لست أقصد بحديثي هنا أن أحمل الناشئة من الأدباء في نهضتنا هذه على احتذاء الفاضل في اسلوبه . فأنا اعلم جهدا أن النهضة الأدبية التي غمرتنا منذ القرن الماضي ،
قد انتهت فعلا من اختيار الطريقة الادبية في الشعر وفي الكتابة ، وأن ظروفا أحاطت بمصر منذ أواخر القرن الماضي أوجبت على أدبائنا أن يتخذوا لأنفسهم أسلوبا أدبيا معينا يميل إلى حرية العبارة " اعني إلي إطلاقها من قيود السجع وغيره من المحسنات البديعية على اختلافها ؛ وكان من هذه الظروف التي اشير إليها ظهور الصحافة ، وظهور المطبعة ، وشيوع الثقافة الأوروبية المنوعة ، ونشوب الثورات الاجتماعية حينا والعقلية حينا والسياسة احيانا
ولكني أتحدث عن أدب القاضي الفاضل دائما من الناحية التاريخية الخالصة ، وأري من وراء ذلك إلى فهمه فهما صحيحا لا أثر فيه للنزعات العصرية الجامحة ، وهي النظرات التى فرضت على الكثيرين منا نبذه ، وإنكاره والحط من قيمته . إلا ان المؤرخ الأدبى ينبغي ان يكون اشبه رجل بالقاضى العدل ، لا يصح ان يتأثر بميوله او بميول قومه في الحكم على الآداب القديمة ، وخاصة أن أصحابها ماتوا ولم يعد في قدرتهم الدفاع عن المثل الأدبية التي اختاروها لأنفسهم ، أو الطريقة الفنية التي آثروها باستعمالهم
والحق أننا حين نوازن بين أدبائنا في العصر الحاضر وبين أدباء القرون الوسطى من امثال القاضي الفاضل وتلامذته تتضح لنا هذه الظاهرة : وهي ان ادباءنا ، وإن امتازوا بالنشاط العقلي فإنما يعيبهم في مقابل ذلك الكسل الفني ؛ أما ادباء القرون الوسطى فعلى العكس منا يمتازون بالنشاط الفني ويعيبهم الكسل العقلي أي أن أدباء العصر الحديث هم أدباء الفكرة والمعنى ، يعنيهم اللفظ الذي يعبر عنها ، سواء حقق هذا اللفظ لذة فنية عندهم أم لم يحقق هذه اللذة
أما أدباء القرون الوسطي فيعنون بالأسلوب والرونق ، ويحرصون على أن يحقق لهم الألفاظ التي يصطنعوها غاية جمالية ولذة فنية ومعنى ذلك ان الكفتين في هذا الميزان الأدبى الذي أمامنا متعادلتان أو كالمتعادلتين . بل إنه إذ كانت الآداب تقاس أحيانا بحضارة اصحابها او بتفوقهم في ميادين العلم أو الحرب أو الخلق أو السياسة ، فمن الحق أن يقال عن ادب الفاضل وتلاميذه إنه ادب قد اقترن بفترة من أعظم فترات التاريخ الإسلامي ، وأزخرها بالحياة الحضرية والحربية والخلقية والعلمية في نهاية الأمر . والقاضي الفاضل نفسه ثمرة من ثمرات هذه الحياة الخصبة القوية
وبعد ، فاني أحدث القراء في هذه المرة عن خاصة واحدة من خصائص الفن الفاضلي ، هي خاصة ) الاقتباس ( ، أقف بهم عندها وأوضح لهم طريقة الفاضل في اصطناعها ، وأقف من ذلك كله بقدر استطاعتي موقف القاضي العدل كما وعدتهم بذلك
والأقتباس كما يقول الحموي في كتابه خزانة الأدب : " هو أن يضمن المتكلم كلامه كلمة أو آية من آيات كتاب الله خاصة ، وهذا هو الإجماع " . ثم قال : والأقتباس من القرآن على ثلاثة اقسام : مقبول ، ومباح ، ومردود .
فالأول - ما كان في الخطب والمواعظ والعهود ومدح النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك .
والثاني - ما كان في الغزل والرسائل والقصص .
والثالث - على ضربين : احدهما ما نسبه الله تعالى إلي نفسه ، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه ، كما قيل عن احد بني مروان ، إنه وقع في شكاية من عماله : إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ؛ والآخر تضمين آية كريمة في معنى هزلي
ثم قال الحموي : والاقتباس على نوعين : نوع لا يخرج به المقتبس عن معناه كقول الحريري . " فلم يكن إلا كلمح بالبصر اوهو أقرب ، حتى انشد فأغرب
ونوع يخرج به المقتبس عن معناه كقول ابن الرومي :
لقد أنزلت حاجاتي بواد غير ذي زرع .
انتهي كلام الحموي وكما يكون الأقتباس من القران فكذلك يكون من الحديث ومن الفقه وغيرهما ؛ ولكن الإجماع على الاقتباس من الاول وهو القرآن ، والعلماء بعد مختلفون في الاقتباس من غيره .
والإجماع أيضا بين النقاد علي أن القاضي الفاضل فارس هذه الحلبة ، ومالك ازمة هذا الفن . وإذا جاز لنا ان نستعير تعبير ابن الأثير قلنا : إنه إن كان غير الفاضل ممن تقدمه اتى بشيء ، فإن الفاضل ركب فيه جوادا وركب غيره حمارا ، ونال منه نهلة واحدة ، ونال الفاضل منه نهلا وعللا
ولنا بعد ذلك كله ان نعرض لبعض النماذج اليسيرة من هذا الصنيع الفاضلى الجميل - وهو الاقتباس من القرآن الكريم - ليري القارئ بنفسه كيف كان الفاضل يجيد استعماله ، ويحسن اختياره كما يحسن الصراف الماهر أن بتجهبذ في نقوده ، أو كما يحسن الصانع ان يصوغ قلائده ، وعقوده ؟ او كما نري الرسام الماهر ينظر في صندوق الوانه فيكون إعجابه بلون منها أشد من إعجابه ببقية الألوان الآخر ، فيأبي إلا أن يؤثر هذا اللون نفسه بالاستعمال ،
ويحس باللذة حين يري هذا اللون في لوحته الفنية غالبا على سائر الألوان .
فمن نثر هذا الكاتب مما جمعه له جمال الدين بن نباتة في أوراق أسماها الفاضل من كلام القاضي الفاضل " قوله : " ولقد فضح الأوائل واتعب الأواخر ، ونبذ للناس الحصى ونظم الجواهر ، وتمسك بعصم الكلمات المؤمنات وتمسك البلغاء بعصم الكوافر الخ
وقوله : " ولئن كان هذا القلم امسي كعنترة شجاعا ، لقد امسي كالأحنف حليما ، قد ادبر بدواته فما يرفع راسا ولا يخصف عليه من ورق جنة البلاغة قرطاسا ، فلله اقلام في كهف
الدواة كأهل الكهف تحسبهم أيقاظا وهم رقود ، وتظنهم أحياء وهم أموات في اللحود ؛ ولولا ان مولاي ادم البلاغة لما استشعرت ملائكة الآقلام له الطاعة بالسجود الخ
وقوله : " أهلا بطلعته فإنها في غربنا مشرقة ، وبخواطره فيها لا تدخل من باب واحد وتدخل من ابواب متفرقة الخ "
وقوله : " وما اشبه الكلام معها بالحديد إلا ان فلها داود ، ولا كتبها في البديع إلا بمحضر سليمان وقد عرضت عليه جنوده الخ "
وقوله : " كتاب كريمي من حيث نسبته إليه ، كليمي من حيث نسبته إلى البيضا من يديه ، مسيحي من حيث إنه أحيا موات الأنس ، محمدي من حيث كاد مما نفثه من روعي روح القدس الخ
وقوله : " وأمور الدنيا قد ضربت عنها صفحا وطويت كشحا ، والخواطر قد ركدت عنها الموريات قدحا ، واقلام قد سالمت منه المغيرات صبحا الخ " .
وقوله " ياسيد اخيه لا تسأل عن خاطر تتناوب عليه النوب ، ولا يأوي إلي ظل إلا وجده ذات ثلاث شعب ، فدعني ادع هذا اليتيم الذي هو قلمي ، واخيط هذا الجرح الذي هو فمى لئلا أتكلم فيسيل دمي
وقوله " وضايقوا عكا بأبراج خشبية ضربت مع الابراج الحجرية المصاف ، وتقدموا بمنجنيقات محاربة لله ورسوله قطعت أيديها وأرجلها من خلاف الخ "
وقوله : " وكان الصباح قد ذاب في الليل قطرا ، وكأن البرق
لما ساوي الغمام بين صدفي الليل والنهار قال آتوني أفرغ عليه قطرا " الخ
وباختصار لا يكاد الباحث يظفر برسالة من رسائل هذا الكاتب إلا ويجد فيها ميلا شديدا ومقصودا إلى الاقتباس من القرآن الكريم . وظاهر أن الاقتباس هنا له طريقة خاصة لا يحذقها غير من كان في مرتبة الفاضل من الأدب والبلاغة . فالإقتباس في حقيقته ليس إلا نثرا للقرآن الكريم على طريقة تشبه طريقة ابن العميد وغيره من الكتاب الممتازين في نثر المنظوم ؛ وليس كل الناس قادرين على سلوك هذه الطريقة الأدبية اللطيفة ، وهي حل الآيات القرآنية الكريمة ، وتعلية الرسائل بها بحيث لا تبدو هذه التحلية نابية في مكانها ، أو سمجة في منظرها
وعلى هذا فأول ما يمتاز به النثر الفاضلي هو هذه الخاصة الفنية التي نسميها ) نثر القرآن ( ، والاستفادة منه على سبيل الاقتباس . ولهذا النثر للقران شروط واوضاع ذكرها ابن الاثير في كتابه ) المثل السائر ( ، وأبان عن طريقة استعمالها ووضع يده على مواضع جمالها . وللباحثين ان يرجعوا إليها ليروا مبلغ عناية القوم بها في ذلك العصر الذي عاش فيه الفاضل زعيما للأدب ، وزعيما للسياسة ، وزعيما للمجتمع وقبل ان اترك هذا المقال اعود إلي القول إنه وإن كان مثل هذا الأسلوب الرفيع خليقا بالاحتذاء والتقليد ،
فإنني لم أعرضه على الناشئة من ادبائنا ليقلدوه او يحتذوه .
فأكبر الظن أنه يصعب عليهم ذلك إلي درجة كبيرة ؟ ولكنهم إذ يجدون صعوبة في محاكاته ، لا ينبغي ان يفوتهم الشعور بجماله . وليكونوا في هذا اشبه شيء برجل وجد في نفسه راغبة قوية إلى دخول متحف من متاحف النحت او الرسم او التصوير ، فدخله واجتمع بما فيه من صور ورسوم وتماثيل ، وإن كان لا يأنس من نفسه المقدرة علي مجاراة اصحابها في مضمارهم ، أو التشبه بهم في مذهبهم والتلعق
بهم في الفن الذي وقفوا جهودهم عليه .
