الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 312 الرجوع إلى "الثقافة"

أسلوب القاضي الفاضل

Share

لست أقصد بحديثي هنا أن أحمل الناشئة من الأدباء في نهضتنا هذه على احتذاء الفاضل في اسلوبه . فأنا اعلم جهدا أن النهضة الأدبية التي غمرتنا منذ القرن الماضي ،

قد انتهت فعلا من اختيار الطريقة الادبية في الشعر وفي الكتابة ، وأن ظروفا أحاطت بمصر منذ أواخر القرن الماضي أوجبت  على أدبائنا أن يتخذوا لأنفسهم أسلوبا أدبيا معينا يميل إلى  حرية العبارة " اعني إلي إطلاقها من قيود السجع وغيره من المحسنات البديعية على اختلافها ؛ وكان من هذه الظروف التي اشير إليها ظهور الصحافة ، وظهور المطبعة ، وشيوع الثقافة الأوروبية المنوعة ، ونشوب الثورات الاجتماعية حينا والعقلية حينا والسياسة احيانا

ولكني أتحدث عن أدب القاضي الفاضل دائما من الناحية التاريخية الخالصة ، وأري من وراء ذلك إلى فهمه فهما صحيحا لا أثر فيه للنزعات العصرية الجامحة ، وهي النظرات التى فرضت على الكثيرين منا نبذه ، وإنكاره والحط من قيمته . إلا ان المؤرخ الأدبى ينبغي ان يكون اشبه رجل بالقاضى العدل ، لا يصح ان يتأثر بميوله او بميول قومه في الحكم على الآداب القديمة ، وخاصة أن أصحابها ماتوا ولم يعد في قدرتهم الدفاع عن المثل الأدبية التي اختاروها لأنفسهم ، أو الطريقة الفنية التي آثروها باستعمالهم

والحق أننا حين نوازن بين أدبائنا في العصر الحاضر وبين أدباء القرون الوسطى من امثال القاضي الفاضل وتلامذته تتضح لنا هذه الظاهرة : وهي ان ادباءنا ، وإن امتازوا بالنشاط العقلي فإنما يعيبهم في مقابل ذلك الكسل الفني ؛ أما ادباء القرون الوسطى فعلى العكس منا يمتازون بالنشاط الفني ويعيبهم الكسل العقلي أي أن أدباء العصر الحديث هم أدباء الفكرة والمعنى ، يعنيهم اللفظ الذي يعبر عنها ، سواء حقق هذا اللفظ لذة فنية عندهم أم لم يحقق هذه اللذة

أما أدباء القرون الوسطي فيعنون بالأسلوب والرونق ، ويحرصون على أن يحقق لهم الألفاظ التي يصطنعوها غاية جمالية ولذة  فنية ومعنى ذلك ان الكفتين في هذا الميزان الأدبى الذي أمامنا متعادلتان أو كالمتعادلتين . بل إنه إذ كانت الآداب تقاس أحيانا بحضارة اصحابها او بتفوقهم في ميادين العلم أو الحرب أو الخلق أو السياسة ، فمن الحق أن يقال عن ادب الفاضل وتلاميذه إنه ادب قد اقترن بفترة من أعظم فترات التاريخ الإسلامي ، وأزخرها بالحياة الحضرية والحربية والخلقية والعلمية في نهاية الأمر . والقاضي الفاضل نفسه ثمرة من ثمرات هذه الحياة الخصبة القوية

وبعد ، فاني أحدث القراء في هذه المرة عن خاصة واحدة من خصائص الفن الفاضلي ، هي خاصة ) الاقتباس ( ، أقف بهم عندها وأوضح لهم طريقة الفاضل في اصطناعها ، وأقف من ذلك كله بقدر استطاعتي موقف القاضي العدل كما وعدتهم بذلك

والأقتباس كما يقول الحموي في كتابه خزانة الأدب : " هو أن يضمن المتكلم كلامه كلمة أو آية من آيات كتاب الله خاصة ، وهذا هو الإجماع " . ثم قال : والأقتباس من القرآن على ثلاثة اقسام : مقبول ، ومباح ، ومردود .

فالأول - ما كان في الخطب والمواعظ والعهود ومدح النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك .

والثاني - ما كان في الغزل والرسائل والقصص .

والثالث - على ضربين : احدهما ما نسبه الله تعالى إلي نفسه ، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه ، كما قيل عن احد بني مروان ، إنه وقع في شكاية من عماله : إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ؛ والآخر تضمين آية كريمة في معنى هزلي

ثم قال الحموي : والاقتباس على نوعين : نوع لا يخرج به المقتبس عن معناه كقول الحريري . " فلم يكن إلا كلمح بالبصر اوهو أقرب ، حتى انشد  فأغرب

ونوع يخرج به المقتبس عن معناه كقول ابن الرومي :

لقد أنزلت حاجاتي            بواد غير ذي زرع .

انتهي كلام الحموي وكما يكون الأقتباس من القران فكذلك  يكون من الحديث ومن الفقه وغيرهما ؛ ولكن الإجماع على الاقتباس من الاول وهو القرآن ، والعلماء بعد مختلفون في الاقتباس من غيره .

والإجماع أيضا بين النقاد علي أن القاضي الفاضل فارس هذه الحلبة ، ومالك ازمة هذا الفن . وإذا جاز لنا ان نستعير تعبير ابن الأثير قلنا : إنه إن كان غير الفاضل ممن تقدمه اتى بشيء ، فإن الفاضل ركب فيه جوادا وركب غيره حمارا ، ونال منه نهلة واحدة ، ونال الفاضل منه نهلا وعللا

ولنا بعد ذلك كله ان نعرض لبعض النماذج اليسيرة من هذا الصنيع الفاضلى الجميل - وهو الاقتباس من القرآن الكريم - ليري القارئ بنفسه كيف كان الفاضل يجيد استعماله ، ويحسن اختياره كما يحسن الصراف الماهر أن بتجهبذ في نقوده ، أو كما يحسن الصانع ان يصوغ قلائده ، وعقوده ؟ او كما نري الرسام الماهر ينظر في صندوق الوانه فيكون إعجابه بلون منها أشد من إعجابه ببقية الألوان الآخر ، فيأبي إلا أن يؤثر هذا اللون نفسه بالاستعمال ،

ويحس باللذة حين يري هذا اللون في لوحته الفنية غالبا على سائر الألوان .

فمن نثر هذا الكاتب مما جمعه له جمال الدين بن نباتة في أوراق أسماها الفاضل من كلام القاضي الفاضل " قوله : " ولقد فضح الأوائل واتعب الأواخر ، ونبذ للناس الحصى ونظم الجواهر ، وتمسك بعصم الكلمات المؤمنات وتمسك البلغاء بعصم الكوافر الخ

وقوله : " ولئن كان هذا القلم امسي كعنترة شجاعا ، لقد امسي كالأحنف حليما ، قد ادبر بدواته  فما يرفع راسا ولا يخصف عليه من ورق جنة البلاغة قرطاسا ، فلله اقلام في كهف

الدواة كأهل الكهف تحسبهم أيقاظا وهم رقود ، وتظنهم أحياء وهم أموات في اللحود ؛ ولولا ان مولاي ادم البلاغة لما استشعرت ملائكة الآقلام له الطاعة بالسجود الخ

وقوله : " أهلا بطلعته فإنها في غربنا مشرقة ، وبخواطره فيها لا تدخل من باب واحد وتدخل من ابواب متفرقة الخ "

وقوله : " وما اشبه الكلام معها بالحديد إلا ان فلها داود ، ولا كتبها في البديع إلا بمحضر سليمان وقد عرضت عليه جنوده الخ "

وقوله : " كتاب كريمي من حيث نسبته إليه ، كليمي من حيث نسبته إلى البيضا من يديه ، مسيحي من حيث إنه أحيا موات  الأنس ، محمدي من حيث كاد مما نفثه من روعي روح القدس الخ

وقوله : " وأمور الدنيا قد ضربت عنها صفحا وطويت كشحا ، والخواطر قد ركدت عنها الموريات قدحا ، واقلام قد سالمت منه المغيرات صبحا الخ " .

وقوله " ياسيد اخيه لا تسأل عن خاطر تتناوب عليه النوب ، ولا يأوي إلي ظل إلا وجده ذات ثلاث شعب ، فدعني ادع هذا اليتيم الذي هو قلمي ، واخيط هذا الجرح الذي هو فمى لئلا أتكلم فيسيل دمي

وقوله " وضايقوا عكا بأبراج خشبية ضربت مع الابراج الحجرية المصاف ، وتقدموا بمنجنيقات محاربة لله ورسوله قطعت أيديها وأرجلها من خلاف الخ "

وقوله : " وكان الصباح قد ذاب في الليل قطرا ، وكأن البرق

لما ساوي الغمام بين صدفي الليل والنهار قال آتوني أفرغ عليه قطرا " الخ

وباختصار لا يكاد الباحث يظفر برسالة من رسائل هذا الكاتب  إلا ويجد فيها ميلا شديدا ومقصودا إلى الاقتباس من القرآن الكريم  . وظاهر أن الاقتباس هنا له طريقة خاصة لا يحذقها غير من كان في مرتبة الفاضل من الأدب والبلاغة . فالإقتباس في حقيقته ليس إلا نثرا للقرآن الكريم على طريقة تشبه طريقة ابن العميد وغيره من الكتاب الممتازين في نثر المنظوم ؛ وليس كل الناس قادرين على سلوك هذه الطريقة الأدبية اللطيفة ، وهي حل الآيات القرآنية الكريمة ، وتعلية الرسائل بها بحيث لا تبدو هذه التحلية نابية في مكانها ، أو سمجة في منظرها

وعلى هذا فأول ما يمتاز به النثر الفاضلي هو هذه الخاصة الفنية التي نسميها ) نثر القرآن ( ، والاستفادة منه على سبيل الاقتباس . ولهذا النثر للقران شروط واوضاع ذكرها ابن الاثير في كتابه ) المثل السائر ( ، وأبان عن طريقة استعمالها ووضع يده على مواضع جمالها . وللباحثين ان يرجعوا إليها ليروا مبلغ عناية القوم بها في ذلك العصر الذي عاش فيه الفاضل زعيما للأدب ، وزعيما للسياسة ، وزعيما للمجتمع وقبل ان اترك هذا المقال اعود إلي القول إنه وإن كان مثل هذا الأسلوب الرفيع خليقا بالاحتذاء والتقليد ،

فإنني لم أعرضه على الناشئة من ادبائنا ليقلدوه او يحتذوه .

فأكبر الظن أنه يصعب عليهم ذلك إلي درجة كبيرة ؟ ولكنهم إذ يجدون صعوبة في محاكاته ، لا ينبغي ان يفوتهم الشعور بجماله . وليكونوا في هذا اشبه شيء برجل وجد في نفسه راغبة قوية إلى دخول متحف من متاحف النحت او الرسم او التصوير ، فدخله واجتمع بما فيه من صور ورسوم وتماثيل ، وإن كان لا يأنس من نفسه المقدرة علي مجاراة اصحابها في مضمارهم ، أو التشبه بهم في مذهبهم والتلعق

بهم في الفن الذي وقفوا جهودهم عليه .

اشترك في نشرتنا البريدية