الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 939الرجوع إلى "الرسالة"

أسرار النفس، تأليف الدكتور أحمد فؤاد الأهواني

Share

أحب أن أعرب عن خواطري في تأليف الفلسفة الحديثة.  فإن كثيرا من كتبها التى صدرت في السنوات الأخيرة كان  مترجما إلى العربية من اللغات الغربية، أو مقتبسا أو مصنوعا للطلاب  يتدارسونه في معاهدهم. ولم أجد سوى القليل من كتب الفلسفة  بمعناها الصحيح الذي يكون دراسة للفكر والشعور، وفيضا  للتأمل، أو حكما على المجتمع، وتجربة ذاتية للمؤلف.

من هذا القليل المنشور كتاب (أسرار النفس) للدكتور  أحمد فؤاد الأهواني. ولقد شعرت وأنا أقرأ هذا الكتاب أني  أعيش في عالم فلسفي مع الفلاسفة، فرحت أجول في صفحاته وآرائه  بنظري وعقلي. وكانت نفسي تنجلي كما مضيت شوطا في القراءة  والتأمل. فما أجمل أن نقرأ صور العقول مرسومة على الصفحات  يخاطبنا أصحابها بسديد من آرائهم، ويزجون لنا بمناظر من  نفوسهم.

كتب الدكتور الأهواني كتابه هذا بروح فلسفة مجربة.  فليس هذا الأثر مدرسيا صنعه من أجل طلابه وتلاميذه وإنما جعله  مرآة يستطيع كل مفكر أن يرى فيها نفسه، وأن يتلمس عندها  حسه. إنه تجارب بسيكولوجية، وتأملات فلسفية صافية في  الكون والفساد، والحياة والمشاعر، وفي وصف الأحاسيس،  والتشريح الروحي.

مضيت فيه شوطا أستكشف معاني لمسي وشمي، وأسبر  أعماق ذوق وسمعي، لأجد عوالم لا تنتهي. ومن حظنا - مع فنائنا  على الأرض - أن نمرح قليلا في تفهم كوننا الذاتي، ومعرفة  أنفسنا؛ لنعلو على طبقة الحيوان الأعجم. وجميل بالفيلسوف البصير

أن يدلنا على نفوسنا دلالة محكمة، ويمضي بنا وهو حامل مصباحه  الوقاد ليبدد لنا في ظلمات نفوسنا أغوارها الدامسة. ما أقدر الدكتور الأهواني على ربطه الذوق بالشم، وما أجود  فلسفته التي ركبها على محور نصبه بين الإذن والعين. العين هذا  الإبداع الإلهي الذي تجلس من حواليه كل عدسات المناظير وهي  حيرى في تكوينه حسرى عاجزة عن مجاراته. كذلك كان  المؤلف الحكيم يربط بين خلجات الأنفس ومشاعر الوجود، داخلة  إلى دنيانا الروحية من مسالك السمع وشقوق النظر. وحين تبحر  في تفصيل الذوق ذكرني بقولة قالها فولتير وهي: (أستاذك  ذوقك) وقد تناول في هذا الفصل ذوق اللسان وأذواق الأرواح.

ومن هنا تتجه فلسفة هذا المفكر الأديب اتجاها اجتماعيا  ينساب إلى أذواق الأقوام في طعامهم ومعايشهم. وهل كان أجدى  على الناس من البحوث التي تتناول روح الجماعات في ذوقها وحسها.  وحين فرع من بابه الذي سماه: (على الدرب) استطعت أن  أعرف منهجه في التأليف. فهو يطرح الموضوع طرحا، ثم يطرقه  من أطراف شتى ليستنتج من حقائق في البشر والوجود، يصوغ  منها عظات بالغات، ثم يطبق آخر الأمر أحكامه عل بلده وقومه  فينقد ويوجه أو يفند. فهو بذلك مفلسف أو مصلح.

وأراني أنظر في فصول بكتابه لها لون آخر، ولا سيما الفصل  الذي فيه انتقال الفكر من إنسان إلى آخر. وهذا هاجسه يعجبني  فقد جربت أن أنقل ما يدور برأسي إلى أناس معي، فكنت  أصيب قليلا وأتعثر في الخطأ كثيرا. وقفت مرة على جزار في  دمشق فرأيت المنوم الدكتور سلمون يشتري لحما. وكان مبلا من  مرض، وأعصابه مكدودة. فلم أشأ أن أمازحه بشيء من  التأثير الفكري فما كدت أقف قريبا منه دون أن يراني حتى  ألتفت إلي وقال:

لا تشفق علي فأني أستعيد قدرتي على قراءة الأفكار  قد عرفتك الساعة في انهدام نال لأعصابي فتزهد في  مزاحك.

وخرج الدكتور الأهواني من انتقال الأفكار إلى السحر  الذي يعرفه العامة في مصر، فساق شواهد من سحر الأقدمين مسحوبة إلى عصر المحدثين، ثم أجال الطرف في شجون الروح  وشؤونها وانتقالها وتعبيرها، حتى أوشك أن يحطنا حول مائدة

خشبية تنقر الروح عليها نقرات هي رموزها الغيبية. ثم ألزم بحثه  هذا موضع نقده فشق به شعوذة المشعوذين، وكذب الدجالين.  وجرى هذا البحث الأسطوري إلى بحث آخر هو أعلق بالحياة  وأعلى، هو الاتصال الروحي وقديما قيل: (بين الروح والروح  سبيل).

قلت في مستهل الكلام إن الدكتور الهأواني فيلسوف  مجرب. ففي كتابه كثير من الشواهد التجريبية. وكان خير  المتفلسفة أهل التجارب. . وفي كل إنسان مقدرة على هذا  الاتصال الروحي تبدو فيه قوية أو ضعيفة، ويعوزها الصفاء، فكلما  صفت خواطرنا، ورقت نفوسنا؛ اتصلنا بأرواحنا، وهفا بعضنا  إلى بعض ولو كان بيننا ضيق السدود. ولقد سمعت بعض الصوفيين  يعزى في الحب نفسه ويقول:

- إلى لأعشقها من غير أن تعلم بي ثم سدد بطرفه شطر الأفق وقال: - لا أطمع بوصال، حتى الزوال كنت عصاري يوم في القاهرة منذ ثلاث سنين، مزمعا من  الغداة عودة إلى دمشق، وبي شوق ولهفة إلى رؤية صديق  فقلت لابد من ذلك قبل السفر. وانطلقت لأبحث عنه في الدروب  وإذا بي ألقاه في غير مشقة بناصية (عماد الدين) فابتدرني  بقوله:

- والله خشيت سفرك دون أن أراك، فأنا الساعة  أبحث عنك.

ويأبى على فيلسوفنا المؤلف طبعه فلا يفوت على قرائه ولا على  نفسه بحثا هو اليوم من أطرف بحوث الفلسفة النفسية المعاصرة؛  ذلك كلامه على الأحلام. وكنت أن أوثر أن يتفرغ هذا الصديق إلى  كتاب يصنفه في قضية الأحلام عند المسلمين والمفسرين كابن سيرين  وأضرابه. وكيف تطورت الأحلام في الفلسفة الحديثة حتى صارت  من أروع البحوث في التحليل النفسي عند الفلاسفة الفرويديين.

ومنذا الذي خلا ليلة من حلم. إننا لنرقد جميعا مثل الأطفال،  وحين يسيطر علينا الكرى بسحره الأزلي ويطرحنا في المضاجع  هناك ترف على جفوننا رؤى لا حد لها. رؤى زاهية التلوين،  أسطورة التكوين، منسوجة من خيوط جنية. ونستفيق بغتة  فلا نعلم لها سببا. تفر من أيدينا بمباهجها ونعيمها وجمالها الإلهي

الذي لا مثيل له في الوجود. فإذا حلمنا بخير وددنا لو كان حقا،  وإذا رأينا في المنام شرورا فزعنا في اليقظة فحمدناها أن لم تكن  الشرور جاثمة في الحقيقة.

تلك أسرار في نفوسنا. فمن يدلنا عليها؟. لقد صنع جميلا المؤلف  الأهواني في أن يعرفنا بأنفسنا، ويغوص بنا على أسرارها الرهيفة،  فكان كتابه أحد ذخائر العصر في علم النفس الحديث. سأقول  له حين ألقاه:

- لقد أدخلتنا إلى بيوت أنفسنا. وفي نفوسنا مجال لمنظر  لا ينتهي التطلع إليه مدى الحياة. .

فإذا بدأت كلامي على إيثاري لفلسفة التجريب أعجبت لخواتيم  المؤلف في كتابه حين ورد كلامه على العداوة والمودة فلم يقع في  نقص القادرين على التمام؛ وأعان ببراءته على ردنا إلى نفوسنا -  وقد تركناها - وكان له أسلوب المحدث المتبسط، وقلم الكاتب  المترسل. وحين انتهت من قراءة كتابه ذكرت من أجله معجزة  القرآن الكريم في آيته النفيسة التي يقول فيها: (وفي أنفسكم  أفلا تبصرون). القاهرة

اشترك في نشرتنا البريدية