أنا - يسرني أن أرا كما حولي الآن في هذه الساعة الباكرة ، لأني وعدتكما بأن أسرد لكما قصصا غريبة عن بعض ربات مصر القديمة
سوسو - وهل انت مزعمة أن تحدثينا عن واحدة منهن بالذات ، أم تتوسعين في حديثك فتخبرينا شيئا عن الأرباب أيضا ؟ شد ما أتوق إلي ذلك
أنا - لو أني عمدت إلي التحدث إليكما من جميع أرباب مصر ورباتها لبقيتما تنصتان لي إلي ما بعد منتصف الليل ثريا - حبذا لو فعلت ، فلن يضايقنا طول السهر . أنا - ولكن السهر يضايقني ، ولذلك ساقتصر على إنبائكما بحديث طائفة قليلة من اشهر المعبودات والأرباب ، فاسمعا مشكورتين
كان را " ملكا عظيما ، لانه كان مانح النور للأرض كلها ولمصرنا كذلك ، واعتاد كل يوم ان يمتطي غارب السحاب في سفينة ليشرف على سلامة الكون وحسن نظامه , ولكنه أخذ يشيخ على توالي الأيام ، وكانت تعاصره سيدة اسمها إيزيس ، ولها رغبة أكيدة وتطلع شديد إلي معرفة اسم " رآ " وينبغي لي أن أخبركما بادي ذي بدء أن كل ملك كان له اسم سري خفي كما كان له اسم عادي معلوم ، وكان اسم " را " السري خافيا على كل مخلوق سواه ، ولو اهتدى إليه أحد لظفر بتمام القوة وملك اعنة الجبروت ، فماذا تظنان إيزيس فعلت ؟
ثريا - إني لا استطيع أن أعرف ماذا فعلت . سوسو هل سألت " رآ " أن يفشى لها سر اسمه ؟ أنا - كلا ، بل صنعت ثعبانا له انياب سامة ، ووضعت
ذلك الثعبان في طريق" را " وتربصت للنتيجة ، وما هي إلا لحظات حتى اضاءت السموات بنور باهر ، واقترب " رآ " ، فنظرت إيزيس مبهورة الانفاس ، واخذت سفينته تقترب من مكان الثعبان الذي لم يلبث ان هجم عليه فجأة ولدغه بفيه ، فكتمت إزيس أنفاسها ، وصاح الاله العظيم متوجعا وقال : لقد لدغتني الحية ، وها انذا أشرف علي الموت ، وأخذ يكرر صيحاته أو : آو : إو
ثريا - ياله من إله شجاع ! إنه نموذج عال للألوهية . أنا - وكلما كان يصيح مرة قائلا " أو " كان أهل الأرض يسمعون هزيما قاصفا للرهود ، وأسرع سائر الآلهة إلي المكان الذي انبعثت منه صيحاته وسألوه جمعاء قائلين : ما خطبك ؟ فصاح قائلا : إنني أموت ! إني أموت : وقد لدغني ثعبان ؛ فحار الألباء في أمره ، واعيتهم الحيلة في علاجه ، وإن كانت قلوبهم قد تفطرت لمرآء في مثل هذه الأوجاع المبرحة . أما إيزيس فكانت
ترقص فرحا ، إلا انها تظاهرت بالحزن الشديد ، وكتمت ما كان يفيض به قلبها من السرور ، وتقدمت إلي " رآ " قائلة : سيدي وربي لعلك تستطيع أن تخبرنى بما يوجعك ، ولعلى استطيع أن أقوم لك بخدمة ما . فأجابها قائلا : إنه لطف عظيم منك أن تعرضي على مساعدتك يا سيدتي ، وقد لدغني ثعبان ، وانا اعاني برحاء الألم . فقالت : أطلعني على إسمك السري لأتمكن من معالجتك فصاح " رآ " قائلا : أو :آو : كل شئ إلا هذا ، إني امنحك كل شئ , فقط أرجو منك ان تشفيني ، ولكن لا تطلبي إلي أن أبوح لك باسمي السري . فقالت إيزيس : ولكن لا اطلب شيئا سوي هذا أطلعني علي اسمك السري لأشفيك
واضطر " رآ " أن يخضع لها تحت وطأة الألم المذيب الذي كان ينهشه ، وباح لها باسمه السري ، وإذ ذاك قالت إيزيس : أيهما السم ، اترك جسم " رآ " وللحال شفي " رآ "
سوسو- وماذا كان اسمه السري ؟ أنا - إنه سري للغاية ، ورهيب للغاية ، ولا يمكنني أن أذكره لكما
ثريا - أرجو منك أن تذكريه لنا ! سوسو - إنها لا تعرفه بالتأكيد ! ثريا - إنها تعرفه ؛ أنا - في الواقع أنا لا أعرفه ثريا - هل انتهت القصة ؟ أنا - نعم
سوسو - ولكن أظنك قد وعدتنا بأن تقصي علينا نبأ بعض ربات مصر ! أنا - أجل . سأقص عليكما قصة إيزيس وابنها الصغير هورس
كان أوزوريس زوج إيزيس ، وكان لأوزوريس أخ اسمه ست . وكان ست يبغضه وحاول جهده ان يقتله سوسو - أكبر ظني أنه أفلح في محاولاته ؟
أنا - أرجو ألا يخفي عليكما أن أوزوريس كان ملكا ، ولكن ست أراد أن يحل محله ، ولبث زمانا طويلا ينتظر الفرصة التى تؤهله لنيل مراده ، واخيرا انتهزها وقتل أخاه وقطعه إربا ، ورمي تلك الأرب في أماكن مختلفة في البلاد المصرية
ثريا - يا له من شخص بغيض ممقوت !
أنا - ثم قبض على إيزيس وحبسها في بيته ولم يسمح لها بالخروج مطلقا ، وكان لايزيس صديق وفي ، اسمه الاله توت ، فجاء لنجدتها وأخرجها من سجنها ، ولم يكتف بذلك ، بل جعلها تحت عناية هيئة حرسه المؤلفة من حيوانات كاسرة ، وكانت ترافقها اينما سارت ، وقد راحت تضرب في أنحاء البلاد باحثة عن جثة زوجها القتيل . وصادفت في طريقها حوادث غربية كثيرة ، منها ما جري لها ذات ليلة حين وصلت إلي بيت نبيلة اسمها السيدة
يوسرت . وقرعت بابها وسألتها ان تسمح لها بالمبيت عندها فرفضت ، ولم يكن رفضها لقسوة في قلبها ، بل لاشمئزازها من منظر الحيوانات الغريبة التى كانت تصحبها ، فشكرتها وتابعت مسيرها ، وإذ كانت السيدة يوسرت تخاطب إيزيس هجم أحد وحوشها على طفل السيدة ونهشه على غير علم منها ، ووصلت إزيس بعد ذلك إلى بيت امراة فقيرة اسمها تاها ، وسألتها قائلة : هل تسمحين لي بالمبيت عندك الليلة ؟ فقالت لها : تفضلي بالدخول واحسبي نفسك في بيتك ، وانتظريني قليلا ربما اذهب وأهيئ لك ما تأكلينه . وإذ كانت إيزيس
جالسة تستريح في بيت المرأة الفقيرة سمعت صيحات داوية منبعثة من فم امرأة هائمة على وجهها في عرض الطريق وهي تقول : النجدة . النجدة . باسم جميع الآلهة أطلب النجدة . فهبت إيزيس من مكانها لتري جلية الأمر ، وابصرت السيدة بوسرت الغنية التي لم تسمح لها بدخول بيتها تتقدم نحوها وهي تحمل طفلها بين ذراعيها ، وأخذت المرأة المسكينة تتوسل إليها قائلة : النجدة . إن بيتي يحترق ، وهو ذا ابني يموت فقد تسمم ، وكان والد إيزيس ساحرا وعلمها الكثير من فنون السحر ، ومنها ما تستعين به على انقاذ حياة المصابين بالتسمم ، فالتفتت إلى السيدة بوسرت
وقالت لها : إنني أعرف شيئا من السحر ، فسلميني ولدك لأري هل أستطيع إنقاذ حياته . وأخذت الطفل في حنان بين ذراعيها وقالت بصوت منقوم " سيحيا الطفل وسيموت السم ، وكان ماقالته ، فعاود السرور قلب الأم ثريا - لقد ذكرت أن بيتها كان يحترق .
أنا - هذا صحيح إلا أنها لم تهتم لذلك بعد أن نجا ابنها سوسو - وهل أصبحت مدام بوسرت تشفق علي الناس بعد ذلك ؟
أنا - أرجو أن تكون قد تعلمت الاشفاق ، بل إني أتوقعه منها ، إلا أني في الحقيقة لا أعرف ما صارت إليه حالها بعد هذه النجدة .
سوسو - لقد ذكرت انك ستحدثيننا عن هورس ابن إيزيس .
أنا - أجل . سأفضي إليكما بالقليل عنه . لقد كان طفلها العزيز الصغير ، ولما ترعرع أحبه الجميع . عفوا . ليس الجميع ، فقد كان عمه الظالم ست يكرهه ، وأراد ان يقتله كما قتل أباء في أول فرصة سامحة ، إلا أن إيزيس كانت تسهر على ولدها بكل قواها ، ولم تدع سبيلا إلى اقتراب ست منه ، ولكن حدث ذات يوم
سوسو - خبرينا أرجوك بسرعة ماذا حدث . أنا - حدث أنها خرجت وتركته دون حراسة مدة دقائق ، فدخل العم ست ، فصاح هورس : عمي ! فقبض عليه العم ، ولما عادت أمه - ماذا وجدت ؟ وجدت وحيدها مينا ، فبكت وناحت ولاذت بالاله " رآ " قائلة : أيها الاله أنقذ ابنى فأرسل إليها " رآ " المعبود " توت " كي يسعفها
وما إن رآها " توت " حتى قال لها : تشجعي فسيعيش ابنك وسيقوم حالا . واقترب من جثة الطفل وقال : استيقظ يا ابني . وعاد حورس إلي الحياة
ثريا ليتك تسترسلين في الاستزادة من أنباء المعبود " توت " فقد بدأنا نحبه
أنا - حسبكما هذا اليوم ياصغيرتي . ولتوت ، بل لكتاب توت السحري ، حديث طويل يحسن ان ارجئه إلي فرصة اخري
سوسو وثريا - وهل تسمحين بارسال ما سردته لنا الآن إلي مجلة " الثقافة " المحبوبة لتطالعه أخواتنا وإخوتنا الصغار ؟
أنا - يسرني ان البى رغبتكما ، والآن اتمني لكما ليلة هانئة وأحلاما سعيدة .

