك من هذا العالم حين قراءتها. ولا تعجب لأمري، فقد تمنيت لو كنت أحدها، لا إلها فما سموت إلى مقام الأرباب وعروشها، ولكن إنسانا أعيش في أكناف الأولمب كسادن في هيكل الفنون. وما رواية حياتنا يا صديقي بعد ألف عام إلا أسطورة كهذه الأساطير.
ثم هات حديث الأدب عنها، فقد أفادت فنون الغربيين فمزجوها في شعرهم ونثرهم، وحكمتهم وعظاتهم. فكانت فينوس ريحانه الشعور، وميزفا لسان الحكمة. وصورها المصورون، فألواحهم الخالدة من ألوانها غميسة. وترنم بها القيان وأصحاب اللحون، ورقص في إهابها الرقصات، فواتن لفتات.
فعلى شعر هوغو بل نداها، وفي ليالي موسيه أنفاسها وشذاها. وأنظر إلى الشاعر أندره شينيه، فقد كان حبيساً ينتظر ضرب العنق علة مقصلة روبيسبيير، فنظم في السجن ديوان (المراثي) شكوى مزامير بأنغام الأساطير.
ولم يفد منها أدبنا القديم، كما تقول في مقدمتك، تعلة الرميتين وقد آن يفيد على يديك ويدي أندادك من رواة هذا القصص الإغريقي البديع.
بعد هذا بقى على حسابك، فكيف أجزت لنفسك أن تجعل من أسطورة السطرين صفحتين. والأسطورة يا أديبي نص تاريخي عتيق، تفاوت في ادعائه سبع مدن. وأنا عذيرك في التزيد عند الأوصاف والبدائع، دون الصفات والوقائع. وهذه منك سابقة إبداع في العربية في أن تجري على غرار من كتب السيرة بأسلوب الأدب وطريقة الفن، لا بتحقيق التاريخ ونقد الحوادث. فخرجت بالأساطير من خمائل عتيقة إلى أفواف جديدة عربية، بأسلوب حر الكلام، مبين المعاني. وإن شئت في الختام وصفاً لروعات إنشائك في هذا القصص؟؟؟؟؛ قلت لك إني لا أراه أسطورة أحلى من الأساطير.
(القاهرة)
