استعرضنا في مقال سابق مشكلة الطلاق في مصر ، وصورنا هيكلها الرئيسي . ولما كان الواجب على كل باحث اجتماعي يتصدى لدراسة مشكلة من المشكلات أن يحاول اكتشاف جراثيمها ، ويتتبع حياتها من منشئها ، إلى سيرها إلى تطورها ، أرى لزاما على أن أرد هذه المشكلة الاجتماعية الكبيرة إلى أسبابها المختلفة .
للطلاق نوعان من الأسباب : أسباب " رسمية " يثبتها أصحابها في السجلات الحكومية . وهذه - في الأغلب - لا تعدو أن تكون ملئًا للخانات ، أو تغطية للمكشوف من الفضائح و " العورات " أو صوتًا لسمعة العائلات الكريمات ، وهيهات للأرقام الخرساء أن تفصح عما يختبىء وراءها من أكاذيب سميكة ، أو مآس موجعة !
ولا بأس في هذا المقام من إيراد ما أثبتته تلك السجلات الرسمية .
السبب نفور الزوج نفور الزوجة نفور الطرفين معًا الفقر تعدد الزوجات النزاع العائلي عقم الزوجة مقامرة الزوج سوء أخلاق الزوجة . . . . . إلخ .
عدد الإشهادات ١٥٧٧٣ ٩١١٦ ٧٢٧٣ ٥٩٩9 ٥٣٨4 ٣١٣٨ ١٦٨٧ ٧٠١ 537
ويتبين من مجرد النظر إلى هذه الأرقام خطأ إرجاع كثرة الطلاق إلى الحالة الاقتصادية والميزات الدينية وحدهما
اقفال الدوافع الاجتماعية والأمراض الخلقية والتربوية .
وفيما يلي الأسباب التي نراها أقرب إلى الصواب ، وهي أبعد غورًا من تلك التي ترد بالسجلات .
أولا - ارتفاع مستوى المعيشة
إن الحياة في وقتنا هذا أعلى ثمنًا مما كانت عليه الحال قبل الحرب الماضية ، أي في عهد آبائنا وأجدادنا ؛ فلم ترخص تكاليف الطعام ، ولم تهبط أثمان الحاجات ، ولم تنخفض نفقات المعيشة بنسبة ما وقع من نقصان في الأجور والمرتبات ، وفرص الكسب المنوعة ؛ بل المشاهد أن مطالب الحياة قد ازدادت وتعقدت ، وتكاليفها قد ارتفعت بالتالي في الوقت الذي انخفضت الأجور تبعًا لقانون العرض والطلب ، بسبب ازدياد عدد الراغبين في العمل عن وحدات العمل نفسه . وقد أصبح من أجل أن يحتفظ رب الأسرة بكرامته ومستواه الاجتماعي ، عليه أن يسدد خانات مائة بند وبند من أوجه الصرف العائلي والاجتماعي .
وبرغم هذه الاعتبارات فإن أغلب الأسر باتت لا تقنع بضرورات المعيشة وحدها ، بل ولا تقتصر على توفير مستلزمات الراحة فحسب ، وإنما تطمع في الحصول على كثير من الكماليات وألوان الترف والرفاهة . والترف مرض تبدو أعراضه على الأغنياء والأدعياء ، ثم يفشو وينهمر ويغرق كل الطبقات ، فيتمخض عن انحلالات خلقية تجرف في طريقها ، فيما تجرف ، كيان الأسرة وتزلزل قواعدها ، وتفكك عراها .
ويحدث أن يضاف إلى ذلك جهل الزوجة بشئون بيتها ، وتدبير " ميزانية " مملكتها الصغيرة فيضطرب حبل سلطانها في يدها اضطرابًا عنيفًا . وقد يكون الرجل لا يستطيع أن يضيف إلى عمله عمل زوجته التي يرى نفسه مضطرًا إلى " سحب اختصاصها " !
فمن هذه الثغرات المتقوية في حياة الأسرة ، أو من إحداها ، يتسلل شيطان الطلاق إلى كثير من الحياة الزوجية ، فلا يعود ينفعها أو يحميها الحب ، أو الدموع ، أو المجاملات .
ثانيًا - الحركات الاستقلالية الداخلية !
يرغب بعض الأزواج والزوجات في الاستقلال بأمور يتحتم فيها الرأي والمشورة ، فإن هناك مسائل عائلية يقع عبئها على كاهل الزوجين معًا ، وتعتبر " كالنظام العام " في أمور الدولة . فالزوج مثلًا قدوة لزوجته . وهذه أمينة على عرضها وكرامتها ، لا لنفسها فقط ، وإنما لحق زوجها عليها .
وهذه الحركة النسائية التي تسربت من الصحف ، والأرصفة ، والنوادي ، إلى البيوت قد أسيء فهمها كما أسيء استغلالها . وبسببها صارت الزوجة توسع من اختصاصاتها ، وتضيف إلى حقوقها ما ليس لها كله أو بعضه . والنساء المثقفات ، أو القادرات على إسماع صوتهن الرقيق المؤثر ، دائبات الثورة ، وإعلان " حركة العصيان المدني " ، وإني لأشك في أنهن سيرفعن " الراية البيضاء " قبل " الاستقلال التام او الموت الزؤام " ! فليسارع الأزواج إلى بناء المخابئ في بيوتهم لاستعمالها عند " اللزوم " وإلى مطالبة الحكومة بتكوين " لجنة لوقاية الأزواج المدنيين من غارات الأعداء " !
وقد عودتنا الصحف والأفواه أن تنقل إلينا ، أولا فأولًا ، أنباء هذه الثورة الناعمة البيضاء ، وأسماء آخر ضحاياها العديدين . فهؤلاء فتيات مراهقات ، وزوجات شابات طائشات يغشين المجتمعات المختلطة ، ويرتكبن نفس أوزار الرجال ، ويأثمن إثمهم ؛ وشعار الجميع هو عين الشعار الذهبي الذي ارتفع فوق جثث ضحايا الثورة الفرنسية : الحرية ، والإخاء , والمساواة ! ولو كانوا صرحاء مع أنفسهم ومع الناس لقالوا إن شعارهم : الفوضى ، والإباحية ، والنفاق ؟ . وفي وسع كل منا الآن ، وبلا تفكير طويل ، أن يذكر عشرات الأعشاش الزوجية التى أصبحت واليوم ينعق على حافتها !
والرجل الأوربي ، والفكر الأوربي هما خالقا هذه الحركة وأستاذاها وهما الآن يدفعان ثمنها شقاء ودموعا وتشريدًا ، وحربًا مشكلة للأمهات ؛ ومرملة للزوجات !
فإن هذه الحرب التي تمور في جنبات العالم كله ما هي في اعتقادي إلا امتداد واتساع وفيضان للشرارة المندلعة في أحشاء الأسرة .
فقلما أتيح لأحدنا الكلام مع سيدة عصرية إلا وزكمت أنفه رائحة الأخطاء التي طهيت بها الحرية المزيفة التي حصل النساء عليها ، والأساليب التربوية التي نهجتها .
ومع بقاء الغيرة في صدور الرجال الأماثل فإن المدنية قد ركبت في نفوسهم خلقًا رخوًا معجونا بالطراوة والمرونة . فلا يتردد - مثلا - الزوج الذي امتص علقه هذه المبادئ ( الحديثة ) في ترك الحبل على الغارب لزوجته التي تقابله بالمثل .
ومن هذا المورد الكدر تعكرت الحياة الزوجية ، ووهنت قداستها ، وتهتكت العقدة السماوية التي كانت في الماضي تشد الرجل والمرأة : كليهما إلى الآخر !
ثالثًا - قصور برامج التعليم
ومما يؤسف له حقًا أن برامج التعليم المصري لاتهتم كثيرًا بالأسرة وأحوالها الاجتماعية والجنسية . فهي بذلك تفسد الحياة الزوجية وتكشف عوراتها . فالتعليم الذي يتلقاه شبابنا ، وترتشفه فتياتنا ، آباء وأمهات المستقبل ، لا يعينهم على تفهم روح وظائفهم العائلية ، وأسرارهم الجنسية والاجتماعية ؛ وعلى ذلك لايدرك الأزواج أن الحياة الزوجية هي نوع من أنواع الفنون الجميلة ، بل هي أكثرها سموًا ، وأغزرها وأعقدها أسرارًا ، وأرفعها قدرًا . وإذا كانت غريزة الجنس التي تدفع إلى الزواج تورث وتنتقل في الدم ، فإن العقل المدبر الحكيم الذي يجتث الأشواك من طريق الحياة ، وينثر في مكانها الزهور ، يكتسب بالتربية والمران على الذوق المصقول والمنطق السليم
فالأزواج الذين لا يتشربون هذه الروح لا منجاة لهم من شر الطلاق والفشل الزواجي ، مهما تحدثوا في السياسة والاجتماع والاقتصاد والآداب والفلسفة . وكم من أزواج وزوجات اكتسبوا هذه المناعة بالفطرة السليمة ، والنظرة الرصينة إلى حقائق الوجود وألغازه .
رابعًا - هذا الهوس الاجتماعي !
ألفت الآذان أخيرًا أن تسمع عن نوع غريب من الزيجات يتم بين شباب تلك الطبقة التي تحمل اسم " الطبقة الراقية " . أي التى تحتل - إن صدقًا وإن كذبًا - قمة الهرم الطبقي في المجتمع . وهي زيجات لا يدفع إليها الحنين الغريزي في الإنسان إلى تكوين أسرة ، ولا الرغبة الطبيعية في تحقيق نظرة حالمة مثالية ؛ وإنما يدفع إليها روح المقامرة والمغامرة السائدة في تلك الطبقة . وأغلب ما تنشأ هذه الزيجات الشيطانية في الحضر ، على شواطئ البحار ، أو حول موائد الميسر ، أو في جوف حلبات الرقص . تلك الأجواء التي تنضح برائحة النزق الجنسي الأرستقراطي ، والشهوة الحيوانية المستورة بلفائف من حرير .
وأمثال هذا الزواج ينتهي كما بدأ .
خامسًا - ضغط الكفاح !
إن الكفاح الحديث في بدء الحياة العملية ، وعلى بعد قصير فيها ، صار يتطلب كثيرًا من التضحيات ، ويلتهم سنوات مضاعفة من العمر عما كان يأخذ من الأجيال السابقة . فهناك المزيد المطرد من المؤهلات العلمية ، والمران العملي . والزواج بعد وقت معقول من هذه الفترة هو الشائع الآن لتحقيق زواج أرقى ، ومستوى من الحياة أرفع وأعدأ ، وفي نفس الوقت أصبح هذا الزواج مع هذا الثمن الباهظ ، لا يعطي - في الأغلب - ما يوازي تكاليفه من السعادة والهناء الزوجي . فمثلًا الرجل الذي شارف الأربعين قلما يرضى بزوجة تناسب عمره ، فيعمد إلى تفضيل البناء بأخرى أنضر شبابًا ، وأحدث سنًا ، الأمر الذي وسع مسافات التفكير بين الأزواج ، وباعد بين النظر إلى لذات الحياة ، وعقد التوافق بين الآراء !
ويقاس على اختلاف السن التباين الناشئ من الطفرة الاجتماعية التي طفرناها دون أن نشعر ، والتي أشاعت الاضطراب المحزن بين أفراد الجيل الحاضر . فالزوج الراقي
لا يصبر على الحياة مع زوجة متأخرة عن مستواه . وكذلك الحال مع الزوجة الحديثة التى صارت لا ترضى بغير حياة الترف والمدن ، ولا تتخلى عن السبيل إلى كل ذلك قيد شعره .
سادسًا - التقاليد ! التقاليد !
لا تزال تعيش وتفرخ في كثير من البيوت ، حتى الحديثة منها ، الأوهام القديمة ، والتقاليد البالية كالتشدد في طلب المهور المرهقة كأن في الأمر سلمة ، وتحكم الآباء والأمهات في اختيار زوجات أبنائهم أو أزواج بناتهم . وذلك يؤدي دائمًا إلى مغالطات قاسية تصبح في الداء كالمضاعفات ، وينتهي إلى عقد زيجات غير موفقة تحمل جراثيم الطلاق في ثياب العرس ، والطلاق كالسل يبدأ في حجم سن الدبوس ، ثم يسري في دم الحياة الزوجية حتى يستفيض . وكثيرًا ما تتكشف هذه التقاليد عن مآس موجعة ، ومخاز طويلة الجذور ، ومع ذلك فإن الناس ما فتئوا على ضلالهم لا يتعظون ، حتى كثرت بين ظهرانينا فضائح مختمرة تسير على قدمين ، فهل نسى كل هؤلاء أن الزواج شركة روحية بين رجل وامرأة ، إن استطاعت المغالطات أن توفر لها شكلياتها فهذا التحايل لن يسقط أبدًا " التزوير الروحي " الواقع في إنشائها .
سابعًا - زواج المصلحة
ما تعنيه هنا هو الزواج الذي لا تمليه إلا المنفعة المادية ، بمعنى أن أحد الزوجين يأخذ أكثر مما يعطي من ذات نفسه وماله وقلبه . ومن ثم يقوم النزاع بين المغبون والغابن ، كما برز الفرق بين الأخذ والعطاء ؛ والطلاق هو غالبًا خاتمة المطاف في مثل هذا الزواج .
ثامنًا - ضعف نخوة الرجال
كان الرجال فيما مضى يشعرون بالمروءة نحو المرأة الضعيفة ، ويتقون الله كثيرًا في زوجاتهم ، بل كانوا يتهيبون الطلاق ، ويخشون عواقبه ، ويخافون لومة لائم ، ويتجنبون الدخول في المحاكم ، وذلك بسبب ما كان
للوازعين الديني والخلقي من أثر في نفوسهم . أما الآن فإن الأمر بالضد ، وصار الطلاق وتسريح الزوجات منظرًا مألوفًا .
هذه أغلب الدوافع الحقيقية في حوادث الطلاق ، ويبدو أنها كلها ترجع إلى الانحلال الخلقي السائد في حياتنا الاجتماعية . فلتقاوم هذه الجراثيم التي تسبح في أخلاق الأفراد ، توفر للأسرة أمنًا ، وهدوءًا ، واستقرارًا . وسنري بعد ذلك أن المجتمع قد اكتسب من الأسرة هذه الصفات

