أو بقول آخر أسلوب الإمارة كما يقولون . والإمارة اصلها ان يكون الإنسان أميرا والأمير هو الذي يأمر . وكان الأمير عند ما اخترعت الامارة في المجتمع الإنساني هو الرجل الذي يقود قومه في الحروب ويدفع عنهم غارات الأعداء بحد سيفه ويتصدر الصفوف في مواقع الخطر لشجاعته وقوة حماسته وشعوره بمسئوليته عن سلامة قومه ؛ وكان هو أحكم الناس عند الرأي وأعلمهم بمصادر الأمور ومواردها وكان من أدب الإمارة في تلك الأزمان رحمها الله ان يكون سيد القوم خادمهم ، يجعل كل وقته رهن قضاء مصالحهم ، ويعف عن المغانم الصغيرة التي يتنافس عليها سرعان العامة ، ويتكبر عن الدنايا ، ويؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة . وبالجملة كانت الإمارة في عهدها الصحيح رمزا للسيادة الحقيقية . فالسيد هو الذي يسود
الناس لانه أفضلهم و أكثرهم نفعا للمجموعة التي يسود فيها . ولكن الزمن يتغير والناس بتبدلون بتغير الزمان واللغة ثم عن تغير الزمان والناس . فنحن اليوم نستعمل لفظ الإمارة للدلالة على معني آخر ، هو نقيض ما كان يدل عليه لفظها القديم ، وهذا دليل على ان الحياة دائما في تطور وتغير وسبحان الدائم الذي لا يتحول ولا يتبدل
فنحن الآن نقول فلان يتأمر علينا إذا كان يدل علينا إدلالا ثقيلا ، وإذا كان يتعجرف في معاملاته والموظف المصري يتأمر في كثير من الأحوال فالكاتب الصغير يحتفظ بالأوراق في درجه ويكتفى بأن يشرب القهوة في كل صباح والمرطبات بين ساعة وأخرى ، فإذا جاءه طالب مصلحة شخط وغضب وتأمر عليه والرئيس المصري بتأمر في كثير من الأحوال على مرءوسيه ويستأثر بكل امتيازات الرياسة ، وهي قلة العمل والحرص
على مصالحه وإغفال كل مصلحة اخري . فإذا اعترضه مرء وس شاذ فراجعه في أمر من الأمور استعمل حقه في الإمارة وسود له عيشته . ونحن لا نريد بهذه الأمثلة سوي ان نوضح للقارئ العزيز ما نقصده من لفظ الإمارة ، فإن المثال كما هو معروف خير ما يوضح المعنى .
فلنعد الآن إلى أسلوب الامارة في إدارة مصالحنا العامة . وهذا الاسلوب بسيط جدا ، بتلخص في ان تقفل الإدارة الحكومية أبوابها وتضع على الباب إعلانا بما يجب على الذين يريدون قضاء مصالحهم ان يفعلوه ، والشروط التي توضع لقضاء المصالح لا يراعي فيها إلا ان تقلل المشقة على موظفي الدولة ، سواء أكانت هي ممكنة في ذاتها او غير ممكنة ، وسواء كانت مفيدة للمصلحة العامة أو غير مفيدة . وعلى الناس الذين يريدون قضاء مصالحهم ان يطيعوا وان يذهبوا حيث شاءوا لتوفية كل الشروط المطلوبة حقها ، فإذا اتموها لم يبق إلا القليل بعد ذلك من إمارة الموظفين ، وإذا لم يتموها كان الذنب ذنبهم والعيب عليهم ، ولا ينبغي أن يلوموا إلا أنفسهم .
وربما كان من المفيد أن نورد مثلا صغيرا يتعرض له كل والد في هذه الدولة المصرية ؛ فاذا أراد أب ان يدخل ابنه في مدرسة أميرية وجد إعلانا على باب المدرسة أنه من الضروري أن يبرهن الوالد على خلو ولده من أمراض البلهارزيا والانكلسثوما . وقد يكون الولد في العام السابق تلميذا في مدرسة أميرية وكان من سوء حظه أنه نجح في إتمام الدراسة بها ، واراد الانتقال إلي الرحلة التى بعدها فإذا أراد الوالد أن يناقش في الأمر لم يجد من أحد استعدادا للمناقشة ، فلا يكون له بد من طاعة الإعلان ، فيذهب إلى حيث يشاء ليحضر شهادة بطريقة من الطرق ليبرهن على الورق ان ولده سليم من الأمراض ، وبعد ذلك تقبل أوراقه ، وكفي الله المؤمنين القتال .
أما لماذا كان هذا الإعلان ، أو لماذا يتحتم على الرجل
ان يبرهن بين عام وآخر على خلو ولد ولده من الأمراض ، وأما لماذا لا يقبل المريض بالبلهارزيا ثم يقوم اطباء المدارس بعلاجه وهو فيها ، فكل هذه اسئلة لا محل لها لان الإعلان قد وضع على الباب ، وأي كذا خلقت . ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ومع ذلك فالرجل يذهب إلي أحد المستشفيات ليأتي بالورقة المطلوبة ، فيجد أكداسا من البشرية تتزاحم حول موظف مسكين يحاول أن يتخفف من الزحام الثقيل بوضع العراقيل وإقفال الأبواب ، وإفقال لغة الآداب . فلا يسعه إذا كان من المساكين إلا أن يتحمل الإمارة في المستشفى حتى يحقق كل الشروط المطلوبة للامارة في المدرسة.
نضرب هذا مثلا واحدا ، ولكل من القراء أن يتذكر مما وقع له أمثلة بغير شك . وما قصدنا من هذا المثل تشهيرا ولا حصرا ، لأن مصالحنا بحمد الله كلها أمثلة يمكن ان نضرب لهذا الأسلوب ، والسر في كل هذا هو ان أسلوب الحكم عندنا مشبع بتقاليد الإمارة منذ عهد بعيد ، والمبدأ العام الذي نسير عليه هو ان الناس عليهم ان يسترضوا صاحب الأمر حتى يرضى ، ويصبروا عليه حتى بريد أن يعمل ، مع أن المبدأ العام الذي تسير عليه الامم المتمدنة في إدارة مصالحها هو ان الموظف يري من واجبه ان يعين بكل ما عنده من علم وتجربة وذكاء على قضاء مصالح الناس لأنها أمانة في عنقه
فإذا استطاع أن يعمل ما يحقق المصلحة قام بذلك ، وإذا علم ما يساعد صاحب المصلحة على قضائها عند غيره افاده بعلمه ، وإذا رأي عقبة حاول ان يذللها ، وإذا وجد صاحب المصلحة حائرا حاول أن يهديه .
أسلوب الإمارة في مصر لا يزيد على أن يكون أسلوبا سلبيا غايته الخمول ووسيلته المنع والصد وقول لا
في حين أن الأسلوب الصالح غايته بذل الجهد ووسيلته بذل المعونة والاستعداد العاطف للتيسير
ومن الواضح أن أسلوب الإمارة سهل جدا على كل إنسان يحب الخمول ، في حين ان الأسلوب المتواضع يكلف الموظفين مشقة وعناء ، وقد يسلبهم المظهر البراق الذي يدل على عظم الشأن وخطورة المكانة في المجتمع
ومن العجيب ان الأسلوب الناجح في هذه الأزمان هو الأسلوب السهل السلبي
فالموظف الذي يحاول أن يقوم بعمله على وجهه الصحيح ينقلب فجأة إلي أحد العامة الذين يجب عليهم ان يتحملوا فنونا لا عد لها من الامارة لأنه يصير رجلا يريد تحقيق مصلحة .
وذلك يتطلب منه الاتصال بشتي المكاتب والمصالح . وكل منها محيط ، صياج شوكى بتحتم عليه ان يتحمل وخزانه في صبر .
وأعرف رجلا أراد يوما ان يؤدي عمله على الوجه الذي يرضاه ، فانقلب بإذن الله من موظف له الحق في الإمارة إلى طالب مصلحة من واجبه تحمل الامارة . وكم حدثته نفسه أن يستعمل حقه في الجلوس وراء الأبواب والاحتماء بالسعاة والحجاب وترك الأمور تجري في مجراها ، لا يعنيه أولاها ولا أخراها . ولكنه إلي اليوم لا يزال يحدث نفسه بذلك ، ونسأل الله له اللطف والحماية ، إنه سميع مجيب .

