يعجبني الأدب الذي يطبعه أصحابه بطوابع بلادهم، ويلبسونه حللاً من نسج أرضهم أو يتسقطون أخباره، فما كان منها لصيقاً بهم عطفوا فنونهم عليه، وحنوا بآثارهم إليه. كذلك سرني أن أقرأ الأساطير الشرقية التي ألفها ورودها الأستاذ كرم البستاني وأخرجتها دار المكشوف في بيروت. وللأستاذ كرم ولع قديم بهذه الطرف يحسن عرضها ويجلي في سردها ويعدها للقراء مثل طنفسة ثمينة طرزتها يد صناع، وكنت وأنا أقرأ هذه الأساطير أحس بشرقيتي ويتملكني العجب للأمم التي تعاورت على الشرق في قديم عهوده وكانت هذه الأساطير سفرها وأدبها.
تمتاز أساطير الأستاذ كرم بهذه الشرقية الصافية التي ألقت قدميها على شواطئ لبنان أيام الفينيقيين مثل حسناء بحرية، وداعب شعرها نسيم لبنان العليل وشاقها الغرب بملاحاته وسحره فأحبت بلاد اليونان ودعتها السياحة والمغامرة إلى زيارتها والبقاء فيها.
فعلى أساطير البستاني جمال الشرق وملاحة الغرب كأسطورة قدموس وأخته أوريا؛ فأم هذين الشقيقيين حورية الماء (صور)، وصور مدينة شرقية عتيقة ما نزال إلى هذا اليوم عليها غلائل الأساطير الفينيقية. ثم انظر كيف تمر هذه الأسطورة من مصنع الشرق إلى سوق الغرب متخذة فن راويها كبساط الريح. فان جمال أوريا أخت قدموس قد استلب لب جوبتير الشبق الذي يلوب على جمال بنات الأرض فيهبط عليهن يغترفهن مثل نسر كاسر ينقض على عصفور. فيرى في حقول صور أوريا ترعى الثيران فيرسل إليها أحد بنية يختطفها إليه ليسبيها فيهب أخوها يبحث عنها في الأمصار حتى يصل إلى اليونان وتجرى له ثمة حوادث تنسيه أخته وتذهله من نفسه.
وهذه الأساطير جرى كاتبها فيها على طريقة علمية اكثر مما يجرى على طريقة فن أدب فقد تحرى فيها المصادر، ودرس آثار الكاتبين عنها قبله في الآداب القديمة والحديثة، وألزمته هذه الطريقة أن يشرح ألفاظاً ويحقق تواريخ تتعلق بالميثولوجيا. والعجب لحوادث أوردها بعضها محقق في الوجود وبعض ورد ذكره وحوادثه في الكتب المقدسة فرواها الأستاذ البستاني على إنها في أساطير.
وليس في وسع التحقيق الأدبي وان شاء الأطراف أن يميل إلى هذا التسامح.

