الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 621الرجوع إلى "الثقافة"

أسباب الحرب

Share

لا نزاع في أن الحرب آفة من الآفات القديمة المستعصية ، وهي في العصر الحديث أشد نكرا وأفدح ضررا وأسوأ أثرا ؛ وكان المأمول أن الإنسانية في عصر الحضارة والاستنارة قد تهتدى إلى أسلوب آخر فى علاج خلافاتها ومشكلاتها أكثر تهذيبا وأسمى غاية . وما قيمة التجارب إذا كان الإنسان لا يتعلم منها ولا ينتفع بها . وقد اختلفت آراء المفكرين الاجتماعيين  فى تعليل بواعث الحرب وتفسير أسبابها ، ولم يستقر لهم قرار على رأى من الآراء ، ولم ينعقد إجماعهم على باعث من البواعث ، وأوضح الأسباب التى يحللون بها الحرب وأبرزها ثلاثة أسباب : السبب الأول هو وجهة النظر الاشتراكية ، وهى ترجع الحروب إلى الأسباب الاقتصادية المحضة ، وتفسر الحرب باعتبارها عنصرا لازما فى مرحلة خاصة من مراحل التقدم الاقتصادي : والرأى الثانى وهو فى الأغلب رأى المفكرين الأحرار والاقتصاديين القائلين  بمذهب حرية التجارة ، وهو ينكر وجود علاقة محتومة بين الرأسمالية والحرب . والحرب فى رأي أصحاب هذا الرأى نوع من الارتداد والرجعي ، وأثر من آثار ميول غرستها فى النفوس الأحوال الاجتماعية

القديمة ، وتصور للدولة كما كانت تتصورها الأسر الملكية السائدة الطامعة فى المجد وبسط النفوذ وامتداد السلطان ويضاف إلى ذلك حالة الفوضي الدولية السائدة في العلاقات الأمية والتشبث بمعتقدات فاسدة زائفة ، وأوهام فارغة تقيم العقبات في طريق التفاهم المعقول والنظر الصحيح ، وتغرى الناس بالجرى وراء سياسات ما كانوا ليتعلقوا بها لو فطنوا لما تجرء عليهم من النكبات والرزايا ، والرأي الثالث هو رأى أنصار التحليل النفسي وأصحاب هذا الرأى يذهبون إلى أن السبب الرئيسي للحرب هو الميل إلى الاعتداء الكامن فى غرائز الإنسان وإخفاق بواعث الكبح وعجزها عن كف عاديته، وما دام هذا الميل إلى الاعتداء مستوليا على النفوس ، فلا التربية ولا النظم السياسية ولا النظم الاقتصادية بمجدية فى استئصال العلة وحسم الشر ، والأمر يستدعي قبل كل شئ بذل جهود جبارة لإزالة التوترات اللاواعية والعلل النفسية وتجفيف ينابيع الهم والكراهة والحقد والضغينة .

والرأى الاشتراكى فى تعليل الحرب يقوم على نظرية فى الإمبريالزم تكفل بشرحها البحاثة الاقتصادي القدير

هبسن ، واستوفى بيانها فى كتابه القيم عن الإمبريالزم . وهبسن يفرق بين الاستعمار والإمبريالزم فالاستعمار هو هجرة جزء من الأمة إلى ناحية خالية أو مكان قليل السكان ، واحتفاظ هذا الجزء من الأمة تبعيته لبلاده الأصلية ، وإيجاد نظم في البلاد المستعمرة مماثلة لنظم أمته واحتفاظه بسيطرتها والخضوع لأحكامها ؛ أما الإمبريالزم، فهي أن تحتل فئة قليلة من الناس بلاد غيرهم من الأمم متذرعين إلى ذلك بمختلف الذرائع ، زاعمين أن السكان الأصليين عاجزين عن الحكم الذاتى وغير صالحين له . والإمبريالزم بهذا المعنى مصدرها الأصيل فى رأى هبسن ضغط رأس المال الصناعي على الأسواق والرغبة في توظيف المال وتصدير الزائد عن الحاجة من الإنتاج الصناعى فى الوطن الأصلي ؛ فالإنتاج الزائد من الحاجة كذلك رأس المال الزائد الذي لم يجد اصحابه مكانا لتوظيفه ، قد أرغما بريطانيا وألمانيا وهولندة وفرنسا على الاندفاع في سياسة الإمبريالزم وضم مساحات شاسعة من الأرض إلي أملاكها . ومصدر الشر فى رأي هبسن هو سوء توزيع قوة الاستهلاك ، لأنها تمنع من امتصاص أو استنفاد السلع والانتفاع برأس المال فى حدود البلاد الأصلية ؛ وطلب أسواق جديدة في رأى هبسن ليس ضرورة محتومة للتقدم الصناعى ، وإنما هو كما قدمت شئ سببه سوء توزيع قوة الاستهلاك ، بحيث إنه لو وجد توزيع عادل للأرباح والسلع لانتفت البواعث على طلب الأسواق الخارجية .

والدور الذي تلعبه العوامل غير الاقتصادية لا يمكن إنكاره , فالوطنية المتطرفة وحب المغامرة والجشع السياسى والمطامع الحربية لها تأثيرها فى حب التوسع وبسط النفوذ . وغاية ما يقال هو أن الشئون المالية تحفز الهمم المتوثبة وتنصب لها الغرض الذى تقصده وتهدف إليه ؛ والتنافس على توسيع الممتلكات وبسط النفوذ استوجب الإمعان فى التسلح والتأهب للحرب ، وقد مهد ذلك بطبيعة الحال لحدوث التصادم ونشوب الحرب ، وقد أوقع ذلك في نفوس الأقوام أن مصالح الدول متعارضة ، وأن الحرب وسيلة

لا متحول عنها فى تحقيق المطالب وأنه لا وسيلة للخلاص من خطر الحرب الدائم ؛ وأصحاب هذا الرأى يرون أن النزعة القومية ليست عقبة فى طريق السلم ، وأن حب التوسع والعدوان هو الذي جعل النزعة القومية المسالمة نزاعة إلى الحرب مولعة بالأذى والشر ، والقوة الدافعة إلى ذلك ليست قوة قومية ، وإنما هي قوة حزبية طبقية ، فهناك طبقة من الناس تستفيد من ذلك . وليس معنى ذلك أن هذه الطبقة تبحث عن الحرب وتمهد لها لبواعث أنانية مادية تسترها بالكلمات الرنانة والصيغ الأخلاقية والمسوغات الأدبية ، فإن الأمر أدق من ذلك وأخفى مدبا ؛ والذين يؤيدون سياسة التوسع والامتداد لا بد لهم فى بادىء الأمر من مخادعة أنفسهم قبل أن يختدعوا غيرهم ويغرروا به .

ورأي الماركسيين يشبه رأى هبسن من بعض الوجوه . ولكنهم لا يقتصرون فى تعليل الإمبريالزم على مسألة نقص الاستهلاك المحلى . وإنما يرون أن الإمبريالزم مرحلة لابد  منها من مراحل النظام الرأسمالي وهو فى طريقه إلى الإفلاس والإنهيار . والإمبريالزم  في نظرهم هي الرأسمالية في حالة التدهور والانقراض . فالدول التى تعيش على تصدير رأس المال مضطرة إلي أن تسير في طريق التأهب الحربى وخوض غمار المعارك

وبعض أحداث التاريخ الحديث تؤيد هذا الرأى ، ومنشأ التوتر فى العلاقات الدولية بين الأمم كان مرده فى كثير من الحالات إلى التنافس فى التوسع وبسط النفوذ والتسابق فى اقتحام الأسواق الخارجية وإيجاد مناطق الفوز ؛ وقد كادت أزمة فاشودة تحدث حربا بين إنجلترا وفرنسا فى سنة ١٨٩٨ للسيطرة على السودان ، وقد تركت فى النفوس أثرا سيئا ظهر فى الخلافات التى كانت تنشأ بين الدولتين بعد ذلك . وقد كادت أزمة مراكش التى وقعت فى سنة ١٩٠٥ وعادت إلى الاشتداد في سنة ١٩١١ كادت تحدث حربا عالمية ، وسببها تصادم المصالح التجارية والتزاحم على مناطق النفوذ بين فرنسا وألمانيا وانجلترا . ومهما كانت الأسباب التى أدت إلى نشوب حرب البوير من التعقيد

والاختلاط ، فمما لاشك فيه أن المصالح المالية كان لها فيها الضلع الأكبر والأثر الأقوى . ومن أسباب احتلال الإنجليز لمصر سنة ١٨٨٢ الخوف على الأسهم الأجنبية ، يضاف إلى ذلك الرغبة في حماية قنال السويس . ونشأت الحرب الروسية اليابانية سنة ١٩٠٤ بسبب النزاع على كوريا ومنشوريا واستيلاء اليابان على جزء كبير من الصين قبل الحرب الكبرى الأخيرة كان سببه البواعث الاقتصادية والرغبة فى التوسع .

وقد وجهت إلى النظرية القائلة بوجود علاقة محتومة بين سياسة التوسع الإقليمى وضغط رأس المال الزائد نقدات كثيرة جديرة بالنظر والتأمل ؛ فقد لوحظ في بلاد الإنجليز مثلا أن تصدير رأس المال قد بلغ نسبة كبيرة سنة ١٨٧٥ وأن هذا التصدير لم يكن مرتبطا بفكرة التوسع الإقليمى لأن اشتداد حركة التوسع كان بين سنة 1884 وسنة ١٩٠٠ . وأصحاب هذا الرأى يحاولون أن يثبتوا أن تصدير رأس المال يمكن أن يحدث بدون توسع إقليمى محتوم . والحجة الأقوى من ذلك هى أن بعض حالات التوسع الإقليمى قد لا يمكن تفسيرها بمسألة الرغبة فى توظيف رأس المال فروسيا القيصرية لم تكن تملك رأس مال زائد عن الحاجة ، وبرغم ذلك كانت من أحرص الدول علي التوسع الإقليمى في العصر الحديث ؛ وأسباب الرغبة في التوسع هنا هي الطموح السياسي وشهوة السيطرة والتملك وجنون العظمة والمجد الغالب على الأسرات المالكة . ومما لا شك فيه أنه كان هناك الكثير من التوسع الحربى قبل ظهور رأس المال والتنافس علي المصالح التجارية ، ولكن روسيا فى القرن التاسع عشر كانت تجارى الدول الراغبة فى التوسع ، ولم يخل الأمر من دوافع اقتصادية ، فقد كان رأس الفائض يستعار من الماليين الفرنسيين .

والتوسع الإقليمى الإيطالى قد لا يثبت النظرية التى ترد الحرب إلى الأسباب الاقتصادية ، فقد كانت إيطاليا فقيرة ، وما أفادته من مستعمرانها موضع الشك ، ويبدو

أن الرغبة فى الفخار القومى والتمجد كانت هي الدافع على التوسع ، ولكن بالرغم من أن الأمة الإيطالية بوجه عام لم تفد من هذا التوسع ، فإن بنك روما وبنك إيطاليا لا بد أن يكونا قد غنما من ذلك الأرباح الطائلة . ولا نزاع فى أن المثل الذي ضربه الإنجليز لسائر الأمم فى التوسع الاستعمارى كان يحفز هذه الأمم إلى الاقتداء بها في الأخذ بهذه السياسة وترسم خطواتها . وكأنما عز على الدول أن تترك إنجلترا منفردة فى هذا الميدان!.

ويرى بعض المفكرين الاقتصاديين أن رأس المال لم يكن هو السبب الأصيل في التوسع الاستعماري ونشوب الحرب . وقد تتبع أحد هؤلاء المفكرين بعض الأمثلة الحديثة البارزة مثل النزاع الإيطالى الفرنسى على تونس ، ومثل النزاع الإيطالى التركى على طرابلس  ، ومثل النزاع الروسى البريطانى على النفوذ في إيران . فوجد أن التدخل المالى قد اتخذ فى جميع هذه الحالات وسيلة للأهداف السياسية ، أى أن أسباب النزاع كانت سياسية قبل أن تكون اقتصادية ، ومن رأيه أن الخلافات بين الأمم على توظيف رأس المال لا تصبح خطيرة منذرة بالشر إلا حينما تكمن وراءها الأغراض السياسية ، وأن الأهداف المالية لا تلقي تأييدا إلا إذا ساندتها الأسباب السياسية ، والواقع أن الأغراض السياسية مرتبطة ارتباطا شديدا بالأهداف المالية الاقتصادية .

ونرى من ذلك أن النقد الموجه إلى التفسير الاقتصادى للحرب لا ينقض فكرته الأساسية ، وإنما يبصرنا بالدوافع الأخرى التى تشتبك به وتشد أزره ، مثل الرغبة في بسط النفوذ وطلب المجد وحب الفخار وسمو الشأن .

والاقتصاديون الأحرار لاينكرون أن تدخل الحكومات فى المسائل الاقتصادية كان من أقوي أسباب التصادم بين الدول . ولكنهم يرون مع ذلك أن اشتباك العوامل الاقتصادية بالعوامل السياسية ليس من المسائل الكامنة فى طبيعة النظام الرأسمالي ، بل هى تشويه له وقلب لأوضاعه ، وليس بين الرأسمالية والإمبريالزم علاقة محتومة ، بل إن

القوة فى أيدى أغنياء قلائل . أما الباقون الذين لا يملكون رءوس أموال فليس لهم إلا الإرهاق والعمل المضنى مع الفقر والحرمان ، فعمل على ضمان العدل وعلى تهيئة نظام للعمل ، واستطاع بواسطته أن يرفع من مستوى المعيشة فى روسيا للعمال والفلاحين . وذلك بكثرة الإنتاج وتسهيل التقدم الفنى في الصناعات .

أما غاندى ، فقد خصص حياته لتربية الروح والنفس والسمو بهما . لقد رأي المجتمع لا يقدر الممتلكات الروحية والنفسية حق قدرها ، ورأى تهافت الناس على الثروات والسلطات المادية ، ورأى أنه إن اهتم الفرد بروحه وخلقه وقدر استقلاله الذاتى وحريته الشخصية استطاع أن يصل إلى درجة عظيمة من الرقى والكمال  , فدعا دعواته الروحية

بين الشعوب ، وبث عقيدته هذه فى الملايين ؛ وقد نجح غاندى نجاحا جعلنا نعتبره من أكبر المصلحين الذين أخرجتهم الحياة منذ بدء الخليقة .

لقد رأى برنارد شو أن للحياة اتجاهين ، اتجاها تتحكم فيه المادة والقوة . وقد استطاع ستالين أن يبلغ الذروة فى تنظيم هذا الاتجاه وبلغ غاندى الذروة فى تنظيم الاتجاه الآخر ، وهو الاتجاه الروحى والخلقى .

ربما استطاعت فلسفة القوة أن تعيش وحدها ، وربما استطاعت فلسفة الروح أن تعيش وحدها ، ولكنى لا اعتقد أنهما يستطيعان أن ، يجتمعا معا إلا كصورتين وفوق سرير لفيلسوف .

اشترك في نشرتنا البريدية