الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 37 الرجوع إلى "الثقافة"

أسباب الحروب

Share

الحرب ظاهرة اجتماعية اتصف بها الانسان منذ فجر التاريخ ، وهي معول هادم يعمل على تحطيم صرح الحضارة ، وصخرة عالية رتظم عليها تيار المدنية الدافق . ومن العجيب أنها ظاهرة إنسانية بحتة ، يتصف بها الإنسان دون سواء ؛ فالحيوانات الدنيا لا تقاتل إلا في سبيل القوت ، أو في سبيل الغريزة الجنسية ، وقد تقاتل للعبث والله أحيانا كما يفعل القط بالفأر . ولكن هذا الضرب من القتال لا يختلف عن فتك الإنسان بالحيوان ، لاشباع الجوع ، أو خروجه للصيد لتزجية الفراغ واللعب . فليس قتال الحيوان إذا حربا بمعناها المعروف ، إذ الحرب قتال إجماعي منظم تسبقه عزيمة وإصرار . أجل إن بعض الحيوانات الاجتماعية الاجتماعية تخرج في جيش منظم للقتال ، ولكنها حينئذ تهاجم جماعة من جنس غير جنسها . أما الإنسان فهو وحده الذي يخرج في جماعة مؤلفة لقتل إخوانه من بني الانسان ، وهو في هذه الظاهرة فريد بين الحيوانات ليس له نظير .

ومن علماء البيولوجيا - مثل السر ارثر كيث - من يري ان الحرب ضرورة حيوية لتطهير المجتمع من العناصر السيئة بين الحين والآخر ، وأنها تعمل على إبقاء الأصلح من الأمم والأفراد . ولا شك أن هذا الزعم باطل ، فالحرب تفني الشباب الاقوياء ، وتبقى الضعفاء والمرضى . وليس لدينا ما يثبت أن الأمة المتفوقة في الحروب هي خير الأمم وأعلاها حضارة . وليس أفضل بني الانسان اخبرهم بشئون الحرب وفنونها ؛ بل إن التاريخ ليثبت ان امة قوية قد تبيد ، وتبقى إلي جانبها أمة ضعيفة ، لأنها لم تتعرض لما تعرضت له الأولى

وقد نظرت المدنيات المختلفة إلي الحرب نظرات متباينة ؟ فكانت اوربا تعبد البطولة الحربية وتقدس الجهاد في سبيل الدين . أما الصين فكانت تري مثلها الأعلى في العدل والإنسانية والثقافة والعيش الهادي في جماعة متناسقة ويؤثر كنفيوشس حكمة العقل على شجاعة القلب ، ويقول إن تضحية الحياة لا تليق بالرجل الحكيم . وكان الرجل في العصور الوسطى يؤثر ميتة طيبة على حياة طيبة ، ويري أن الاقدام والجرأة قد يكونان سببا في القضاء علي حياة مليئة بالأثم والرذيلة . وقد ترتب على ذلك أن أصبح رجال الدين في اوربا يبشرون بالاضطهاد الديني ، ورجال السياسة بيررون الاعتداء القومي . وبقيت الصين تري مثلها الأعلى في المهادنة والسلام ، حتى طغت عليها المدنية الغربية ، واعتدت عليها اليابان ، فاعتنق ابناؤها هذه العقيدة الخبيثة في تمجيد القتال .

ولا تختلف تعاليم بوذا في الهند عن تعاليم كنفيوشس في الصين . فالبوذية تقول ( بالإشمسا ) اي تحريم الإبذاء ؛ وهي - تطبيقا لهذه العقيدة - تحرم صنع الأسلحة وبيعها ، كما تحرم عمل السم والجندية وقتل الحيوان ، وكل ما يؤدي إلي الفناء . ولذا فقد انتشرت البوذية دون اضطهاد ديني ، ودون الحاجة إلى " محا كم للتفتيش " ، كما فعلت المسيحية التى قامت على اشلاء الضحايا ، وارتوت بدماء الشهداء

وإذا كان مذهب كنفيوشس ومذهب بوذا قد شقا طريقهما دون قتال ، فإن في هذا دليلا على ان الحرب قد لا تكون ضرورة لا بد منها لنشر العقائد أو بناء الحضارة ، فلماذا إذا اصطبغ تاريخ الإنسانية بالحروب ، وتلطخ بالدماء ؟

كانت الغريزة الجنسية عند الإنسان الأول هي أقوي الغرائز ، فكان زعيم القبيلة يقاتل في سبيل المرأة وحدها . ولما تشعبت الحياة وتعقدت سبلها طغت غريزة السيطره على غريزة الجنس ، فافتتن القادة والزعماء بحب السلطان ، وبالخلود بعد الموت ، وبات حب المجد والذكري اهم باعث على حشد الجيوش للنضال . فلقد كان ملوك أشور يقاتلون في سبيل المجد وحده ؛ وكذلك كان الإسكندر الأكبر وفرسان العصور الوسطى ، ولويس الرابع عشر ، ونابليون بونابرت . والمجد لا يصيب الملك أو الزعم وحده ، بل إن كل فرد من أفراد الأمة الظافرة ليأخذه الغرور والزهو ويدعم هذا الوهم في عصرنا هذا ما تذيمه الصحف والراديو والصور المتحركة . ولو علم الناس ان هذا النصر لم يعد كما كان قديما - يقوم على تضحية نفر من الجند بعيدا عن أرض الوطن ، لثابوا إلى الرشد ، وسلكوا محجة الصواب .

وهناك خلا هذا الباعث العام عوامل اخري للحروب ، يقسمها الدوس هكسلي إلي نفسية وسياسية واقتصادية

أما الأسباب النفسية فأهمها أن الفرد العادي يحب الحرب لأن عمله وقت السلم كثيرا ما يكون مملولا مذلا لا أمل فيه ، ولذا فهو يرجو ان تقلب الحرب نظام الجماعة ، وان يكون نصبيه من الحياة الجديدة خيرا من نصيبه في الحياة الأولى . ومما يؤيد هذا الزعم ان نسبة الانتحار تهبط كثيرا أيام الحروب ، وذلك لأن الأمل يستولي على النفوس ؛ ولان الفرد يعمل وقتئذ لغرض معين ، هو  إنقاذ الوطن من محنته . والحياة في زمن الحرب - فوق هذا - ممتعة للنفس المتعطشة لكل جديد ، وذلك لتوارد الأنباء المثيرة للشعور في كل حين . والإنسان يفر من المألوف الممل ولو كلفه ذلك خوض الغمار وركوب الأخطار

ومن العوامل النفسية كذلك ما تقوم به الحكومات من دعاية تستغل فيها حب المرء وطنه حبا طبيعيا ، والوطنية

تصادف هوي في النفوس لأنها تغذي في الفرد غريزة من أهم غرائزه ، فهي تشعره بأنه أعلى منزلة من أبناء الأمم الآخري جميعا ، فيعالج بذلك عقدة من " عقد النقص " المركبة في نفسه . ومن المعروف في علم النفس ان الشعور بالأستعلاء تتبعه دائما رغبة في الحط من شأن الآخرين ، فتتولد الشحناء والبغضاء ، ولا غرو بعد هذا ان تسل السيوف للكفاح

ويزيد النار اجيجا ان اخلاق الجماعة لم ترتفع بعد إلى مستوي اخلاق الفرد . إذ الفرد يستطيع - ولو إلي حين ان يواري صفاته الدنيئة ، كحدة الغضب وحب الانتقام . ولكن الجماعة منحطة وعزيزتها ما تزال حوشية همجية . فالفرد حين يجتمع بغيره يجد في الجريمة والعدوان الجمعي إشباعا لطبيعته الخبيثة المكبوتة . وفي الحرب متنفس له عن حب الشر والسوء الكامن في سريرته ، وفي اعتداء امته وعودها بعد القتال بالغنيمة والاسلاب ارضاء لشهواته الوضيعة .

هذه هي الأسباب النفسية للحروب ، وهي اسباب لا يدفع مباشرة إلى القتال ، وإنما تدفع إليه فورا عوامل السياسة والاقتصاد

وأول باعث سياسي علي الحرب هو الحرب ذاتها . فكثيرا ما ينشب القتال رغبة في الاستيلاء على بلد لوقعه قيمة حربية ، أو رغبة في الوصول إلي تخوم " طبيعية " أي تخوم يمكن الدفاع عنها ويتيسر الهجوم منها بسهولة وبغير عسر . هذا إلي ان امتلاك الجيوش القوية والإساطيل البحرية والجوية المتينة يؤدي إلي نشوب الحرب بين دولة وأخرى . إن كل أمة تزعم أنها إنما تعبيء جيوشها للدفاع لا الهجوم ، وإن قوة الدول الاخري الحربية تتطلب إليها زيادة قوتها هي بدورها . بيد ان هذا التسابق إلي التسليح لن ينتهي دون تصادم ونضال ، وذلك لان قوة السلاح في امة من الامم تثير الرعب والشك والبغضاء

في الأمم المجاورة . وفي مثل هذا الجو البغيض تكون النفس على اهبة للقتال ، ولا تستطيع الدولة المسلحة ان تلبث طويلا دون ان تغامر بجيشها فى ساحة الوغي ، لأننا في عصر لا بني فيه العالم عن اختراع الجديد ، فإذا تريثت هذه الدولة قليلا بات سلاحها من الطراز القديم الذي لا يصمد للدفاع . ومعنى هذا أن لكل أمة من الأمم القوية ساعة تبلغ فيها اقصى عنفوانها ، وذلك حينما تكون خيرا في إعدادها من الامم الاخري . وفي هذه الساعة ينبغي لها ان تزج بنفسها في ميدان الكفاح . ومما يعزز هذا الدافع ويزيده قوة أن صناعة السلاح موكولة في الدول الكبرى إلي شركات خاصة يهمها من الوجهة المادية كثرة الإنتاج الذي يعود علي أصحابها بالغنم والربح

وتنشب الحرب كذلك دفاعا عن عقيدة دينية ، كما حدث في الحروب الصليبية بين المسيحية والإسلام ، وكما حدث في اوربا في القرنين السادس عشر والسابع عشر ؟ او دفاعا عن مبدأ سياسي ، كما وقع في معممان الثورة الفرنسية ، وفي الحرب الأهلية الأمريكية ، والحرب الأسبانية الحديثة ، فقد نشبت جميعا لحماية رأي بعينه أو عقيدة بذاتها . ولعل مبدأ القومية في هذا العصر هو اكبر باعث على التنافس بين الأمم .

وأقوى البواعث الاقتصادية رغبة الدول في الحصول على الأراضي الخصبة المنتجة ، وطمعها في الاستيلاء على بلاد تتوفر فيها المواد الخام اللازمة للصناعة ؛ فمناجم الحديد في اللورين كانت سببا لوقوع الحرب بين المانيا وفرنسا . ويرجع اعتداء اليابان على منشوريا والصين إلي رغبتها في امتلاك المناجم الوفيرة هناك . ولم تقدم ألمانيا وإيطاليا المعونة لأسبانيا تعزيزا لمبدأ الفاشية وحسب ، وإنما طمعا كذلك في نحاسها وحديدها.

ومن اكبر دعاة الحروب اصحاب رؤوس الأموال في البلاد الصناعية الكبرى . فمصانعهم لا تقتر عن الانتاج .

وهم لا يفتأون يبحثون عن أسواق جديدة تروج فيها بضاعتهم . وقد كان البحث عن هذه الأسواق أكبر باعث على توسع الدول الاوربية خلال القرن التاسع عشر .

ونحن بعد هذا نسأل : هل من سبيل إلى علاج هذه الظاهرة بين البشر ؟ لقد حاول الانسان ذلك كثيرا ، ولكن دون جدوي . ولعل أحدث هذه المحاولات هو تأليف عصبة للأمم بعد الحرب الكبرى . ولكن العصبة باءت بالفشل ، لأنها قامت على اسس خاطئة ، فهي لم تشمل امريكا ، ولم تضم إليها المانيا والروسيا . وفضلا عن هذا النقص في تكوينها ، فقد اشترطت العصبة للقبول في عضويتها ان يكون للدولة المشتركة جيش خاص بها ، فكان الدولة في تعريف العصبة هي " جماعة منظمة للحرب والقتال ووسيلة العصبة لمنع الحرب هي الحرب . وليس عجيبا ان تفشل العصبة ، وليس عجيبا ان تفشل آية وسيلة اخرى ، ما دام العلاج لا يمس الأسباب النفسية أولا ، ويقتصر على البواعث السياسية والاقتصادية المباشرة .

وقد رأينا أن الحرب محببة إلي النفوس لأن أعمال الناس في أوقات السلم مملة مهينة لا ترمي إلي غرض فواجينا إذا إن اردنا تهدنة الخواطر - ان نحبب العمل إلى النفوس ونقربه إلى القلوب ؛ ومن اسباب ذلك الا يمارس العامل مهنة واحدة طوال حياته ، وان ينتقل من عمل إلى آخر كلما دب في نفسه الملل . وقد فطن ( فوربيه ) إلي ضرورة التنوع في العمل ونادي به ، وأخذت برايه بعض المصانع في امريكا والمانيا والروسيا ، فقلت كراهية العامل لواجبه وزاد الانتاج

وقلنا إن نسبة الانتحار تهبط كثيرا في أوقات لحروب ، لأن الحياة حينئذ يكون لها هدف واضح ، ( البقية على الصفحة التالية )

وهو النصر بأي ثمن ، فيصبح للحياة معني ومغزي أما في وقت السلم فالإنسان كالعجلة التي تدور ولا تعلم إلي اين المسير ، وهو لا يفتا يبحث له عن غرض يعيش من أجله ، ومثل يعمل على تحقيقه ؛ فهو يحيا تارة من أجل الديمقراطية ، وطورا من أجل الاشتراكية او الفاشيه أو غيرها من المذاهب ؛ وهي مبادئ ناقصة لا تلبث ان تنم عن عجزها ، فيفر المرء منها إلى الحرب ، فإذا فيها شيء من الفرج ، ولكنه الفرج المؤقت الزائل . ولو استطاع الإنسان أن يجعل تبادل الود واكتساب المعرفة هدفا له في هذه الحياة الدنيا لساد السلام وامتنعت الحروب .

اشترك في نشرتنا البريدية